هي أفيون الشعوب ومصدر متعة الكثيرين في كل أرجاء المعمورة. إنها كرة القدم التي يحلو للبعض أن يسميها الساحرة المستديرة نظرًا لأن لها مفعول السحر على العديد ممن أصبحوا رهائن أو أسرى لهذه اللعبة التي تستقطب الكبار قبل الصغار. ولكن من المؤسف أن تتحول هذه النعمة حيث يجد الفرد ضالته فيها من خلال مشاهدة مباريات عالمية راقية تستهوي النفوس إلى نقمة ومصدر تفرقة في الوقت الذي كان من المفترض أن تلعب دورًا فعالًا في توحيد الشعوب ورص الصفوف. وبالرغم من محاولات البعض تصوير نمط معين لكرة القدم وربطها بقيم الوحدة والتعاون والعدل والإنصاف إضافة إلى التعايش والاحترام المتبادل إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك. فقد تواترت في الآونة الأخيرة عدة ظواهر سلبية لا تمت لعالم الرياضة بصلة كما باتت تغذي موجة العنف المتصاعد عبر تأجيج النعرات الجهوية قصد إدخال حالة من عدم التوازن والاستقرار في صفوف الأمة الواحدة.

وبالتالي، فإن الجهود المبذولة في إطار تطويق هذه الظاهرة تبقى قاصرة عن بلوغ المرام. لذا وجب علينا معاضدتها وتدعيمها من خلال القيام بحملات توعوية قصد تحسيس الجميع بخطورة العنف باعتباره مقومًا أساسيًّا من مقومات التقسيم والتشرذم. بالتوازي مع ذلك، يتعين على المشرفين على قوانين اللعبة أن يضربوا بيد من حديد قصد فرض الحد الأدنى من النظام وردع المخالفين لقوانين اللعبة حتى لا نرى مشاهد يندى لها الجبين. إذ يذهب الكثيرون إلى أن ما نعيشه اليوم من ظواهر قاتمة وصور صادمة هو نتاج سياسات فاشلة اتبعتها جامعات الكرة قوامها التساهل مع كل مخالف وعدم تطبيق القانون مما جعل ثقافة الإفلات من العقاب تترسخ أكثر فأكثر. كما شجعت هذه السياسات العقيمة المسؤولين على التمادي في الرعونة من خلال تصريحاتهم النارية والتي زادت الطين بلة، بل ساهمت في تغذية الفوارق الجهوية وتقسيم أبناء الشعب الواحد.

فما أحوجنا اليوم إلى التحلي بالرصانة والتعقل أكثر من أي وقت سابق، وكم نحن بحاجة إلى مسيرين ورؤساء جمعيات يغلبون مصلحة وطنهم على حساباتهم الضيقة. كما نحن في أمس الحاجة إلى أصوات الحكمة والروية حتى يتم اتخاذ القرارات الصائبة في الوقت الصائب حتى يرتدع كل من تسول له نفسه العبث بأمن وسلامة المتابعين الذين لم يجدوا متنفسًا لهم سوى مشاهدة مباريات تتوافر فيها الفرجة والمتعة ليصطدموا بواقع مغاير تمامًا لما نسجوه من توقعات وتكهنات تتعلق بسيادة الروح الرياضية داخل المستطيل الأخضر وخارجه.

نرجو أن تتحسن الأجواء داخل الملاعب حتى نتمكن من مشاهدة كرة نظيفة ومناخ ملائم يستجيب لأبسط شروط المتابع الذي ضاق ذرعًا بكل البرامج السياسية والاجتماعية التي وإن تبدو للبعض ذات قيمة ومغزى إلا أنها باتت تشكل عبئًا ثقيلًا على المواطن البسيط الذي لا تعنيه صراعات السياسيين فيما بينهم وركضهم المحموم خلف المناصب ولا تلزمه مصالحهم الفئوية الضيقة بقدر ما يهمه الخروج من بوتقة الهموم اليومية والمشاغل التي كدرت صفوه حتى في أيام ركونه للراحة.

كل ما سبق ذكره يندرج في إطار البحث عن حلول وبدائل لمعضلة العنف المستشري في ملاعبنا علنا ننجح في وضع حد لهذه الآفة المقيتة، والتي تهدد كيان المجتمع برمته. وهذا يمر حتمًا عبر تكثيف الحملات التوعوية بضرورة التحلي بالروح الرياضية ونبذ العنف بكافة أشكاله لأن الرياضة أخلاق أو لا تكون. إلا أن هناك من لا يرى بدًا من هذه الحملات التحسيسية التي لم تحدث فارقًا على الأرض، بل يعدها البعض ضربًا من الترف الذي لا يجدي نفعًا في عالم يخضع للتغيرات والتحولات باستمرار. فهل تكون التكنولوجيا وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي ذات تأثير نوعي في مسألة رفع الوعي بضرورة التحلي بالانضباط والتعقل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تعليقات الفيسبوك