انظر حولك تجد البشر عن كل شيء يتهافتون، لكن لن تجد أحدًا منهم يسأل نفسه هل هناك معنى لحياته؟ نحن دائمًا ما نؤمن أن هناك معنى لوجودنا، ربما لأن هذا يجعل لحياتنا معنى أو لأنه بكل بساطة حقيقة. لكن السؤال هل سيكون للحياة معنى عندما تكون بلا معنى؟ أي هل يستطيع الإنسان العيش في حياة بدون معنى، يأكل ويشرب ويتكاثر فقط، أم أنه قد يصنع لنفسه أهدافًا ومعتقدات ليجعل لحياته معنى.

كل فلسفات الناس في هذا السؤال متضاربة، فالحياة تساوي عند أينشتاين العلم والفضول، وعند بيكاسو هي الفن، قد تكون هي الحب والسلام والجمال بالنسبة إلى إريك فروم غاندي وجلال الدين الرومي، أما لسيدنا ابن عباس فهي المعرفة، فقد فسر آية «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»، فقال ليعبدون تعني ليعرِفون وهو تفسير شامل وأكثر إقناعًا من التفسير التقليدي لأن العبادة تؤدي في نهاية المطاف إلى المعرفة.

الإجابة عن هذا السؤال نسبية جدًا، فرويد كمثال أسس مبدأ المتعة واعتبر السعي الغريزي للمتعة وتجنب الألم هما الأساس الذي يحفزنا للعيش. نعم المتعة تنقلنا إلى حالة من السعادة لكن مفهوم السعادة نفسه غير واضح، فهناك من يسعد لبقائه على قيد الحياة وهناك من يشقى إن لم يأخذ كل شيء من الحياة.

فالحقيقة رؤية عالم النفس فيكتور فرانكل شدتني أكثر، فرانكل مؤلف كتاب الإنسان يبحث عن المعنى، عرض فرانكل في هذا الكتاب الخبرة التي آلت به إلى اكتشافه للعلاج بالمعنى. يحكي أنه قد وجد نفسه سجينًا في معسكرات رهيبة للاعتقال، متجردًا متعريًا في وجوده. فوالداه وأخوه وزوجته قد لقوا حتفهم في المعسكرات أو أرسلوهم إلى أفران الإعدام بالغاز، أي أن كل أسرته عدا أخته قد هلكت في هذه المعسكرات. وكل ما يملكه قد ذهب أدراج الرياح، كل قيمة قد تحطمت ليعاني من الجوع والبرد والقسوة، ومِن توقعٍ للإبادة في كل ساعة، إنسان هذا شأنه كيف يجد في الحياة ما يجعلها جديرة بالبقاء؟

هذا الطبيب النفسي الذي واجه شخصيًا تلك الظروف الشاذة لهو طبيب نفسي جدير بأن نصغي إليه. كان فرانكل يسأل مرضاه «لماذا لم تنتحر»؟ ومن خلال إجابتهم كان يحدد الخط الفارق في حياته، كان هذا الخط في أحيان هو الحب الذي يربط الشخص بأبنائه، وفي حياة البعض الآخر كانت هي الموهبة التي عليه أن يستخدمها، وبالنسبة للبعض كانت هي الذكريات التي تستحق الاستبقاء، وقد ذكر من خلال تجربته في السجن أن السجناء تتغير نفسيتهم عبر مراحل، بداية بالصدمة إلى حد البلادة والعيش دون طموح أو أهداف في الحياة واكتفائهم بطعام وشراب ومأوى للنوم مما كان يدفع الكثير للرغبة في عدم إكمال حياته، عكسه هو الذي كان كلما ضاقت به، يتخيل نفسه واقفًا وسط الجمهور يصفقون له احتفالًا بكتابه الذي سيحكي فيه عن تجربته وهو ما حدث بالفعل، وهذا ما جعله صامدًا كل تلك المدة في السجن لأن هدفه أعطى لحياته ومكوثه في السجن معنى. «من يعرف السبب الذي يعيش من أجله يستطع تحمل العيش بأي طريقة» فريدريش نيتشه.

المعنى الذي نعيش من أجله ليس مسألة رفاهية، لأن المعنى هو الذي يجعل جنديًا يقتل المئات ويضحي بحياته في سبيل وطنيته، هو الذي يجعل الأم تترك عملها من أجل طفلها، المهم أن لا تكون ممن تنسيهم تخبطات الحياة من روتين وعمل وزواج في البحث عن معنى لوجوده.

رواية الخيميائي التي تحكي عن قصة الشاب سانتياغو راعي الغنم الذي يراوده حلم إيجاد كنز في أهرامات مصر، وفي يوم يقرر الذهاب وراء حلمه في البحث عن الكنز، ليقابل في رحلته الإثارة، الفرص، الذل، الحظ والحب. ربما بعد قراءتها ستشعر أن كنز الرحلة الحقيقي هي الرحلة نفسها بما تحمله من أحداث وتجارب، لذا فليس من الغريب أن يكون كنز الرحلة التي نعيشها نحن هي الرحلة نفسها، الرحلة التي نحزن ونفرح فيها، نحب ونكره فيها، نسقط وننهض فيها، المهم أن لا تفقد الأمل خلال الرحلة لأن من فقد الأمل فقد الغاية ومن فقد الغاية فقد الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

Live, meaning, Social
عرض التعليقات
تحميل المزيد