تمهيد:

عرفت فرنسا وأوروبا بوجه عام خلال عقدين على الأقل ارتفاعًا في معدلات الهجرة الدولية، حتى أصبحت هذه الظاهرة مقلقة بالنسبة للحكومات الأوروبية، وكان لصعود اليمين المتطرف أثر بالغ في إدارة ملفات الهجرة واللجوء. ومع انتشار جائحة كورونا مطلع العام 2020 تنوعت إجراءات الدول للحد أو التحكم في تداعياتها، ولجأ البعض إلى غلق الحدود في صورة غير مسبوقة وتعليق السفر وطلبات اللجوء والهجرة، كما بدأ يُنظر إلى هذه الأزمة الصحية العالمية بوصفها حجة يجري توظيفها سياسيًّا في بعض الحالات، كما هو الشأن مع ظاهرة الهجرة الدولية.

يتناول هذا المقال جانبًا من محددات الإدارة الفرنسية في عهد «ماكرون» لملف الهجرة الدولية، وذلك في ظل التداعيات المستمرة لجائحة كورونا منذ بداية العام 2020، بحيث يشهد العالم في الوقت الراهن موجة مستمرة من الوباء وأكثر خطورة، بالإضافة إلى تنامي خطاب الكراهية والعنصرية ضد المسلمين بحجة مكافحة التطرف الإسلامي والإرهاب، مما يجعل مسألة الهجرة واللجوء في فرنسا محاطة بكثير من الترقُّب في ظل التعامل مع هذه الظواهر من منطلق أمني تحديدًا. فكيف أثرت أزمة كورونا في الإدارة الفرنسية لملف الهجرة الدولية في عهد الرئيس ماكرون؟

أولًا: تعريف الهجرة الدولية

يشير مصطلح الهجرة إلى «ترحال طوعي للأفراد والجماعات يحقق لهم شروط حياة أفضل». كما يمكن تعريف الهجرة الدولية بأنها عملية «التوطين» (Immigration) انطلاقًا من تعريف الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم للمهاجر في 1990: «الشخص الذي سيندمج أو أُدمج في نشاطات مربحة أو ذات أجر في دولة لا تعتبر موطنه الأصلي». كما تعرفها منظمة الهجرة الدولية بأنها «انتقال الأشخاص عبر الحدود لغرض العمل في دولة أجنبية».

والهجرة الدولية يمكن أن تشمل الهجرة النظامية أو الشرعية، والهجرة غير النظامية أو غير الشرعية، وأيضًا ظاهرة اللجوء الإنساني التي تندرج في إطار ما يعرف بالهجرة القسرية التي تكون تحت تأثير عامل الحرب والقمع والاضطهاد. فمصطلح الهجرة الدولية عمومًا مرتبط بظاهرة التدفقات البشرية نحو نطاقات جغرافية متنوعة، وهي حالة الانتقال من إقليم إلى آخر بأشكال وصور متنوعة (شرعية وغير شرعية، أوقات السلم والحرب).

ويشير المصطلح ذاته أيضًا بمعناه الواسع إلى «كل أنواع الانتقالات بما في ذلك تغيير محل الإقامة سواء عبر الحدود الدولية أو داخل الدولة». والظاهرة «تشمل هجرة اللاجئين والأشخاص المشردين والأشخاص المهجَّرين قسرًا والمهاجرين لأسباب اقتصادية».

ثانيًا: محددات الرؤية الفرنسية لملف الهجرة الدولية في ظل صعود اليمين المتطرف

ظاهرة الهجرة الدولية نحو فرنسا ليست وليدة اليوم، وإن كان المهاجرون من شمال أفريقيا وتحديدًا المنطقة المغاربية يشكلون نسبة كبيرة جدًّا، بحيث تسجل منطقة شمال أفريقيا نسبة مرتفعة في معدلات الهجرة إلى أوروبا، فحتى عام 2019 تم إحصاء 12 مليون شخص مهاجر من المنطقة، 3.3 ملايين من بينهم يعيشون في منطقة الخليج والباقي في دول أوروبية من بينها فرنسا. وحتى عام 2017 بلغ عدد المهاجرين نحو فرنسا من المنطقة المغاربية 2.9 ملايين شخص. في 2017 أيضًا، استقبلت القارة الأوروبية عددًا كبيرًا من المهاجرين واللاجئين من المنطقة ذاتها (أي المنطقة المغاربية)، بمعدل فاق 86%، بحيث سجلت فرنسا أكثر من 2.7 ملايين شخص (50% من المهاجرين المغاربة les Maghrébins) وتلتها في ذلك كل من إسبانيا وإيطاليا. وفي 2016 أيضًا احتلت فرنسا المرتبة الأولى في الفضاء الأورو-مغاربي كوجهة أساسية للطلاب بنسبة 57%.

وقد صُنِّفت فرنسا كواحدة من مجموع 20 دولة أوروبية رئيسة للهجرة في 2019، وأيضًا من ضمن 10 دول أوروبية رئيسة من حيث مجموع اللاجئين وطالبي اللجوء حتى حلول العام 2018.

تمكَّن اليمين المتطرف في أوروبا من تحقيق نجاح واسع في الانتخابات التشريعية خلال السنوات الأخيرة، تحديدًا الفترة ما بين 2014 و2017، في ظل تراجع مكانة الأحزاب التقليدية وشعبيتها. لقد «أعطى مسار الانتخابات في فرنسا عام 2017 صورة نموذجية لأبعاد موقع اليمين المتطرف سياسيًّا وشعبيًّا في أوروبا على خارطة القوى السياسية»، حيث تمكنت «مارين لوبان» زعيمة حزب «الجبهة الوطنية»، من الفوز في انتخابات البرلمان الأوروبي بـ25% من الأصوات في مايو (أيار) 2014، وكانت هنالك توقعات بنجاحها في الانتخابات الرئاسية بـ30%.

لقد شكلت أحداث 11 سبتمبر 2001، التداعيات الأمنية للحراك العربي والأوضاع الاقتصادية والأمنية في عدد من الدول الأوروبية خلال السنوات الأخيرة عاملًا أساسيًّا في تصاعد نبرة الخطاب اليميني المتطرف. وقد عرفت أوروبا هجمات إرهابية نفَّذها أفراد في كل من باريس، هولندا، نيس الفرنسية، بروكسل، ميونيخ، برلين، إلخ، فعملت الأحزاب اليمينية المتطرفة على «أمننة» ظاهرتي اللجوء والهجرة، وربطهما بالتطرف والتهديد الإرهابي الذي يطول المجتمعات الأوروبية.

كما برز رافدٌ اجتماعي ظهر منذ عقدين، فحواه أن العمالة المهاجرة أصبحت تمثل عبئًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وتحديًا ثقافيًّا بالنسبة للهوية المسيحية، باعتبار أن الأجانب يشكلون عائقًا على صعيد مناصب الشغل، بحيث يجري التنافس ومزاحمة المواطنين بشأنها، ويهددون استقرار الهوية الأوروبية، بالتالي فإن قدوم أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين عُدَّ أزمة حقيقة. ويجري تصوير المهاجرين «باعتبارهم تهديدًا للهوية الوطنية، ومنبعًا رئيسًا للبطالة والجريمة، ومصدرًا للرجعية وانعدام العقلانية والإنسانية»، وهو ما اتضح من خلال ربط «مارين لوبان» بين أحداث «شارلي إيبدو» في فرنسا (يناير/ كانون الثاني 2015) وارتفاع نسبة المهاجرين.

انطلاقًا من ذلك، يمكن تحديد أهم التوجهات المسيطرة على رؤية اليمين المتطرف في أوروبا وفرنسا بوجه الخصوص لظاهرة الهجرة الدولية كما يلي:

* الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في أوروبا خلال العقدين الأخيرين تقريبًا، والتي اتَّسمت بارتفاع معدلات البطالة وتنامي الاحتجاجات الشعبية على هذه الأوضاع، مما جعل أحزاب اليمين المتطرف تبرِّرها بارتفاع أعداد المهاجرين واللاجئين وما باتوا يشكلونه من عبء اقتصادي ومالي على الحكومات الأوروبية.

* تعد ملفات اللجوء والهجرة ورقة سياسية مثمرة بالنسبة لأحزاب اليمين المتطرف من خلال «أمننتها» واستغلالها في التنافس السياسي والسباق الانتخابي، وهو ما تجلَّى في انتخابات فرنسا التشريعية والرئاسية (2014 و2017 على التوالي).

* ترى أحزاب اليمين المتطرف بأن النسبة المرتفعة للهجرة الدولية إلى الدول الأوروبية تشكل تداعيات سلبية على صعيد الهوية الدينية والخصوصية الثقافية للمجتمعات. بالإضافة إلى الكراهية تجاه المسلمين الذين ترتفع أعدادهم في أوروبا، وعدم التمييز في توظيف مصطلحات مثل: «مسلم»، «متطرف»، «إرهابي».

* الربط بين الهجرة الدولية نحو فرنسا وانتشار الإرهاب (في سياق ما يتم الترويج له تحت مسمى «الإسلاموفوبيا»)،كما لا يجب إغفال أنَّ عددًا كبيرًا من الأفراد الأوروبيين قد التحقوا بصفوف تنظيم الدولة «داعش» الإرهابي في السابق؛ مما يجعل عودتهم المحتمَلة هاجسًا أمنيًّا لدى الحكومات الأوروبية بوجه عام.

ثالثًا: أزمة كورونا في فرنسا وإدارة ملف الهجرة الدولية

شكَّلت ظاهرة كورونا المستجدة في بدايتها خوفًا وغموضًا كبيرين لدى الحكومات، سواء من حيث طبيعتها أو من حيث سياسات التعامل معها. وبالنظر إلى حالة الغلق (غلق الحدود وتعليق السفر) التي شهدتها معظم دول العالم في محاولة للحد من هذه الجائحة والتوصل إلى حل لاحتوائها، ذهبت بعض التحليلات إلى القول بأن تدفقات الهجرة الدولية قد تتزايد بمجرد رفع الحجر وحظر السفر.

في الحالة الفرنسية، وبالتزامن مع الأزمة الصحية، انخفض عدد طالبي اللجوء المستفيدين من مساعدات الحكومة ماليًّا إلى 2415، وذلك خلال الفترة: مارس (آذار)- أبريل (نيسان)- يونيو (حزيران) 2020. هذا الرقم قدَّمه مكتب الهجرة والاندماج بفرنسا. يضاف إلى ذلك استمرار عملية ترحيل المهاجرين غير الشرعيين. وقبل ذلك كان الرئيس الفرنسي «ماكرون» قد أعلن الصرامة في تعاطي الإدارة الفرنسية مع ملف الهجرة واللجوء بحلول 2018.

وقد ارتفع عدد الإصابات بفيروس كورونا في فرنسا ليتجاوز 6 ملايين شخص (حسب إحصاء يوم 11 أغسطس/ آب 2021)، وكان الرئيس «ماكرون» قد عبَّر عن مخاوفه من تداعيات الموجات المتتالية من هذه الجائحة، خاصة وأن خبراء فرنسيين أكدوا فقدان السيطرة على انتشارها في وقت سابق. بالتالي، بات من الواضح وجود علاقة بين الأزمة الصحية الراهنة وسياسة فرنسا تجاه ملف الهجرة واللجوء، والتي تشهد صرامة أكبر في عهد ماكرون.

وتعرِّف فرنسا نفسَها بوصفها «جمهورية علمانية، تضمن الحرية الدينية وتحمي حرية الفكر»، في حين أن سياسات الحكومة المتعلقة بالهجرة الدولية وممارسة الحق في العبادة بالنسبة للمسلمين باتت تؤكد عكس ذلك، فقد جرى العمل على ترحيل أكثر من 200 شخص في ظل إجراءات مكافحة التطرف مع نهاية العام الفارط، كما يجري تقييد الحرية الدينية في صلتها بالمساجد. وبدعوى مكافحة التطرف الإسلامي (وهو ربط مجحف)، تعمل إدارة الرئيس ماكرون على الحد من تدفقات الهجرة الدولية نحو فرنسا بكل الأشكال.

في تصريح لوزير الداخلية الفرنسي «كريستوف كاستانير» نهاية 2018، قال إن فرنسا لن تكون «محكمة استئناف» لطالبي اللجوء الذين رَفضت طلباتهم دولٌ أوروبية أخرى. كما عبَّر رئيس الحكومة «إدوارد فيليب» عن سعي فرنسا جاهدة من أجل «فرض حصص سنوية لاستقبال العمالة الأجنبية وفق متطلبات الاقتصاد الفرنسي». لقد عبَّرت الحكومة الفرنسية مرارًا عن عجزها أمام تدفق المهاجرين، مثل العنوان الذي تصدَّر اهتمام صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية قبل مدة، حيث اعتُبر هذا الملف عبئًا على الإدارة الفرنسية. وفي دراسة للمفوضية الأوروبية خلال 2018، عبَّرت النتائج عن أن كل أربعة من مجموع 10 أشخاص في أوروبا يعدون الهجرة الوافدة مشكلة، وذلك في مقابل خطابات اليمين المتطرف المناهضة للأجانب، واعتبارهم مصدرًا لأزمة اجتماعية وأمنية في أوروبا، خاصة مع انتشار موجة الأعمال الإرهابية منذ 2015.

وفي سياق الحديث عن مكافحة التطرف، انتهت الحكومة الفرنسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 من صياغة ما عُرف باسم «مشروع قانون تعزيز القيم الجمهورية»، والذي أتى ردَّ فعل على مقتل أستاذ التاريخ «صامويل باتي»، و«يشمل القانون تشديد الرقابة على تمويل الجمعيات ومعاقبة المحرضين على الكراهية عبر الإنترنت». لكنه في الأصل يهدف إلى التصدي للتطرف الإسلامي بوجه خاص، وهو ما يعد نفيًا للأشكال الأخرى من التطرف، الأمر الذي يعزز ظاهرة الكراهية تجاه الأجانب وخاصة المسلمين في المجتمع الفرنسي ويؤثر في استقرارهم داخله، وفي المقابل نمو مطلب ترحيل المهاجرين واللاجئين بوصفهم عبئًا وتهديدًا من وجهة نظر الحكومة الفرنسية.

ما يمكن استخلاصُه في الأخير هو أن ملف الهجرة الدولية من الملفات الحساسة خاصة بالنسبة لدول الاستقبال، وهو الحال في أوروبا التي تعد قبلة أساسية للمهاجرين واللاجئين. وحساسية هذا الملف تتصل بعوامل متنوعة من ضمنها التدفق الهائل لأعداد المهاجرين الدوليين خلال الأعوام الأخيرة، بالإضافة إلى تصاعد موجة اليمين المتطرف خلال عقد من الزمن تقريبًا. وفرنسا لا تخرج عن سياق الدول التي باتت تتعامل مع ملف الهجرة الدولية من منطلق سياسي وأمني بحت، ومع انتشار الموجات الجديدة والسلالات المتحورة لفيروس كورونا، وجدت إدارة الرئيس ماكرون نفسَها أمام هاجس متعدد الأبعاد، بالتالي لا يمكن إنكار تأثير هذه الأزمة الصحية في السياسة الفرنسية تجاه ملف الهجرة الدولية، وقد سعى هذا المقال إلى تناول جانب من تداعيات جائحة كورونا على هذا الملف، مع ربط ذلك بتدابير مكافحة التطرف بحجة تعزيز قيم الجمهورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد