لم يكن مبيت 40 ألفًا من أهالي منبج في العراء احتفالًا بخروج داعش منها، إنما خوفًا من المفخخات والألغام المتوقع وجودها في منازلهم وقلقًا من عودة عناصر داعش في أية لحظة إلى المدينة واتخاذهم دروعًا بشرية من أهلها.

بعد أكثر من عامين من رزوح المدينة تحت سيطرة تنظيم داعش يُخيّل لبعضهم أن الفرح سيكون سيد الموقف، لكن الهدوء الحذر كان عنوان الساعات الأولى من حياة منبج بمعزلٍ عن داعش.

عاد الأهالي بين مصدق ومكذّب، وقضى شطرٌ منهم ليلته الأولى في منبج، بينما بات الآخر في ريفها الشرقي، وأمام الضغط الكبير لعودة الأهالي إلى مدينتهم وقفت قوات سوريا الديمقراطية عاجزة عن تأمين احتياجات العائدين إلا من الخبز والماء اللذين وصلا إلى جميع المدنيين في المدينة وريفها الشرقي.

والأهم من هذا وذاك تعطّل الخدمات العامة وغياب خطة العمل لدى قوات سوريا الديمقراطية لتأمينها، لكن ساعاتٍ قليلة كافية لعودة شبكة الاتصالات التركية إلى منبج بعد نزع أجهزة التشويش التي وضعها داعش لعزل المدينة عن العالم الخارجي.

أستطيع التكلم بالهاتف ولن يعدمني أحد

بدأ الأهالي بالتحرك بحرية داخل المدينة من دون خوف من القصف والقنص من جهة، ومن دون الخوف من رقابة داعش على تفاصيل حياتهم اليومية من جهة أخرى، فبعد أن كان الحديث بالهاتف (الموبايل) من الكبائر التي تستوجب دفع الغرامة بالذهب، أصبح اليوم أمرًا عاديًا.

يقول أبو أحمد أحد أهالي منبج: «الحمد لله الوضع الآن أفضل بكثير، ونستطيع التحرك في مدينتنا بحرية غير خائفين، وأهم شيء الآن أنني أستطيع أن أتكلم بالموبايل في الشارع ولا أخاف أن يمسكني أحد ويجبرني على دفع غرامة أو يقوم بإعدامي!».

ندخّن من دون خوف

حملت عودة الناس إلى مدينتهم عودةَ العسكريين ممن كانوا مع الجيش الحر سابقًا إلى بيوتهم، بمن فيهم مقاتلون مع قوات سوريا الديمقراطية. ويقول أحد المدنيين: «قوات سوريا الديمقراطية لا يتدخلون بأحد، معظمهم من مدينة منبج ونعرفهم». ويتابع معبرًا عن فرحه لغياب الخوف من الرقابة على حياته الخاصة: «نشتري الدخان وندخن ونحمله معنا أينما ذهبنا من دون خوف».

داعش فخخ كل شيء حتى «الإندومي»

خروج داعش من المدينة لم يكن يعني نظافتها بالكامل، فقد ترك آثاره في كل شبرٍ منها عن طريق زرع المفخخات والعبوات الناسفة والألغام، مما جعل الناس يخشون مصير المدن السابقة في اللحظات الأولى لخروج داعش منها، مثل تل أبيض وعين العرب كوباني والقامشلي.

يقول أبو محمود: «نتخوف من المفخخات فربما تضرب المدينة، قد لا يحدث ذلك ولكننا متخوفون في المستقبل؛ الألغام منتشرة في كل مكان، لم يتركوا شيئًا لم يلغموه: علب الأندومي، الطناجر، وأباريق الشاي فخخوها كلها».

ولم يأتِ هذا الخوف من فراغ إذ أكد شهود عيان أن المفخخات قتلت حتى هذه اللحظة أكثر من خمسة مدنيين.

المرافق الطبية خارج الخدمة

حاولت قوات سوريا الديمقراطية التعامل بشكل جيد مع الموقف على الرغم من الضغط الكبير للعائدين من أهالي منبج إليها، فعملوا على تحذير المدنيين من الألغام وتأمين الخبز وبعض الحاجات الأساسية للأهالي. يقول محمد: «تعامل قوات سوريا الديمقراطية الناس بشكل جيد حتى الآن، ويؤمنون الخبز لهم، لكن هذا لا يكفي، فمنبج خرجت من حالة حرب وتحتاج إلى جهد كبير لإعادة تأهيل المرافق الخدمية». ويؤكد محمد أن أهم ما تحتاجه المدينة من الخدمات الطبية مازال خارج الخدمة.

يبدو أن المدنيين بدأوا يصدّقون أن الحياة عادت من جديد بشكلها البسيط إلى منبج، على الرغم من الخوف والقلق وغلاء الأسعار وقلة المواد الأساسية التي جلبها التجار من عين العرب كوباني، فهم يحملون علب التبغ في جيوبهم بفرح، ويجاهرون باستخدام الموبايل في الشارع، وتخرج نساؤهم سافرات الوجه، قليلات السواد، ليصدقوا أكثر أن ما كان ثمنه الصلب والجلد والإعدام والرجم عاد طبيعيًا كما كان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

منبج
عرض التعليقات
تحميل المزيد