انطلقت في 14 فبراير الجاري، المناورات الأضخم في تاريخ المنطقة، بقيادة المملكة العربية السعودية، تحت اسم مناورات “رعد الشمال”، لتحمل في طياتها العديد من الرسائل والأهداف المعلنة وغير المعلنة.

حيث توافدت وفود الدول المشاركة في المناورات إلى مدينة الملك خالد العسكرية بمدينة حفر الباطن شمال البلاد، لتبدأ مناورات هي الأضخم في تاريخ المنطقة، وتستمر قرابة 25 يومًا، حيث من المقرر أن تنتهي في 10 مارس المقبل، وتستهدف دعم وتطوير قدرات الدول المشاركة في التحالف الإسلامي، وتحقيق أعلى درجات التأهب القصوى للجيوش المشاركة.

 

مواجهة النفوذ الإيراني والتحديات الإقليمية

تسعى المملكة من خلال تلك المناورات الضخمة إلى تأكيد قدرتها على الحشد العسكري في مواجهة التحديات الإقليمية ومجابهة النفوذ الإيراني المتنامي، خاصة بعد رفع العقوبات الدولية عن طهران، وإنعاش خزينتها بمليارات الدولارات المجمدة في بنوك الغرب، وسعي الأخيرة لاستثمار ذلك في توسيع نفوذها وطموحها التوسعي الخارجي في العراق وسوريا ولبنان عبر حزب الله، فضلًا عن سعيها لفتح مناطق جديدة للنفوذ، كما يحدث حاليًا في الجزائر وجيبوتي وبعض دول إفريقيا.

تؤكد المملكة من خلال تلك المناورات أيضًا على قدرتها على التحرك في أكثر من اتجاه، وهو ما شكل مفاجأةً للغرب، حيث المناورات في الشمال وعمليات عاصفة الحزم في الجنوب، وإرسال المملكة لـ20 طائرةً إلى الحدود التركية السورية تمهيدًا للتدخل البري.

 

الاستعداد لأي مواجهة محتملة مع روسيا

رسالة تحاول المملكة توجيهها إلى روسيا أيضًا من خلال تلك المناورات، وخاصة بعد التهديد الروسي بأن أي تدخل بري في سوريا يعني مواجهة مباشرة معها، وربما تسعى المملكة للرد على رسالة موسكو بأن الرياض على استعداد لأي احتمالات وعواقب جراء قرارها بالتدخل البري في الأراضي السورية، وعزمها على إسقاط الأسد بالقوة بعد فشل الجهود الدبلوماسية والحلول السياسية، ما يعني احتمال دخول المملكة في مواجهة مباشرة مع روسيا؛ وبالتالي فإن روسيا في هذه الحالة لن تكون في مواجهة السعودية وحدها، بل تحالف إقليمي يضم أقوى دول المنطقة.

 

حسم المواجهة مع الحوثيين جنوبًا

وجهة نظر أخرى تتعلق بتلك المناورات، يراها بعض المراقبين، بأن المملكة تسعى من خلال تلك المناورات التي ستتم داخل أراضيها، ومن خلف الأضواء، لشن هجوم شامل ومباغت لاستعادة العاصمة اليمنية، وإنهاء الصراع نهائيًّا في المنطق الجنوبية وكسر شوكة الحوثيين، لتتفرغ بعدها لإدارة الملف السوري.

وربما تشارك القوات المتواجدة حاليًا في المملكة، وفقًا لرؤية بعض المراقبين، في عملية مباغتة في اليمن بمعزل عن الأضواء، تحت مظلة المقاومة والجيش اليمني، خاصة أن القصف الجوي المستمر أضعف الحوثيين، ولكن لم ينه الصراع، وبالتالي التدخل البري كفيل بإنهاء مهمة عاصفة الحزم، لتنهي بذلك المملكة التهديد من جهة الجنوب الذي يثقل كاهلها خاصة أن عاصفة الحزم، التي انطلقت في مارس من العام الماضي، قاربت على عامها الأول وما زالت العاصمة في قبضة الحوثيين، الأمر الذي يشكل استنزافًا لقدرات المملكة العسكرية.

 

فك الارتباط مع واشنطن

ترغب المملكة أيضًا في استباق الزمن وصياغة تحالف إسلامي قوي وقادر على مواجهة التحديات التي تموج بها المنطقة، في ظل التكتلات المحيطة بالمنطقة من الشرق والغرب.

وبحسب المحللين فإن التحالف الإسلامي هو الضمانة الموثوق فيها والمأمونة الجانب للمملكة في إدارة الملفات والتحديات والصراعات الخارجية، وتدعيم موقف المملكة إقليميًّا، خاصة أن المملكة لا تعول على مواقف أمريكا البراجماتية، والتي تتماهى مع إيران حينًا، ومع روسيا حينًا آخر، والساحة السورية خير دليل على ذلك، وما كان للتدخل الروسي والإيراني في الأزمة السورية أن يتم إلا بضوء أخضر من واشنطن.

وربما يكون التحالف الإسلامي وهذه المناورات الضخمة بداية فك ارتباط مع واشنطن، خاصة مع انحسار دور أمريكا في المنطقة.

 

بلورة التحالف الإسلامي كقوة مؤثرة

تأتي تلك المناورات أيضًا كأول تحرك عملي في اتجاه بلورة صورة التحالف الإسلامي الجديد الذي أعلنت عنه المملكة تحت قيادتها، ورسم خطوط واضحة لقدرة وفاعلية هذا التحالف الجديد الناشئ كقوة إقليمية فاعلة ومؤثرة، ودليل ذلك حجم التسليح والمعدات العسكرية المتطورة التي أظهرتها تلك المناورات، وما أكدت عليه القيادة العسكرية للملكة بأن تلك المناورات ستشمل أحدث الآليات والعتاد العسكري في المنطقة، ويشارك في المناورات 20 دولةً بالإضافة لقوات درع الجزيرة، بما يقارب 150 ألف جندي و300 طائرة ومئات الدبابات والقطع الحربية وآليات حديثة متطورة كمروحيات الأباتشي ومقاتلات التايفون وطائرات الأواكس، فضلًا عن أحدث المدرعات الفرنسية والبريطانية.

 

تلبية الطموح العربي والإسلامي

يمكن القول أيضًا إن دعوة المملكة لتكوين تحالف إسلامي قوي وفاعل، جاء موافقًا لطموح ورغبة الكثير من الدول الإسلامية والعربية في المنطقة ليكون لها دور إيجابي ومؤثر في القرار الدولي، وكسر احتكار قوى الشرق والغرب للقرار السياسي ومصير المنطقة، خاصة أن الدول العظمى ثبت بالفعل ومن خلال التجربة وتطورات الأزمات المتلاحقة في المنطقة، أنها تبحث دائمًا عن مصلحتها الخاصة، على حساب مصالح ومصائر ومستقبل الشعوب الأخرى.

خلاصة القول إن مناورات رعد الشمال تأتي في وقت شديد الخطورة والحساسية في المنطقة، وربما يكون لتلك المناورات تأثير على القرار السياسي لبعض الدول النافذة لامتصاص حالة الفوران والغليان في الشرق الأوسط، والاتجاه لتهدئة حدة الصراع المحتدم خاصة بين السعودية وتركيا من جهة، وروسيا وإيران من جهة أخرى لتجنيب المنطقة مؤشرات وبوادر حرب إقليمية قد تأكل في طريقها الأخضر واليابس.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رعد الشمال
عرض التعليقات
تحميل المزيد