تمكنت قوات سوريا الديمقراطية، والمسماة اختصارًا «قسد»، من بسط سيطرتها على مدينة منبج الواقعة في الريف الشمالي لمحافظة حلب السورية، ويأتي هذا بعد أكثر من 70 يومًا من المعارك المستمرة لطرد تنظيم الدولة «داعش» من المدينة، وبدعم غير محدود من طيران التحالف الدولي الذي ارتكب مجازر عديدة راح ضحيتها أكثر من 300 مدني لا ذنب لهم، ووعد بالتحقيق في هذه المجازر.

لا شك أن انسحاب التنظيم من المدينة استمرار لانحسار رقعة الأراضي التي يسيطر عليها، فلم يتبق له الآن في محافظة حلب سوى جرابلس وبلدة الراعي ومنطقة دابق الشهيرة، والتي سيستميت التنظيم في محاولة الحفاظ عليها، ومجموعة من القرى حول منبج التي أصبح سقوطها وشيكًا.

في الطرف الآخر قوات سوريا الديمقراطية، والتي تتكون في الأساس من وحدات حماية الشعب الكردية، ومجموعات من المرتزقة تم استجلابهم من الخارج «ظهرت صور لبعضهم بعد أن قتلوا»، بالإضافة إلى مجموعات قليلة من السوريين العرب والسريان والتركمان، والهدف من كل هذا كان عدم وصف هذه القوات بأنها ذات طبيعة قومية معينة، تستمر هذه القوات في التقدم، ومع سقوط مدينة منبج في أيديها لم يتبق لها غربًا سوى جرابلس والراعي، وهما تحت سيطرة تنظيم الدولة، بالإضافة إلى بلدات أعزاز وتل رفعت ومارع، وهذه البلدات تحت سيطرة فصائل الجيش الحر، وحينها تتمكن قوات سوريا الديمقراطية من وصل الشرق بالغرب في الشمال السوري، من الحسكة في أقصى الشمال الشرقي إلى عفرين في الغرب. وتكون هذه القوات قد حققت هدفها الأساسي في إقامة كيان للأكراد، وعلى طول الحدود السورية التركية.

كل هذا يجري بغطاء أمريكي لهذه القوات، وربما بوعود من تحت الطاولة بإقامة دولة كردية في الشمال السوري، واستغلال هذه القوات انشغال باقي أطراف الصراع في سوريا بمعارك أخرى.

قبل أن تسقط مدينة منبج بأيدي قوات سوريا الديمقراطية، كانت المدينة تعيش أوضاعًا صعبة جدًّا، فمن الحكم الجائر لتنظيم الدولة إلى القصف المتكرر من طيران التحالف الدولي وقتل الأبرياء، ولكن بعد سقوط المدينة فالوضع مرشح ليصبح أصعب وأشد خطورة، وقد تبدأ بعد فترة عمليات الإحلال والتجديد في المدينة، ومحاولة تغيير البنية الديموغرافية للمجتمع فيها والتي يغلب عليها الطابع العربي بالمطلق تقريبًا.

وهذه المخاوف تعود لسببين رئيسيين:

1- ما سبق وفعله حزب الاتحاد الديمقراطي مع سكان قرى مدينة تل أبيض العرب، حيث تم تهجير السكان بشكل ممنهج وهدم وتدمير منازلهم، وحدث هذا كله بحجة أن للسكان صلة مع تنظيم الدولة!

2- من المؤكد أن قوات سوريا الديمقراطية لا تعمل من أجل نشر قيم الحرية وتخليص الشعب السوري من استبداد النظام أو تنظيم الدولة، ولو كان هذا لعقدت اتفاقيات مع الفصائل الثورية في سوريا لمحاولة التوحد، أو لكانت قاتلت مع فصائل المعارضة السورية ضد نظام الأسد على أقل تقدير، ولكنها تعمل لهدف معين ووفق أجندة مرسومة ومعدة مسبقًا، فنجد اختيارها للمناطق التي تريد السيطرة عليها بعناية شديدة، ووفق قواعد إقامة كيان كردي في الشمال.

إلى شمال سوريا حيث تركيا المنشغلة بتداعيات الانقلاب العسكري الفاشل فيها، ولكن من المعروف أن أكبر مشكلة للحكومة التركية هي مشكلة الأكراد وحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيًّا من قبلها، وهي بالتأكيد واعية لما يحدث على حدودها الجنوبية، ولن تسمح بشكل من الأشكال بإقامة هذا الكيان الكردي، فهذه مسألة أمن قومي بالنسبة لها، ولكنها الآن منشغلة بإعادة ترتيب البيت الداخلي؛ لتبدأ بعدها التحرك السياسي بل وربما العسكري في الجنوب.

وكالعادة شاهدنا نفاق الإعلام الغربي في إظهار المدينة وكأنها تحررت، ولم ينظر هذا الإعلام إلى ما فعلته قوات سوريا الديمقراطية من إحراق السجلات المدنية ووثائق الملكية لأهالي المدينة، وهذا معلوم الأسباب، وما حدث من تهجير أكثر من 200 ألف من أرضهم، بل اكتفى بعرض صور نساء يخلعن النقاب ويدخن السجائر، وتصوير المدينة على أنها ستعيش النعيم بعد هذا!

ذكرتني صور استقبال قوات سوريا الديمقراطية من قبل بعض الأهالي في مدينة منبج بصور حدثت منذ ثلاثة عشر عامًا بالضبط، عندما صُور بعض العراقيين وهم يستقبلون الجنود الأمريكيين استقبال «الفاتحين»، ونحن نعلم ما حدث في العراق بعدها من قتل لمئات الآلاف، وتهديم لبنية المجتمع، ولا يسع العاقل بعد هذا سوى القول إن منبج انتقلت من احتلال إلى احتلال، وربما احتلالٍ أسوأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد