في الأيام الماضية أنهت تركيا تنفيذ عملية عسكرية كبري في عفرين، ضد وحدات حماية الشعب الكردية (DPY) التي كانت تمثل مصدر إزعاج وتهديد كبيرين للأمن القومي التركي، أيامها التهبت مشاعر الأتراك وهم يقفون إلى جانب زعيمهم رجب أردوغان،الذي أعلن سقوط عفرين وانتهاء العمليات العسكرية بعد شهرين من بدايتها، وفرض معادلة جديدة في المستنقع السوري الذي عج بمختلف الجنسيات المتحاربة والمتصارعة.

  الحقيقة أن عملية غصن الزيتون تم التخطيط لها جيدًا،فمن الناحية العسكرية شاركت القوات الخاصة، وهي قوات لها دراية كبيرة في حرب العصابات، شاركت هذه القوات في تنفيذ المهام العسكرية باحتراف كبير دون أن تلحق أضرارًا بالمدنيين أو البنى التحتية للمدينة، وأجبرت آلاف المقاتلين الأكراد في عفرين على الفرار، بعد أن تم تحييد 3600،في حين كانت خسائر تركيا نحو 46 جنديًا.

  ومن الناحية القانونية فإن عملية غصن الزيتون استند فيها أردوغان إلى استخدامه الحق المشروع للدفاع عن النفس، مثلما يقرره منطوق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن رقم 1624 لعام 2005، والقرار رقم 2170 و2178 لعام 2014، وعندما كانت تركيا تعلن سقوط عفرين وبسط كامل سيطرتها عليها، وهزيمة وحدات حماية الشعب الكردية الانفصالية، كان البيت الأبيض يعلن رغبة ترامب – المتقلب المزاج – في تنصيب مايك بومبيو وزيرًا جديد للخارجية بدلًا عن تيلرسون، وحتى يكون الحديث في سياقه الكامل، أرى من الضروري هنا أن أشير إلى أن تيلرسون الذي يصفه ترامب بأنه شخص محبط، وهو وصف يحمل معاني عدم التوافق السياسي، وربما يصفه بأوصاف أخرى أقسى وأفظع، لكن على الأقل هذا الوصف يوضح عدم الانسجام والتفاهم بينهما.

من الضروري أن أشير إلى أن تيلرسون يحسب من العقلاء في إدارة ترامب الذي من سماته الجنوح إلى المواجهة والعنف، ومما يجمع بومبيو وترامب هو نظرتهما المتطرفة لدور الولايات المتحدة في العالم وجنوحهما للعنف، مجرد تعيين بومبيو في الخارجية يعني أن تركيا المنتصرة ربما تواجه متاعب قادمة في الطريق إليها؛ لأن تيلرسون المنتهية ولايته أو بالأحرى الذي تمت إقالته، كان قد أبدى تفهمًا كبيرًا تجاه تركيا وحقها المشروع في حماية أمنها القومي، وفي الوقت الذي تمت فيه تفاهمات بين تيلرسون وتركيا حول المليشيات الكردية في منبج وشرق الفرات، وضرورة خروج هذه الميليشيات منها، وأن يكون بالمنطقة تواجدًا تركيًا وأمريكيًا لتأمين الجهات الحدودية، والتي تعتبر تركيا أنها مسالة حياة أو موت، فإن هذه التفاهمات العقلانية ربما يعيد فيها بومبيو النظر لخلفياته المتهورة، والمعادية للإسلام والمسلمين، وباعتبار أن قوات وحدات حماية الشعب الكردية هي حليف محوري للولايات المتحدة، وهي من ثم ذريعة تتخذها الولايات المتحدة لإيجاد موطئ قدم لها في منطقة مزدحمة بالطامعين.

  يتشابه الرجلان: ترامب، وبومبيو، في نظرتهما العسكرية والقمعية التي يجب أن تسحق بها كل قضية، ومن مواقف بومبيو التي يختار فيها العنف ويجانب الحلول الدبلوماسية: أنه عندما كان في الكونجرس عارض بشدة الاتفاق النووي مع إيران، وفي الذكري الأولى للاتفاق دعا بومبيو إلى إنهاء الحكم الثيوقراطي في إيران! وألمح مايك بومبيو في خطاب له في منتدى إسبين للأمن، إلى ضرورة تغيير نظام الحكم في كوريا الشمالية.

  الحقيقة أن ترامب قد جمع إليه كل الصقور والجنرالات من اليمين المتطرف، فتعيين بومبيو بدلًا عن تيلسون، وبلوتون بدلًا عن مكماستر، ربما يقود هذا إلى سياسات أكثر تهورًا وتشددًا وتعقيدًا في الشرق الأوسط، وليس من المستبعد أن تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا إلى حد المواجهة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد