تعاني المؤسسات الحكومية في العراق من أزمة وضعف أخذ بالتزايد بسبب عدم وجود ضوابط واضحة في إدارة تلك المؤسسات، فالقوانين ليست كافية لوضع الموظف في طريق السلوكيات الإدارية المنتظمة لينتهج نهجًا روتينيًا مفيدًا، لا كما هو الحال حاليًا؛ إذ إن المؤسسات الحكومية تنتهج أسلوبًا رتيبًا روتينيًا محبطًا ومعقدًا وسيئًا، لدرجة أنه يجبر الأفراد للذهاب إلى طرق ملتوية والبحث عن معقبين وسماسرة لقضاء حوائجهم وإنهاء سلسة الإذلال التي يمر المواطنون من خلالها حتى إنجاز معاملاتهم.

المؤسسة الحكومية عبارة عن مدير وموظفين وقانون يقبل التأويل وفراغ قانوني يتيح لكل من هب ودب أن يفسره على مزاجه الخاص به، أما أسلوب تسيير العمل، فيعتمد مدى قدم هذه المؤسسة، فإذا كانت من المؤسسات القديمة، فستجد موظفيها يعتمدون ما توارثوه من أساليب إدارية من زملائهم الأقدم منهم سواءً كانت أساليب حسنة أم سيئة، ومثل هذه المؤسسات، لا يمكن لأي مدير أن يغير أحوالها مطلقًا؛ لأنه سيصطدم بجدار كبير ومعالجة المشكلة ستكلفه تغيير كل كادره واستبداله بكادر جديد، لا يعرف شيء عن العمل، وبذلك ستكون الخسارة أكبر؛ لأن العمل بدلًا من أن يتأخر سيتوقف بالكامل، وهذا يعني أن المدير أمام خيارين، إما هدم المؤسسة بالكامل أو مجاراة الموظفين ومحاولة تحسين أدائهم.

أما المؤسسات الحكومية الحديثة فستكون عشوائية وغير مستقرة، وتسودها حالة من عدم الانضباط بسبب تعدد الأساليب بين الموظفين القدماء ذوي الطابع الكلاسيكي، وبين الموظفين الجدد ذوي طابع الحداثة، وبين الموظفين المحبين لإتقان العمل وبين الموظفين المهملين واللامباليين، ومع عدم وجود ضوابط صريحة مكتوبة غير موروثة في كيفية إدارة المؤسسة الحكومية فإن المدير سيكون عبئًا ثقيلًا عليها؛ لأنه سيديرها وفق هواه وهوى الموظفين المتملقين القريبين منه، وكلما استبدل المدير جاء الآخر، ليغير ما عمل به الأول وليسن سنة جديدة، وهكذا تستمر سلسة المزاجيات لتظهر بعد سنوات من العبث مرضًا خبيثًا، يأكل عمود المؤسسة الفقري ويحط من قيم ومفاهيم الإدارة كما يعرفها العالم.

من الضروري أن تكون لكل مؤسسة ضوابط إدارية مكتوبة ومقرة، ولا يمكن التلاعب بها أو تغييرها حسب مزاج المسؤول وهواه، بل تكون كالقانون تحدد كل تفصيل صغير وكبير في سلسة عمل المؤسسة إداريًّا، من باب المؤسسة حيث الاستعلامات وصولًا إلى مدير المؤسسة، وهذه الضوابط تعنى بأدق التفاصيل، ويكون الموظف ملزمًا بالعمل بها وعند مخالفته لها يخضع للمحاسبة وفقًا للقانون.

إن كتابة مثل هذه الضوابط يقلل الحاجة إلى كثرة أجهزة الرقابة والمتابعة داخل المؤسسات، بل وسيقتصر عملها على معرفة المقصر من خلال معرفة مدى تطبيق الموظف لهذه التعليمات من عدمه، فالموظف بحاجة إلى خارطة للعمل عليها، وهذه الخارطة يجب أن تكون ثابتة، ولا تتغير بين الحين والآخر، وتحد بشكل كامل العقد النفسية للمدراء والمسؤولين، حيث ستحجمهم بشكل كامل، وستضع كل موظف في مكانه المناسب، وأهم ما يمكن لهذه الضوابط أن تفعله، إنها ستركز على المتملقين وتقيد حركتهم داخل المؤسسة، وتجعل من تملقهم بلا فائدة؛ إذ إن المسؤول محاصر بالقانون من جهة وبالضوابط من جهة أخرى، ولا حل لديه سوى أن يحافظ على اتزانه.

ولكن تبقى هذه أمنية لا أكثر، إذ إن هذه الضوابط لو وضعت؛ فإنها ستهدم آمال الكثيرين وستجمدهم وتقلل منافعهم، فهم اعتادوا أن يكونوا في موضع المتسلط والمتوحش مستغلين كل تلك الفوضى، وفي موضع الحقير المتذلل المتملق لنيل رضا من هم أقوى منهم وأكثر سلطة، والمتضرر بينهم هو الموظف المثالي صاحب المبادئ، وكذلك المراجع الفقير الذي لا يملك واسطةً أو مالًا لينفقه على الرشاوى والسماسرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد