يقول «إيرنان ريبيرا» في روايته «راوية الأفلام» على لسان بطلتها: «إن الحياة يمكن لها أن تكون بالضبط مصنوعة من مادة الأفلام».

بالتأكيد، حياتنا ما هي إلا فيلم طويل، نأخذ منها لمحات لنصيغها في أعمال روائية أو سينمائية لتؤثر فيها. نحن دائمًا في توق إلى الحكي، في توق إلى الرواية، دائمًا نحتاج إلى من يروي علينا أحداثًا، رغم أنها ليست حقيقية، فإننا نجد فيها متعة وتسلية وانعتاقًا أخيرًا من حياتنا الرتيبة، وربما تكون انعكاسًا لحياتنا!

في قليل من المرات، يجد الشخص نفسه يكتب عن قصة أو رواية أو فيلم؛ لأن الفيلم أو الرواية تكون قد مست جانبًا في هذا الشخص لا يهدأ إلا بالكتابة.

لربما يكون هذا موجز فيلم وحيد حامد وبطولة عادل إمام ويسرا: «الإنسان يعيش مرة واحدة»، على الرغم من الثغرات الإخراجية التي يحتويها الفيلم، فإن وحيد حامد بعيدًا عن «سيناريوهاته السياسية»؛ فهو يقدم سيناريو يضاف إلى قائمة أعماله التي تستحق تسليط الضوء عليها، والتي للأسف لم تنل شهرة كبيرة، كشهرة أفلام الثمانينات، أو كشهرة أفلام وحيد حامد في الفترة نفسها على الأقل.

إذا تتبعنا كل شخصيات الفيلم من أول «المدرس» و«الدكتورة» و«الفراش»، نجد أن كل شخصية مرآة للأخرى، كل شخصية تحمل أوجاعًا أو أخطاء كانت السبب فيما آلت إليه الأحوال فيما بعد.

فالأستاذ بسبب لعب القمار وحياة الصعلكة، والتي يؤكد لهم في البداية أنه لا ينتمي إلى تلك الحياة العبثية بشكل كامل. حُكم عليه بالنفي إلى أقصى الأرض (السلوم)، والدكتورة كانت دائمًا ترى نفسها محل اتهام بأنها السبب في مقتل خطيبها، لربما لم تكن هي السبب، ولكن ضميرها يحمل عليها هذا، والفرّاش -عامل المدرسة- يهرب إلى أقصى الأرض من ثأر عليه للقتل بالخطأ في بلده بالصعيد منذ ما يقرب من 25 سنة، وما زال يخشى أن يظهر صاحب الثأر فيقتله!

كلها شخصيات تحمل القدر نفسه من الأخطاء والأوجاع، ولكن الفارق يظهر مع شخصية هاني – المدرس الذي لا يستسلم لتأنيب الضمير وجلد الذات، أو قل التقوقع على الذات حتى إشعار آخر الذي لن يأتي على الأغلب- كما في حالتي الدكتورة والفراش، فهاني على الرغم من نفيه إلى أقصى الأرض الذي في الغالب لا يشكل معه أي فارق؛ لإحساسه بعدم الانتماء، فإنه يستغل أي فرصة للتعبير عن عدم تسلميه بالأمر الواقع، يقبض على أي فرصة للسعادة أو للخروج من حالة الجلد الذاتية، ولترك الحياة العبثية فهو يعيش بمبدأ «الحياة اللي كلها خوف، ملهاش لزوم» في سعي لفرصة أخرى في الحياة!

وعامل المدرسة- الهارب – وطالب الثأر استمرا 25 سنة يجدان في البحث والهرب في سبيل ماذا؟ لا شيء، إشباع شهوة قتل أو رد شرف مثلًا؟! ولكن، الحياة أبسط من أن تُختصر في قضية كانت في البداية من التفاهة بشيء، حتى تتحول الحياة إلى جحيم، أحدهم يختصر حياته طالبًا الثأر، والآخر جادًا في هربه حتى الحدود، ماذا يتوقع عندما يقابل هذا الهارب ابنه بعد 25 سنة من الغياب؟

ودكتورة المستشفى التي توفي خطيبها في حادث سيارة وهو متوجه إليها، حيث عملها بالمستشفى فيصل هناك جثة، تعيش حياتها الباقية بين نفيها الاختياري إلى مستشفى بعيدة عن العاصمة زمن الذكريات ومكانها – فهناك حيث الصحراء والزرع والبحر، فتفرض الأسود عليها حدادًا أو تأنيبًا، تقابل «هاني» أستاذ التاريخ، يحاول أن يقنعها أن الأشخاص تموت، ولكن الحب لا يموت، وأنه إذا ما استسلمنا للضعف الإنساني الذي يعترينا لربما كان علينا أن نموت، فيوم القيامة لن يأتي إلا إذا أمسينا بلا حب!

فبينما الحب يختمر بين طرفين، تشتعل من جديد نار الثأر بين طرفين آخرين. يعلن الأستاذ والدكتورة عودتهم من السلوم لعقد قرانهم في حين يسافر هريدي، المطالب بالثأر للسلوم ليأخذ بثأره من بكري عامل المدرسة، ويتقابل الطرفان في القطار، قطار الحياة، وعلى هذا القطار يستمر بكري في سرد وجهته للحياة وفلسفته المستمدة من التجربة: «الحياة لما تبقا بيضا افتكر الأسود عشان تسْلم، ولما تبقا سودا افتكر الأبيض عشان تقدر تعيش لبكرة»، فكأنه على هذا القطار المحمّل بكل طوائف الناس وبكل الهموم والآمال يتذكر أنه جبُن في يوم من الأيام على مواجهة الشر، وفضل الهرب لمدة طويلة استنزفت فيها حياته بأكملها وحياة عائلته، وقد قرر أخيرًا العودة إلى الديار حيث الأهل وحيث الثأر، فإذا قتل سيكون بين أهله وناسه.

ربما يكون نجم هذا الفيلم بلا منازع هو الجميل «علي الشريف» الذي أراهن القارئ أنه سيطلع على شخصية فريدة في شكلها ودخائلها النفسية نادرًا ما ترى في السينما المصرية الكلاسيكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد