– هل جلست يومًا وفكرت في مدى قوة أوضعف اقتصاد بلدك أو سبب ذلك، باعتباره المكون الرئيس الذي يؤثر في حياتك بشكل يومي ولحظي، بعيدًا عن هُراء إعلام ضال مُضِل، مهمته الرئيسية طمئنتك بأن الأمور تسير على ما يرام، وأننا أوشكنا على مناطحة الدول الكبرى في قيادة العالم، وأننا على شفا الجِنان، بينما الواقع غير.

فهذه بعض المؤشرات الهامة التي يجب أن تضعها نصب عينيك وتتأملها جيدًا في هدوء، إذا أردت أن تُقيَم اقتصاد بلدك أو أي بلد آخر:

معدل البطالة:

– فإذا تجاوزت نسبة البطالة في بلدك الحدود الآمنة المتعارف عليها عالميًا وهي 4%، وانخفض خط الفقر لأقل من 1.25 دولار للفرد في اليوم وهو متوسط خط الفقر في 10 الى 20 دولة من دول العالم الأشد فقرًا أو عن 2 دولار يوميًا في الدول النامية وفقـًا لتقديرات البنك الدولي(1)، مع ما يُصاحب ذلك من أضرار على المجتمع والفرد لا ينكرها إلا غبي، فاعلم أن اقتصاد بلدك يعاني من مشكلة حقيقية حتى وإن خرج عليك رئيس دولتك أو رئيس وزرائه أو أحد وزرائه بابتسامة بلهاء ومن ورائهم أبواقهم، ليعلنوا تراجع البطالة بنسبة كبيرة أو تحسن في معدلات الفقر.

فإذا اتخذنا الاقتصاد المصري نموذجـًا للتطبيق، سنجد أن نسبة البطالة في مصر وصلت في الربع الأخير من 2014 إلى 12.9% وفقـًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2)، وبلغت نسبة الفقر 26.3% (3).

إجمالي الدبن العام:

– وإذا تجاوز الدين العام لدولتك الحدود الآمنة والمتعارف عليها أيضًا وهي ما نسبته 60% من الناتج المحلي الإجمالي “أي بجمع الدين المحلي مع الدين الخارجي ومقارنة المجموع بإجمالي الناتج المحلي بحيث لا ينبغي ألا يزيد مجموع الدينين عن 60% من إجمالي الناتج المحلي”، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة خدمة الدين وتباطؤ النمو الاقتصادي وتفاقم عجز الموازنة وتراجع قدرة الدولة على الإنفاق الخدمي، فاعلم أن اقتصاد دولتك مستلق في براثن شَركالديون مما ينذر بالأسوأ حتى وإن أوضحوا وبرروا لك مهرجانات إصدار أوذونات الخزانة والسندات التي تُطل علينا الحكومة بها دوريًّا وبخاصة حينما يتم توجيه وإدارة دفة هذه الأموال للاستهلاك لا للإنتاج، بأنها في صالح الاقتصاد، أو حتى تشدقوا بعامل الضرورة.

ففي مصر بلغ إجمالي الدين العام نحو 1.908 تريليون جنيه في يونيو 2014 بنسبة 95.5% من الناتج المحلي الإجمالي وفقـًا لتقرير وزارة المالية المصرية (4)، مع توقعات منها بوصول الدين العام إلى نحو 2.2 تريليون جنيه في نهاية يونيو 2015 (5)، أي ما يجاوز نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي (6)، وهي بالتأكيد معدلات كارثية.

أما إجمالي خدمة الدين خلال أول 6 أشهر من العام المالي الحالي 2014/2015 بلغت 79.91 مليار جنيه بواقع 77.29 مليار جنيه للدين الداخلي و2.62 مليار جنيه للدين الخارجي (7).

وضع الميزان التجاري:

– وإذا وصل عجز الميزان التجاري “أي أن يكون حجم الصادرات في دولة معينة أقل من حجم الواردات”، لاقتصاد بلدك إلى الوضع المزمن مما يؤدي إلى استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي مما يؤدي إلى إقامة مهرجان جديد للاستدانة كما في الفقرة السابقة مما يسبب ضعفـًا وتدهورًا في قيمة العملة الوطنية، فاعلم أن هناك اختلالات هيكلية وتشوهات جسيمة في بنيان اقتصاد الدولة، حتى وإن صدروا لك بعض المرتزقة مما يلونون الحديث ليخبروك أن هذا مؤشر جيد للاقتصاد بل وفتح مبين بدعوى أننا نستورد لكي نصدر وهذا ما نصبوا إليه تحت لواء قيادتنا الحكيمة المقدسة أمد الله في عمرها وبارك خطواتها.

وفي مصر أظهر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع العجز في الميزان التجاري بنسبة 13.9% ليبلغ 26.49 مليار جنيه خلال شهر نوفمبر 2014 (8).

معدل التضخم:

– وإذا تجاوزت نسبة التضخم “أي الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار” عن المستوى الطبيعي أو المستهدف وهو من 2 إلى 3%، مما يعني تدني مستوى المعيشة وانخفاض في القوة الشرائية للعملة مما يؤدي إلى تكبد المدخرين لأصول مالية بالعملة الوطنية لخسائر كبيرة، وخفض مستوى الدخل الحقيقي للأفراد مع خلق جو طارد للاستثمار والمستثمرين في السوق، فاعلم أن السياسة النقدية التي ينتهجها البنك المركزي في بلدك سياسة فاشلة باعتباره المسئول الأول عن استقرار الأسعار وضبط أسواق النقد.

حيث وصل معدل التضخم السنوي في مصر وفقـًا لبيان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى 9.4% خلال شهر يناير 2015 (9).

حجم الاحتياطي الدولي:

– وإذا لم يكن حجم الاحتياطات الدولية لدولتك يوازي مقدار 6 أشهر من الواردات أو أكثر فهو خارج الحدود الآمنة، وبصفة خاصة إذا استمر نزيف الاحتياطي بلا توقف، مما يعني عدم القدرة على سداد الديون الخارجية أو خدمة الديون حتى، ومن ثم تراجع التصنيف الائتماني للدولة مما يؤدي إلى فقدان الثقة في اقتصاد الدولة وبالتالي عزوف المستثمرين عن شراء سنداتها مستقبلاً، وسحب استثماراتهم، مما يؤدي إلى خروج كميات كبيرة من النقد الأجنبي خارج البلاد، وفي النهاية يخيم خطر الإفلاس عليها، كما حدث مع الأرجنتين في عام 2001 بما كان يسمى حينها “أزمة إفلاس الأرجنتين”، فحينها تأكد من اعتلال جسد اقتصاد دولتك، حتى وإن أخبروك أن الأمر سهل يسير سينتهي بعقد مؤتمرٍ أو استجلاب منحٍ.

وقد أعلن البنك المركزي المصري أن صافي الاحتياطات الدولية يصل إلى 15.43 مليار دولار أمريكي في نهاية يناير 2015 (10)، أي ما يغطي بالكاد 3 أشهر من الواردات السلعية.

** فإذا اجتمع كل ما سبق مع نسب انخفاض ملحوظة كما نرى في الاقتصاد المصري، فكن على يقين أن اقتصاد دولتك مهترئ، وأن القائمين عليه أفكارهم مهترئة بالية أيضًا، ولم ولن ترقى لمستوى انتشال هذا البلد مما هو فيه وبخاصة إذا كانوا هم من صيروها إلى ما صارت إليه.

وإذا اجتمعت هذه المؤشرات بنسب ملحوظة أيضًا فغالبًا ستجد التردي في أغلب المؤشرات سواء المتعلقة منها بالتنمية الاقتصادية كما بينا، أو بالتنمية الاجتماعية كمؤشرات الصحة والتغذية والسكان، أو التنمية البشرية كمؤشرات التعليم والمستوى المعيشي ورفاهية الشعوب، أو مؤشرات البيئة كانبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون، أو مؤشرات الشفافية كالفساد… إلخ.

** أعتقد أن المسبب للوصول لهذا الوضع دون الدخول في تفاصيل، لا يتعلق بموارد محدودة للدولة ولا حدوث ثورات أو اضطرابات، بقدر ما يتعلق “بالعقول” التي تعتلي سدة الحكم، فكم من بلد كان محطمًا ماديًا ومعنويًا نهض وقام وقاد العالم، وكم من بلد لازال يرتع في مراتب الجهل والشقاء فاصبح في ذيل العالم رغم امتلاكه كل شيء، فمن أنهض الأولى وأردى الثانية؟ إنها العقول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد