لماذا لم تنتحر؟!

كان هذا هو السؤال الذي يوجهه دكتور فرانكل إلى مرضاه ممن يعانون من أنواع العذاب القاسية.

كان هذا على لسان الأستاذ الدكتور جوردون أولبورت في مقدمة كتاب الإنسان يبحث عن المعنى.

وبغض النظر عن الإجابات؛ فإن لدى كل شخص منّا شيئًا يستبقيه … ليبقى. وهذا هو ما توصل إليه مؤلف الكتاب من خلال تجربته التي خاضها في معتقلات النازية في الحرب العالمية الثانية. وهذا الشيء ليس «شيئا محددا» أو بالأحرى كما هي الحياة «لا توجد إجابة نموذجية»؛ فلكل تجربته وخبراته الخاصة التي تُمكِّنه من صياغة نموذجه وإجابته الفردية، والتي ليس من المفترض أن تكون مبررة للجميع. فقد كان هناك الحب الذي يربط الشخص بأبنائه، أو ربما الموهبة المرتقبة لتغير شيئاً ما، أو الذكريات … إلخ. ومن ثَم يحاول المعالج أن يُجمِّع الخيوط معا، ثم ينسج من هذه الخيوط الواهية والحياة المحطمة، كما وصفها أولبورت، «معنى ومسئولية»… وتلك هي غاية العلاج بالمعنى الذي صاغه فرانكل.

أحد أهم الأشياء المهمة في الخبرات البشرية أن تنتقل مصداقيتها من شخص لآخر فإذا به يجد المساحة الآمنة التي تمنحه ثقة تنقله أو تنقل إليه إمكانية تجاوز الأمر. وهذا هو ما ينقله لنا فرانكل وبمنتهى الصدق. صدق التجربة؛ فهو طبيب نفسي وجد نفسه سجين مخضرم في معسكرات النازية متجردا من كل شيء؛ فقد لقي جميع أفراد أسرته حتفهم في المعسكرات وأفران الغاز عدا أخته، وقد ذهب كل شيء أدراج الرياح وعانى البرد والجوع والقسوة، وتوقع الإبادة والموت بأشنع الطرق في كل ساعة. هو إنسان قد سُلبت منه كل قيم الحياة في لحظة، كيف به يجد في الحياة ما هو جدير بالبقاء؟!

يقول أولبورت من الجدير أن يُصغى إلى هذا الرجل؛ فذاك رجلٌ استطاع -وذاك أمرٌ جلل- أن يرى ظروف الحياة الإنسانية بنظرة ملؤها الحكمة والرحمة، فإذا بكلماته تصدح وتدوي بمنتهى الأمان والصدق والعمق؛ لأنها في جوهرها تستند على خبراته العميقة نتاج تجاربه الشخصية وخبراته كطبيب نفسي اشتهر بمدرسة العلاج بالمعنى.

لقد أرجع فرانكل منشأ بعض الأمراض النفسية المعنوية المنشأ إلى فشل الشخص صاحب المعاناة في أن يجد معنى وإحساسا بالمسئولية إزاء وجوده، وقد كان مهتما بالإحباط في «إرادة المعنى». وفي لمحة قد تبدو بسيطة لكن لا يتفهم هذا الأمر وبعمق سوى من مر به سؤال يُصنف بأنه وجودي ألا وهو «لماذا أحيا» أو «لماذا أنا هنا».

ويستمر أولبورت في السرد بأن هذا الكتاب والذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد سيرة ذاتية لشخص قد مر بهذه التجربة، لكنه في حقيقة الأمر سرد عميق للغاية حيال ما الذي يمكن أن يفعله المرء إذا ما تحقق فجأة من أنه «لا يملك شيئاً يفقده عدا حياته البائسة المتعرية بطريقة تبعث على السخرية». وما يستتبعه من وصف للتدفق السردي المختلط للانفعال والبلادة، وأن الهدف المبتغى من وراءه أن ندرك كنهه. وأن هذه الحالة، والتي هي المنتهى والمبتدأ، تبدأ بانفعالات شديدة وتمرد على الوضع، ثم ببرود مشوب بالدهشة إزاء قدره، ثم تراوده بسرعة أيضاً استراتيجيات الهدف منها المحافظة على البقاء… بقاء حياته. رغم أن فرص البقاء ضئيلة.

بالإضافة إلى أن ما يختبره المرء من مشاعر عميقة من قهر وخوف ومذلة وظلم وجوع يٌمكن تحمله بواسطة الصور المتخيلة عن المحبوب أو بواسطة الدين، أو بواسطة التحلي بروح المرح والدعابة أو تأمل الجمال في التفاصيل المحيطة للطبيعة.

ثم يواصل بأن لحظات الارتياح الخاطفة هذه لا توفر الأساس لبناء إرادة الحياة إلا أن تساعد الشخص أن يتوصل إلى إحساس أكبر انطلاقاً من معاناته البادية المتسمة بالبلادة. وهذا هو جوهر الوجودية: أن تعيش يعني أن عليك أن تعاني، ولكي تبقى عليك أن تجد هدف ومعنى في المعاناة، وفي الموت. وإن كان هناك هدف في الحياة، فإنه يوجد بالتالي هدف في المعاناة، وفي الموت. ولا يوجد شخص يمكنه أن يخبر الأخر بماهية هذا الهدف. فعلى كل شخص أن يكتشف هذا الهدف بنفسه ولنفسه، وأن يتقبل المسئولية التي تحددها إجابته عن ماهية هدفه. وإذا نجح في ذلك فإنه سوف يستمر في النمو رغم الهوان.

وكما يقول نيتشه: «إن من يجد سببا يحيا به، فإن في مقدوره، غالبا، أن يتحمل في سبيله كل الصعاب بأي وسيلة من الوسائل».

في الأزمات الشديدة للغاية كالتي أصابت فرانكل تخضع كل الأهداف المألوفة في الحياة للمسخ والأفول، ولا يتبقى سوى «آخر ما في الحريات الإنسانية»؛ أي قدرة الإنسان على «أن يختار اتجاهه من بين مجموعة من الظروف». وهذا ما يُطلق عليه «الحرية الغائية» التي أقرها الفلاسفة والرواقيون القدامى والوجوديون المحدثون. تلك الحرية التي تحتل مكانة كبيرة في قصة فرانكل؛ هناك حيثما يستطيع بعض المسجونين -باختيارهم- أن يكونوا «جديرين بمعاناتهم» وأن يرتقوا فوق أقدارهم الخارجية.

وهذا ما يحاول المؤلف فرانكل أن يصل إليه؛ الوصول إلى المقدرة الإنسانية المتميزة التي تُمكِّن المعالج من أن يوقظ في المريض الشعور بالمسئولية أمام الحياة رغم كل ما يمر به من ظروف قاسية.

يبدأ المؤلف سرده في هذا الكتاب من خلال ثلاثة أجزاء، وسنكتفي في هذه المقال بالجزء الأول.

الجزء الأول «خبرات في معسكر اعتقال»

ومع أن السرد قد يبدو أنه سرد لخبرات شخصية، إلا أن هذه التجربة من الممكن جدا أن تُعمم بتطبيق الخطوط العريضة لمسمى العلاج بالتسامي بالنفس وإيجاد المعنى في خضم كل هذا، مع نقل لخبرات يمر بها ملايين المسجونين من آن لآخر في معسكرات الاعتقال من ألوان التعذيب المتعددة، مع محاولة للإجابة على السؤال التالي: كيف كانت الحياة اليومية في معسكر الاعتقال تنعكس في عقل السجين؟

هذا السرد عن المعاناة التي يلاقيها السجناء العاديين للبقاء على قيد الحياة في كفاح شاق؛ ذلك الكفاح المحتدم من أجل الخبز…ومن أجل الحياة.

فما بين الحرب اليومية بين المسجونين، وما بين المصير المنتظَر للنقل والإعدام بالغاز أو أفران الحرق كانت تدور الحياة اليومية. صراع من أجل بقاء الشخص وربما صديقه.

المراحل التي يمر بها السجين (يتشارك معه صاحب المعاناة الشديدة):

الصدمة

تبدأ هذه المرحلة بالنقطة التي يدرك عندها الشخص بأن ما مضى من حياته شق، والقادم شق آخر. يقول فرانكل: في تلك اللحظة رأيت الحقيقة المؤلمة وفعلت ما يتوج المرحلة الأولى من استجابتي النفسية: لقد ألقيت جانباً بكل حياتي السابقة ومحوته رغم كل إرادتي. تلك اللحظة التي قد لا يكون لدى الشخص سوى وجوده المتجرد العاري من كل شئ.

نمط غريب من المرح

فعندما يدرك الإنسان أنه لم يعد هناك ما يخسره، يتملكه إحساس مروع بالفكاهة والمرح؛ فهو ينظر لحياته المتعرية بشكل يبعث على السخرية. ثم ينتقل الأمر إلى حب الاستطلاع؛ حب الاستطلاع تجاه مصيره وقدره المرتقب. بالإضافة لدهشته مما تؤول إليه الأمور جراء الأحداث التي تحدث وتلحق ببعضها، وردود فعله تجاه ما يحدث.

التعود:

«إن الأمر ينتهي بنا إلى اعتياد أي شيء

– كامو،

«بكوا في أول الأمر ثمّ ألِفوا واعتادوا، إنّ الإنسان يعتاد كلّ شيء، يا له من حقير»

(الجريمة والعقاب) – دوستويفسكي

،

«نعم، يستطيع الإنسان التعود على أي شئ، لكن لا تسألنا كيف يتأتى ذلك» هذا هو رد فرانكل للتغير الذي يطرأ على البشر في الأزمات لدرجة النقيض المتطرف.

ثم

فكرة الانتحار والإحساس بالعدم؛ تلك الفكرة التي تولدت من الإحساس بالعجز حيال الأمر.

ويقول لسنج «توجد أشياء تؤدي بك إلى أن تفقد عقلك، وإلا فإنه لا يوجد لديك ما تفقده».

ذلك التعود… اعتياد الأشياء والانتهاكات والسلوكيات غير السوية، ثم ينتقل إلى الطور التالي.

«رد الفعل غير السوي إزاء موقف غير سوي… هو استجابة سوية». فرانكل

لنتوقف هنا قليلاً؛ إنّ النقطة التي يقف عندها الفرد عقب أزمة غير معتادة/ قاسية ليتساءل عن ردود أفعاله وتصرفه المعاكس لما هو مألوف لهو رد فعل طبيعي -طبقاً لفرانكل- لذا لا عجب في الكثير ولا حاجة عندها للتبرير؛ وإنمّا الأدعى عندها ما سيفعله فرانكل في محاولة منه لتجاوز الأزمة.

البلادة والموت الانفعالي

أن يُساق طفل ويُعذب أمام عين السجين، ثم يُكمل مسيره كأن شيئا لم يكن. هذا غيض من فيض مما كان يحدث بالطبع داخل معسكرات الاعتقال. وعنه يقول المؤلف:

أن الشخص قد يصل لهذا عن طريق إماتة أي رد فعل سوي تجاه ما يحدث له؛ نتيجة لفرط شوقه للماضي، أو تفادياً للعقاب إذا ما أظهر ذلك الانفعال السوي. ومن ثم تتنحى المشاعر الطبيعية كالشفقة والاشمئزاز بعيداً، وتضحى هذه الأفعال شائعة ومعتادة لديه… وعلى غير ما يبدو من سلبية تكتنف هذا الفعل الذي أصاب السجين؛ إلا أنه بسبب فقدان القدرة على الحساسية، نشأت هذه القوقعة لحمايته ووقايته… البلادة كسبيل للبقاء.

ويمكن اختصار باقي الفقرات تحت هذا العنوان في نشاط غرائز البقاء والطعام، وانحسار ما دونها مثل الدافع الجنسي، والثقافي؛ فيما أسماه المؤلف «السبات الثقافي». واستثنى من هذا السبات الحديث عن السياسة والجدال فيها استناداً إلى الشائعات، والدين. يقول فرانكل « لقد نمى الاهتمام الديني بسرعة وشدة لدى المسجونين، وغالباً ما كان عمق الإيمان الديني وشدته يبعث على دهشة أي وافد جديد…» ويقول «على الرغم من مظاهر الانحطاط الجسدي والعقلي لحياة المعسكر، إلا أنه كان من الممكن للحياة الروحية أن تقوى وتتعمق» ثم في لفتة أخرى ينتقل إلى أن حساسية الشخص قد تكون سبب في ألم ومعاناة أكبر (يقصد بها استجابة الشخص للمؤثر، فإن توحيد المؤثر لا يأتي بنفس الاستجابة عند جميع الأشخاص)، إلا أن درجة تعرض ذواتهم الداخلية للأذى كانت أقل؛ فهم قد تعودوا على حياة عقلية غنية، مما مكنهم من الهروب من واقعهم إلى حياة داخلية وروحية ثرية؛ وهذا يفسر ذلك التناقض الظاهري بأن بعض المسجونين احتملوا بشكل أكبر من أولئك ذوي الطبيعة الخارجية القوية.

خلاص الإنسان هو من خلال الحب وفي الحب

لقد أنارت هذه التجربة في داخله بصيرة فيقول «لقد رأيت الحقيقة كما يتغنى بها الشعراء وكما نادى بها كثير من المفكرين على أنها الحكمة النهائية. تلك الحقيقة أن الحب هو الهدف الغائي والأسمى الذي يطمح إليه الإنسان. ثم أدركت معنى السر الأعظم الذي ينبغي أن يفصح عنه الشعر، والفكر، والإيمان الإنساني: أن خلاص الإنسان هو من خلال الحب وفي الحب»، ثم استأنف قائلاً متخيلاً صورة زوجته كمعين مؤقت لتجاوز ألمه برغم أنه لا يعرف إن كانت على قيد الحياة أم لا «ما أعرفه جيداً: هو أن الحب يجد معناه الأعمق في الوجود الروحي لهذا الشخص المحبوب، أي في ذاته الداخلية. وسواء أكان الشخص بالفعل حاضراً أم غير حاضر، وسواء أكان لا يزال على قيد الحياة أم لا، فإن هذه أمور تفقد في ذاتها بعض أهميتها»…. ثم ختم «الحب هو الخاتم الذي يبصم نفسه على القلب وهو في قوته كالموت».

ثم يستطرد حديثه عن حيل أخرى يغذي بها السجين فقر وجود روحه الآني بذكريات الماضي والهروب إليه، وتعظيم تفاصيله. بالإضافة إلى الإحساس بالجمال في تفاصيل ما حوله. كل هذا تلك الأشياء انتهت بروحه تخترق عالم الكآبة وتسمو بذلك العالم المشوب باللامعنى وبفقدان الأمل والرجاء… تلك الروح الباحثة عن هدف ومعنى غائي.

المعاناة حالة نسبية

مهما تكن معاناتك فهي تغمر الروح بأكملها؛ فيقول «إنّ المعاناة تغمر الروح الإنسانية كلها، والعقل الواعي بأكلمه، وبصرف النظر عما إذا كانت المعاناة كبيرة أم صغيرة… فإن (حجم) المعاناة مسألة نسبية تمامًا». ويشبه الكاتب هذا الأمر بالغاز ينتشر في الغرفة؛ وأنه مهما يكن حجم الغاز كبيرا أم صغيرا فإنه سينتشر ويحتل أرجاء الغرفة كاملة؛ وهكذا هي أحزان الإنسان وأزماته ستحتل روحه ووعيه بأكمله بغض الطرف عن حجمها. ومن ثَم يرى الكاتب أن محاولة تنمية روح المرح من أهم الحيل المتعلَمة من خلال التمكن من فن الحياة.

الحرية والاختيار

تحت هذا العنوان يحاول المؤلف تفسير الخصائص المميزة للمعسكر من خلال علم النفس؛ فهو يقول «ربما يعطي انطباعًا بأن الكائن الحي الإنساني يتأثر تماما وحتما بالمحيطين به» ثم يتساءل «ولكن ماذا عن الحرية الإنسانية؟ ألا توجد حرية روحية فيما يتعلق بالسلوك ورد الفعل إزاء الأشخاص المحيطين بالفرد؟ وما مدى صحة النظرية التي تقول بأن الإنسان لا يعدو أن يكون نتاج عوامل البيئة والظروف؟ وهل هذا فقط؟ أليس لدى الإنسان أي اختيار لأفعاله في مواجهة تلك الظروف؟»

ويستطرد بأن إجابته من وحي الخبرة والمبدأ بأن الإنسان -رغم كل ما مر به السجين- يستطيع أن يكون له اختياره لأفعاله، بل والقيام بأعمال بطولية تثبت أن بالإمكان التغلب على البلادة، وأن التهيج يمكن قمعه، ويمكنه أن يحتفظ ببقية من الحرية الروحية، ومن استقلال العقل، حتى في تلك الظروف المريعة من الضغط النفسي والمادي.

هناك دومًا اختيارات مما يأتي به الشخص. ففي كل يوم وفي كل ساعة تتأتى الفرصة لاتخاذ قرار- وهو القرار الذي يحدد ما إذا كنت تنوي أن تخضع أو لا تخضع لتلك القوى التي تهدد بأن تسلبك من ذات نفسك، ومن حريتك الداخلية. القرار بأن تنوي أن تصبح أو لا تصبح لعبة في يد الظروف.

العظمة الداخلية

قال دوستويفسكي «يوجد شيء واحد فقط يروعني وهو: ألا أكون جديرًا بآلامي». لقد رأي فرانكل في شهداء المعسكر واحتمال العذاب والموت، حقيقة أن الحرية الداخلية شيء لا يمكن فقده ولا يمكن سلبه، وأنهم كانوا جديرين بآلامهم.

وإن كان -على حد قوله- هناك معنى في الحياة بصفة عامة؛ فالآلام والمعاناة جزء من الحياة ويتعذر الخلاص منهما، شأنهما بل في مقدمتهما القدر والموت. وبدون المعاناة وبدون الموت لا تكتمل حياة الإنسان.

إنّ الطريقة التي يتقبل بها الإنسان قدره ويتقبل بها كل ما يحمله من معاناة، والطريقة التي يواجه بها محنة، كل هذا يهيئ له فرصة عظيمة -حتى في أحلك الظروف – كي يضيف إلى حياته معنى أعمق.

الرجوع للماضي

عندما تمر بالإنسان أزمة شديدة تقعده عن النظر للمستقبل ورؤية أهداف لما هو قادم؛ فإنه يدع نفسه تتهاوى ويجد نفسه مغمورًا بأفكار لأمور قديمة. لا للهروب من الواقع لزمن أكثر احتمالاً، وخطورة هذا الأمر تكمن في تجريد الحاضر من واقعيته وسلبها، وعندها يعتبر وجوده «وجود وقتي» غير واقعي، مما يجعله زاهدا في الحياة ويراها لا قيمة لها. كل هذا بدلاً من أن يتخذها فرصة لنموه المعنوي فيما وراء ذاته، ومن ثَم تصبح الحياة فارغة مجردة من معانيها.

ما يحاول المؤلف نقله عن تلك الخبرة أنه بإمكان الشخص أن يترفع عن اللحظة الآنية وآلامها ويجد لنفسه هدفا مستقبليا يجعله يعلو فوق الموقف الحالي وفوق الآلام والمعاناة التي كانت تعتمل في صدره. يقول سبينوزا في كتابه الأخلاق: «إن الانفعال، وهو في جوهره معاناة، يتوقف عن أن يكون انفعالاً ومعاناة حالما نكوِّن صورة واضحة ودقيقة عنه».

المسئولية ومعنى الحياة

قد تكون هذه الفقرة محبِطة بعض الشيء أو ربما كثيرا لأحد يتوقع أن يجد خلاصا هادئا يخلصه من معاناته؛ لأن الكاتب لا يرى الخلاص سوى من خلال المعاناة، بل أن الخلاص هو المعاناة بحد ذاتها، خلاص ينشد المعنى.

– «ويل لمن لا يرى في الحياة معنى، ولا يستشعر هدفًا أو غرضًا لها، ومن ثَم لا يجد قيمة في مواصلة هذه الحياة».

– ما هو متوقع من الحياة ليس هو فعلاً موضع الأهمية، وإنما ما يعنينا ما الذي تتوقعه منّا الحياة».

– يختلف معنى الحياة من شخص لآخر، ومن لحظة لأخرى؛ لذا من المستحيل تحديد معنى الحياة بطريقة عامة. ويتجسد هذا في أشكال ومهام حقيقية ومحددة. فحينما يجد الإنسان أن مصيره هو المعاناة فإن عليه أن يتقبل آلامه ومعاناته كما لو أنها مهمة مفروضة عليه- وهي مهمة فريدة ومتميزة، مع الاعتراف بأنه حتى في هذه المعاناة فريد ووحيد في الكون ولا يستطيع أحد أن يخلصه منها ولا أن يعاني عوضا عنه. وفرصته الفريدة تكمن في الطريقة التي يتحمل بها أعباءه ومتاعبه، وهي السبيل الوحيد للخلاص من اليأس.

ولربما يمكننا تشبيه الأمر بأن من يريد عبور البحر؛ فلابد سيبتل.

يستأنف:

– لقد تركنا -كسجناء- من فترة طويلة السؤال عن معنى الحياة؛ لأنه بحث ساذج يفهم الحياة على أنها تحقيق لهدف ما من خلال الخلق الفعال لشئ ذي قيمة. أمّا معنى الحياة، بالنسبة لنا، فيتضمن الدوائر الأوسع من الحياة والموت، وينطوي على المعاناة وعلى فقدان الحياة.

يقول الشاعر ريلكه: «هناك الكثير من الآلام ومن ألوان المعاناة ومما يتحتم علينا اجتيازه واختراقه»، وما يستتبعها مما أسماه «شجاعة المعاناة» المتمثلة في القدرة على الاحتفاظ بلحظات الضعف والدموع.

– إيجاد (إعادة بحث عن) هدف أو سبب يجعله يُبقي على الحياة؛ فيما ذكره بـ «التفرد» وأن لا أحد سواه يستطيع إنجاز هذا الهدف.

الأمل كمدخل علاجي

عند نقطة أو مرحلة ما قد يقف الشخص وجها لوجه أمام حياته، ليتأمل مدى فراغها وتجردها وهشاشتها، وربما يراها سواد حالك يغذيه عِظم وقع الأزمة بالإضافة إلى يأسه وبؤسه. وعندها يتساءل حقا مع رغبة استنكارية عميقة لا ترى أبعد من مد ذراعيه، ولا ترى شيئا سوى الضبابية والسواد. يرد فرانكل:

تحوي جعبة المستقبل والحياة الكثير والكثير مما يمكن أن تمنحه إيانا رغم كل شيء. وأن أسوأ من خسرناه من مال أو صحة أو وظيفة أو غيره يمكن استبداله وإحلال بديل له، وإن بدا غير ذلك في وقته. ومن الممكن له أن يعيد إحياءها وتجديدها.

إن الحياة الإنسانية تحت أي ظرف لا تتوقف أبدًا عن أي يكون لها معنى، وأن هذا «المعنى اللانهائي» للحياة يتضمن المعاناة والموت والحرمان والفناء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إنسان, معنى, يبحث

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد