قد تبدو لك لفظة «المِنْسَأَة» لفظة غريبة أو دخيلة على اللغة، ولكن إذا تذكرت قوله تعالى في سرد بعض تفاصيل قصة النبي سليمان عليه السلام في سورة سبأ في الآية 14 «مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ»، سوف تعلم أنها كلمة عربية أصيلة وتعني العصا الغليظة. ولكن ما هي نظرية المِنْسَأَةُ وما علاقتها بإدارة المؤسسة، وهنا لب القصيد.

يروي القرآن الكريم جزءًا من القصة بسياق مدهش، وفي خلاصة القصة تقول الحكاية: كانت الجن في زمن سليمان تُخبر الإنس أنهم كانوا يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد، فابتلوا بموت سليمان، فمات سليمان ولبث سنة متكئًا على عصاه وهم لا يشعرون بموته، وهم مسخرون تلك السنة يعملون دائبين. وكان سليمان عليه السلام قد أخذ عصاه من شجرة ونحتها واتكأ عليها حولًا ميتًا، والجن تعمل بكد ولا تدري بموته، فجعلت دابة الأرض «الأَرَضَة» تأكل من العصا، فسقط، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين وهم يعملون دون انقطاع.

طبعًا مع فارق التشبيه، فليس المراد موقف النبي سليمان من استحضار القصة، وإنما المراد سلوك العصا. مؤسساتنا تشبه إلى حد كبير حالة «المِنْسَأَةُ»، هذه المؤسسات تبدو بحالة جيدة، تؤدي وظائفها، ويشير إليها المسؤولون على أنها قصة نجاح، أو على الأقل لا تأتي لهم بمشاكل، ولكن في حقيقة الأمر، ترى الفساد ينخر فيها كما فعلت دابة الأرض «الأرضة» في منسأة سليمان. إن أرضة الفساد لها أشكال متعددة، أبرزها وأكثرها شهرة المتعلق باختلاس الأموال، والرشوة ومرورًا بالمحسوبية وقلة المعرفة وهدر الوقت وسوء استغلال النفوذ والابتزاز وغيرها.

لا نريد أن نتحدث بإسهاب عن أشكال الفساد السياسي أو الأمني أو الاجتماعي أو الإداري، فقط نتحدث عن الفساد المؤسساتي، الذي يصيب مؤسسة ما ثم ما تلبث أن تنتشر آثاره لتعم المؤسسات الأخرى لتشكل ورمًا خبيثًا مستشريًا في كافة أعضاء الدولة، وتنهار المؤسسة كما انهارت المنسأة ولا تصلح في تلك الحالة جميع عمليات التجميل.

ذات نهار قبل سنوات، كنت أتحدث مع صديق في دولة عربية، واستشارني في أمر مؤسسة عامة قد نخر الفساد جميع مرافقها، وأصبحت في حالة أعجزت المختصين في عمليات تجميل المؤسسات، وبات واضحًا أنها قد سقطت فلم تدع أرضتها مجالا لجبر الكسور وعمليات التجميل. وللحقيقة لم تكن مشكلتها تتعلق بالفساد المالي، وإنما مشكلة كوادر غير مؤهلة ومترهلة ومهملة. اقترحت عليه من باب التهكم «عليك بتسريح جميع العاملين، وإغلاق المؤسسة، وهدم المباني الحالية، وتسوية الأرض وجعلها حديقة، وتوفير أرض جديدة في مكان مختلف، ثم إقامة مباني جديدة وتوظيف كوادر جديدة». وعندها سوف تتحدث عن النجاح.

قد تكون الأرضة في بعض المؤسسات من الأمهات، أي من مؤسسي أو مالكي المؤسسة أو مجلس إدارتها او رموزها، وهذه حالة صعبة تؤدي للمهالك، ولذلك تنهار العديد من المؤسسات والشركات بعد نجاحات عظيمة، ويكون السبب في ذلك عائدًا للأرضة الشريك، العصا في هذه الحالة لا تستطيع المقاومة حتى لو استدعت كافة قوات التدخل السريع والمغاوير، فهؤلاء لا يحاربون أمهم، ولكنهم حتمًا سيتعاونون مع سائر الأمهات في جهود الإزاحة، إلا من كان منهم أرضة صغيرًا ومستفيدًا من فساد الأم. الأرضة الصغرى المتمثلة في صغار الموظفين قد تأخذ وقتًا أطول في عمليات النخر، إن كانت وحيدة، ولكن إذا تكاثرت الأرضة تسارعت المؤسسة نحو الهاوية.

هل نحتاج لأمثلة لنصدق هذا الكلام؟ أين نحن من الممالك التي هوت وكنا نظنها مثل الجبال الرواسي؟ فقد هوت بين عشية وضحاها، لا أتكلم عن قوم هود وعاد وفرعون، حيث تدخلت العناية الإلهية في دحرهم، ولكن نتحدث عن أمثلة حاضرة في الذاكرة. لماذا انهارت، هذه المؤسسات والدول، ببساطة لأن الملك او القائد الأعظم يعلم جيدًا أن بنيانه كان على شفا جرف هار، فلما وقعت الواقعة ونشب نذير الخطر، انهار بنيانه وأصبح أثرًا بعد عين ومجرد ذاكرة سوف تتناقلها الأجيال.

الفساد الداخلي لا يرحم، لاحظ في تفاصيل قصة سليمان أن كل العوالم كانت تهاب الملك النبي، إلا هذه الدابة «والتي تُمثل الفساد» بدأت تنخر في هذه العصا التي شكلت محور الارتكاز، حتى هبطت به، وكشف للجن والإنس وفاة النبي. فهذا نداء لكل من يهمه الأمر، أن لا تغتر بصورة الثبات الظاهر، وقوة الارتكاز الهش، فالأساس ضعيف والسقف سيخر عليكم من فوقكم إذا لم تتداركوا الأمر. طبعًا هذه ليست تهمة عامة وإنما التنبيه هنا لضرورة التشخيص والتثبت لمعالجة الخبث قبل استفحاله، فمواردنا قليلة ومياهنا بالكاد تكفي ملء القُلّتين.

ما هو الحل؟

أولًا: الفحص السريري والأشعة: لن تستطيع بنظرة عابرة أن تشخص الحالة، إن الفساد الظاهر سهل العلاج، فهو كالحكة الجلدية تكفيه بعض المراهم، ولكن المشكلة في الفساد الكامن في النخاع، إنه فعل الأرضة، هذا بحاجة إلى تشخيص دقيق، أشبه بالصور السينية ثم المقطعية ثم الرنين المغناطيسي، حتى تتثبت من فعل وأثر الأرضة.

ثانيًا: العقاقير: حدد موضع الفساد وأثره، وثم قَدّر أثر إزالته، وأثره على المحيط، وحدد كافة أنواع العلاج المطلوب للاستئصال، ومنع الانتشار ثم الترميم.

ثالثًا: الاستئصال والجراحة: إن كل يوم إضافي قد يكون سببًا في انتشار الورم لأعضاء جديدة، فسارع في الاستئصال، وعليك بالكي لتشل به حركة الأرضة التي تقاوم.

رابعًا: عمليات التجميل: لا يكفي العلاج، فقد تكون لديك أرضة كامنة، أو صرصور قد مرّ بفترة بيات شتوي، فعليك بالتقييم المستمر والمتابعة الحثيثة جنبًا إلى جنب مع أعمال الترميم ومعالجة الأثر. لا تنسى أن الصورة الخارجية، قد اهتزت، الآن وهذه يلزم علاجها، فسقوط المنسأة في بداية القصة، قد أثار «الجن».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات