يتميز عصر المعلوماتية الذي نعيشه بضخامة حجم المعلومات، وهو ما بات يُطلَق عليه اسم «Age of Big Data» حيث تحولت جميع المعارف البشرية إلى بيانات رقمية مخزنة في قواعد بيانات عملاقة لدى شركات عابرة للقارات أو حكومات الدول بنسبٍ متفاوتة.

حيث قُدرت جميع منتجات الفكر البشري منذ بدء التاريخ وحتى عام 2003 بمحتويات 5 مليارات كتاب، إن نفس حجم البيانات السابقة يتم إنتاجه في يومين فقط من عام 2011، أو خلال عشر دقائق في عام 2013.

السؤال المهم الآن.. من أين تأتي كل تلك البيانات؟

إن كل ما نفعله من حركة أو وقوف أو صورة أو صوت …إلخ يُقرأ بطريقةٍ ما بأحد الأجهزة الذكية التي تحيط بنا بدءًا من الهاتف النقال وصولًا لأقمار التجسس الصناعية، ثم يُحفظ في أحد بنوك البيانات لتتم معالجته بواسطة الذكاء الصناعي واستخلاص معلومات تبدأ بمعدل عدد الخطوات التي نمشيها في اليوم ولا تنتهي عند ربط مرضٍ معينٍ بجيناتٍ محددةٍ بعد استقراءٍ طالَ 3.7 مليار إنسانٍ يستخدم الإنترنت في يومنا هذا.

إن حجم البيانات المتداوَل هائل لدرجة أنه خلال قراءتك لهذا المقال سيكون حجم البيانات المنقولة عبر الإنترنت كافيًا لملء 3 ملايين قرص DVD، وفهمنا أن هذه البيانات لا يمكن معالجتها بالطرق التقليدية، حيث تحتاج خوادم عملاقة ذات ذكاء صناعي خارق لترتيب البيانات وجدولتها ثم تستخلص منها المعلومات المفيدة ومن أهم أشكال المعلومات المستخلصة هي «المؤشرات» وهي كلمة شائعة اليوم، حيث نسمع «مؤشر الحرية» و«مؤشر الفساد» و«مؤشر سرعة الإنترنت» و«مؤشر الرفاهية» …إلخ

المؤشر إذًا، هو عددٌ أو رتبة تدل على مكان دولةٍ أو سلعةٍ أو قيمةٍ ما في سلمٍ مرتب وفق معايير محددة بالاستناد إلى إحصاءات وأعداد ذات صلة، فمثلًا مؤشر سرعة الإنترنت اعتمد معيارًا وحيدًا هو الزمن اللازم لتحميل فيلم عالي الجودة، بينما يعتمد مؤشر الشفافية على عدة معايير أهمها (حرية الصحافة، والحريات المدنية، واستقلال القضاء) يعطي كل معيار منها عددًا من النقاط تُجمع في النهاية لتعطي الدولة ترتيبًا نهائيًا.

من المؤشرات شديدة الأهمية والتداول، هو مؤشر تصنيف الجامعات، ويوجد عدة تصانيف للجامعات يعتمد كل تصنيف منها عددًا من المعايير التي ترى المؤسسة صاحبة التصنيف أنها الأكثر تعبيرًا عن جودة الجامعة، وسنأخذ مثلًا تصنيف شنغهاي ARWU الذي يُصنف 2000 جامعة الأولى من بين 27000 جامعة مسجلة، حيث يعتمد تصنيف شنغهاي ستة معايير هي: عدد الخريجين وعدد أعضاء هيئة التدريس الحاصلين على جازة نوبل أو فيلد بالرياضيات، وعدد الأبحاث المنشورة في مجلات العلوم المرموقة والكشاف المرجعي الموسع للعلوم إضافة إلى عدد الاستشهادات بهذه الأبحاث وحجم الجامعة النسبي. وأظهرت الدراسات أن 63% من الجامعات بنت قراراتها الاستراتيجية على تحسين تصنيفاتها، واقتضى هذا السباق نحو القمة السعي لزيادة هذه الأعداد الدالة على كل من المعايير الستة السابقة، فاحتوت الجامعات مثلًا على مرصد زلازل ومرصد فلكي ومكتبة كبيرة وفرقة أوركسترا …إلخ بينما افتقرت أبحاثها للأبحاثٍ بلغاتٍ كالإسبانية والبرتغالية كما قلت نسبة الأبحاث بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، وحاولت الإكثار «بشكل جنوني» من الأوراق البحثية المنشورة في الدوريات العلمية.

إن المنحدر الذي وُضِعت فيه المؤسسات الأكاديمية بسبب الهوس بالتصنيف أنتج نتيجتين سلبيتين خطيرتين: الأولى إهمال نتيجة التعلم، والثانية هي سوء السلوك العلمي، وهنا لا نتحدث عن فبركة أبحاث أو أدلة أو عينات بحثية، بل فقط عن استخدام عينات إحصائية لا تحقق معايير العينة الإحصائية الشاملة المعبرة عن المجتمع الذي انتُخِبت منه العينة.

بالنسبة لإهمال نتيجة التعلم فقد جرى تغطيتها بإبراز جودة التعليم في الجامعة وهذا جزءٌ من الحقيقة فالجامعة بالفعل تعد الطالب ليكون باحثًا كأساتذته لكن غالبًا لن يعمل جميع الخريجين في مخابر البحث فمعظمهم سيتجه لسوق العمل وهناك ستنقصه الخبرة العملية وهذا بسبب سياسة تحسين التصنيف، أما بالنسبة لسوء التصرف العلمي فإن الباحث المهدد بقطع تمويل أبحاثه إن لم يحقق كشفًا استثنايًا يندفع باتجاه نتيجةٍ قد تخيلها سلفًا، ويمكن الحصول عليها بلي عنق البيانات قليلًا، فهي كما أسلفنا بيانات ضخمة وعندها يمكن استخدام قانون الأعداد الكبيرة وهو مبدأ إحصائي يفيد بأن سلوك عينة كبيرة بشكل كافٍ يعبر عن سلوك المجتمع كاملًا، لكن يتجاهل صفة أساسية يجب أن تتمتع بها العينة وهي الشمولية، ولتوضيح الأمر لنفرض أننا نريد إحصاء معدل ساعات القراءة الشهرية لسكان الشرق الأوسط، فإننا يجب بناء على قانون الأعداد الكبيرة أن نستطلع عينات من كل دولة تبلغ حوالي ألف شخص، لكن لو أجرينا الاستطلاع داخل إحدى الجامعات ستختلف النتيجة فيما لو أجريناه في الحقول، وعليه فإن اختيار العينة الإحصائية مهم جدًا في توجيه نتيجة الإحصاء كاملةً، لذا يجب أن تكون لدينا إحصائية موثوقة تكون بمثابة نقطة ارتكاز ننطلق منها، وفي مثالنا هذه الإحصائية هي نسبة سكان المدن إلى سكان الأرياف إضافة إلى نسبة الطلاب الجامعيين ونسبة البطالة ومعدل الدخل العام ومتوسط عدد ساعات العمل، ليتسنى لنا اختيار أعداد ملائمة لكل فئة ضمن عينتنا ذات الألف شخص.

من الحلول المقترحة للخروج من أزمة المؤشرات، هو تقليل الاعتماد على الذكاء الصناعي الذي يعد الرقم هو الأساس في بناء كل المعطيات، وذلك لصالح الاعتماد في التقييم على لجنة تحكيم بشكلٍ مشابه لمسابقة الموهوبين حيث يُعطى الجمهور (وهو يقابل البيانات الكبيرة) جزءًا من الحكم ويُعطى الجزء الآخر للجنة حكم مختصة موثوقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد