الآلات تغزو الكوكب تتحكم في مصير البشر وتتحول لقوة شريرة تريد الفتك بنا، هذا ما يحب مؤلفو كتب الخيال العلمي ومخرجوا أفلام نهاية العالم تصويره، هذه نظرة سريالية أود تقديمها للأمر.

القلب له معنيان، أو أكثر لكن ما يميز المعنى العاطفي له هو هالة التقديس التي تحوطه، منذ القدم اهتم الناس بما هو غائب عن الإدراك المباشر، خبروا ما أسموه القوى الفوقية والتي بيد إله أو آلهة، تطور العلم شيئا يسيرا فخبروا حقيقة الأشياء المادية، أوصلتهم لإزالة كلمة عشوائية من قاموس العلم، كل شيء يحدث بسبب ولسبب، هذا ما يتقبله فكرهم، حتى لو لم يوفر العلم تفسيرا فحتما سيفعل يومًا.

يقود هذا لشيء هام هو أن الإنسان مسير لا مخير، هذا تصور بائس للأمر فكل الإنجازات البشرية حدثت نتيجة تقيد بقوانين وخطة عمل يحكمها الكون ذاته، الفنان لم يختر لذاته أن يكون كذلك ولا اللص فعل، أزيلت كلمة الإرادة الإنسانية من اللغة، حتى عملية التساؤل في حد ذاتها هي نتيجة تأثر عدة عوامل فيزيائية وحيوية وكيميائية، لو وضعتها ضمن منظومة، فإنها بالحتم ستؤدي لذات النتيجة كلما أجريت.

كمبتدأ الأمور حين نمت نواة العلوم الحديثة في عصر التنوير كان هناك عالم آخر غيبي حتى لدى واضعي بذور المادية، تجد رينييه ديكارت مؤمنا بإله، وصل هذا لما بعده ستجد أوج التغير في عصر الانسلاخ من بناء الدين عصر فولتيير البذيء خفيف الظل، الذروة – لم أرد أن أستعمل كلمة أوج مرتين لذا ذروة ستفي بالغرض – كانت على يد داروين، الرجل يمثل اللاأدرية بعدما وضع نظرية ذات وجاهة عالية عن التطور ونشوء الارتقاء، لكن بالطبع لم يكن ملحدًا لأنه لم يملك كل الأجوبة.

ترتحل بعد ذلك لتصل إلى قمة اعتقاد الإنسان في العلم، عصر الكم والمعلوماتية، ستيفن هوكينج وإلون ماسك، هنا منتصف منحنى جاوس الجرسي للتوزيع الطبيعي، ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، لا دوال متزايدة لما لا نهاية في الطبيعة كما أوضح ماكس بلانك، يجب أن تتخذ سلوك الجرس.

إلون ماسك تحدث عن روبوتات ذات ذكاء اصطناعي فائق بإمكانها التخطيط وعمل مؤامرات وتنفيذها بدقة، حتى ستيفن هوكينج أعلن أن نهاية البشر ستكون وشيكة إن لم توضع قيود على أبحاث هذا المجال، فقد ناقش الأمر، وقال بأن الآلات قد تتفوق على البشر بسرعة؛ لأنها ليست محكومة بالمسار التطوري البطيء التي تسلكه الكائنات الحية.

في عصر الذكاء الاصطناعي الذي نعيش اقتربت نهاية استفادة الإنسان من منجزاته، بدلًا من أن تعلم شخصًا على مدار أعوام في رحلة مكلفة سيكون بالإمكان برمجة آلة لتفعل ذات الأمر في وقت أقل وبتكلفة أقل، لن تدفع لها مرتبًا شهريًا وستصحح أخطاءها ذاتيًا، لن تحتاج لرقابة فهي ليست تؤمن بخير أو شر هي تؤمن فقط بالمنفعة، ظننت حينها أن هذا أفضل للإنسان أن يجلس ويبرمج ويوفر الوقت والجهد، لكن في ظل النيوليبرالية التي تهدف لتكديس رؤوس الأموال ما كان هناك داع عند مطوري الذكاء الاصطناعي من أن يتخلصوا من الأفضلية التنافسية الوحيدة للبشر، حتى البرمجة يمكن أن تقوم بها آلة، أن تبرمج آلة آلة أخرى.

في هذا التصور السوداوي ستنهار الحضارة البشرية، أو ستكون حضارة بدون بشر، وسيتحسر الإنسان إن ظل حيًا على اللحظات التي كان يتحدى فيها إله المتدينين، عندما اخترع جهازًا تفوق عليه؛ فاستلب وجوده، الموضوع شبيه بقطع الدومينو التي تسقط تباعًا، بأن خالقًا أوجد الإنسان، فآمن به بادئ الأمر، ثم تطور فكره، وبدأ ينكر فضل الخالق، ووصل لإنكار وجوده بعد أن صمم آلات أكثر جودة منه، أي أنه تغلب على خالقه، فهل يأتي اليوم الذي تتغلب فيه الآلات علينا، ثم تنكر فضلنا، وبعدها تقتلنا، أو ننقرض فتنفي وجودنا من الأساس، وتجلس وتسأل نفسها: هل هي مخيرة أم مسيرة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد