آثــاره تنبيـك عـن أخـباره … حـتى كأنـك بالعـيـان تــراه

تالله لا يأتي الزمان بمثله … أبدًا ولا يحمي الثغور سواه

على قبره في مدينة سالم بالثغر الأعلى بالأندلس كُتب البيتان السابقان ليخلدا ذكر ذلك الرجل الذي لم تعرف الأندلس مثله على امتداد تاريخها.

محمد بن أبي عامر، ذلك الفتى البسيط الحال، الخامل الذكر، المعدوم الصيت والشهرة، والمقيم في حصن طرش بالجزيرة الخضراء جنوب الأندلس، كيف تحولت أقداره ومصائره ليصبح رجل الأندلس القوي وحاكمها المستبد والقابض على جميع السلطات بها؟

في عام 350ه تقريبًا وفي أخريات عصر الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر، ترك ابن أبي عامر حصن طرش وتوجه إلى قرطبة عاصمة الدولة وحاضرتها الكبرى، وفي مساجدها العامرة ومعاهدها التعليمية الراقية درس الفتى الغريب على يد أعظم علماء الأندلس في ذلك الوقت من أمثال القالي البغدادي وابن القوطية وغيرهما، وسرعان ما استطاع ذلك الشاب أن يكسب اهتمام معلميه وأساتذته بما أبداه من فطنة وذكاء ملحوظين، فعمل مساعدًا لقاضي قرطبة كما عمل بعدها كاتبًا للرقاع والصحائف التي يرفعها الناس للخليفة والوزراء.

كانت نقطة التحول الحقيقية في حياة ابن أبي عامر عندما رشحه الحاجب المصحفي ليتولى إدارة أملاك الأمير الصغير عبد الرحمن ابن الخليفة الحكم المستنصر بالله، ورغم أن عبد الرحمن قد توفي سريعًا، إلا أن الأقدار حافظت على حظوظ ابن أبي عامر عندما قام الخليفة بتعيينه وكيلًا على أملاك ابنه الآخر هشام.

ومع مرور الوقت استطاع محمد بن أبي عامر أن يثبت مهارة وكفاءة في كل الأعمال التي تم إسنادها إليه، فنجح في مهمة ولاية الشرطة الوسطى والعليا كما أجاد كوزير للخزانة وناظر على الحسبة والسوق.

وفي عام 366ه مرض الخليفة المستنصر مرضًا شديدًا وأحس بقرب وفاته، فعهد بولاية عهده لابنه الصغير هشام المؤيد بالله، وبالفعل مات الحكم وتقلد هشام الخلافة وكان ما يزال طفلًا لم يبلغ الثانية عشر من عمره.

هنا تشكل مجلس وصاية للإشراف على الخليفة الصبي، تشكل ذلك المجلس من السيدة صبح أم الخليفة والحاجب جعفر بن عثمان المصحفي ومحمد بن أبي عامر، واستطاع ذلك المجلس أن يحبط محاولة انقلاب تم التخطيط لها من جانب الصقالبة وأحد أعمام الخليفة الصغير، وتولى محمد قتل ذلك العم الغادر واستطاع إفشال مساعيه كما أنه في الوقت نفسه عمل على تحجيم نفوذ الصقالبة والحد من خطورتهم فقبض على عدد من قادتهم وصادر أموالهم واصطنع بعضًا من القيادات الجديدة التي لا تدين بالولاء إلا له.

ابن أبي عامر الذي كان حتى ذلك الوقت محسوبًا من جملة أتباع الحاجب المصحفي استطاع أن يستميل إليه السيدة صبح، وهو ما كان يعني بالتبعية أنه قد أصبح في مقدرته استصدار أي قرار من الخليفة بدون الرجوع للمصحفي، وسرعان ما استصدر محمد بعض القرارات التي حدت من صلاحيات الحاجب وقلصت من سلطاته في الوقت الذي قوت من مكانة وسلطة القائد العسكري غالب الناصري أقوى وأعظم القادة الحربيين في الجزيرة والذي كان حليفًا لمحمد بن أبي عامر فضلًا عن كونه صهرًا له.

وفي367ه تم استصدار قرار من الخليفة بسجن المصحفي ومصادرة أمواله، وأضحى ابن أبي عامر حاجبًا بدلًا منه واتخذ لقب (المنصور)، وبذلك وكما وصفه محمد عبد الله عنان في كتابه (دولة الإسلام في الأندلس): «أضحى بعد أن قضى على كل خصومه ومنافسيه وحده سيد الميدان وأضحى بعد أن وضع يده على الجيش صاحب السلطة العليا دون منازع ولا مدافع».

ولكن احتكار المنصور للسلطة لم يكن ليرضي شريكته السابقة أم الخليفة، فنجدها استنجدت بغالب الناصري لتخليص الخلافة من هذا الحاجب المستبد، واستجاب غالب لطلبها مدفوعًا في ذلك بالغيرة التي اشتعلت في قلبه ضد صهره القوي، وبالفعل حدثت مواجهة عسكرية ما بين غالب وحلفائه من قشتالة وليون من جهة ومحمد بن أبي عامر وحلفائه المغاربة من بني حمدون من جهة أخرى، وفي محرم 371ه وأمام أسوار حصن «شنت بجنت» هُزم غالب وتوفي بينما رجع المنصور إلى قرطبة ظافرًا.

وكما هي عادة المنصور فإنه لم يكن ليسمح بأن يشاركه أحد في نفوذه وهيمنته، ولذلك قام بتدبير خطة لاغتيال القائد جعفر بن حمدون بعدما لمس تصاعدًا مطردًا في قوته ومكانته.

وفي كتابه «معالم تاريخ المغرب والأندلس» يعلق حسين مؤنس على قتل غالب وجعفر بن حمدون، قائلًا:

«وبذلك خلا الجو لابن أبي عامر فأصبح بهذه الأساليب الشريرة سيد الأندلس دون منازع، يحكمه بالإرهاب والقوة والعنف والجريمة».

أما صبح فقد أرسلت إلى أحد أمراء المغرب الأقوياء ويدعى زيري بن عطية وعرضت عليه أن تمده بالأموال والهدايا في سبيل تجهيز جيش قوي لتخليص الخليفة الشاب من سيطرة حاجبه القوي، ولكن المنصور عرف بهذا الخبر عن طريق جواسيسه وعيونه المنتشرين داخل قصر الخلافة، فأرسل ابنه عبد الملك لقتال زيري بن عطية في المغرب، وبعد ذلك أراد (المنصور) أن يتخلص من مقاومة (صبح) وولدها الخليفة إلى الأبد، فقام بالاجتماع (بهشام) وأقنعه بأن يتنازل له عن جميع شؤون الحكم والسلطان والخلافة وأن يتفرغ للعبادة وقراءة القرآن، وأجبره على كتابة مرسوم بذلك، ووقع الخليفة على هذا المرسوم في حضور الوزراء ورجال الدولة، أما عن أم الخليفة فقد اعترفت بهزيمتها وأصبحت كما يقول المستشرق الهولندي دوزي في كتابه المسلمون في الأندلس: «حزينة مغلوبة على أمرها محطمة النفس، فراحت تنشد في العبادة سلو الماضي والعوض على آمالها الضائعة».

وكان الخطر الأخير الذي واجهه المنصور هو الخطر الذي تعرض له من ابنه الأكبر عبد الله، الذي عقد تحالفًا سريًا مع عبد الرحمن التجيبي والي سرقسطة ضد المنصور، ولكن الحاجب القوي استطاع أن يقضي على تلك الفتنة في بدايتها، فقتل ابنه وشريكه في المؤامرة دون أن يرتعش له رمش أو تطرف له عين.

والغريب أن المنصور وسط كل تلك الأحداث الدامية التي شهدها عهده، قد أظهر كفاءة عسكرية حربية منقطعة النظير، حتى يُحكى أنه قام بخمسين حملة عسكرية لم يُهزم في أي واحدة منها، كما استطاع أن يصل إلى أماكن في أقصى الشمال الإسباني لم يصلها قبله أي من الفاتحين أو الأمراء المسلمين.

وفي 27 رمضان 392ه، توفي المنصور بن أبي عامر أثناء قيامه بإحدى الغزوات وتم دفنه في مدينة سالم وتم تدوين البيتين اللذين افتتحنا بهما المقال على قبره، وأسدل الستار على صفحة واحد من أهم الزعماء الميكيافيلين البراجماتيين الذين جعلتهم السلطة ينقلبون على حلفائهم وأبنائهم في سبيل الحفاظ عليها والاحتفاظ بها.

والسؤال الأخلاقي الفلسفي الذي يطرح نفسه ها هنا، أي المثالين أفضل للدولة والرعية، ديكتاتورية المنصور – رغم طرقها النفعية الوصولية المنفرة – التي كانت سبيلًا لحفظ وحدة المسلمين وقوتهم في شبه الجزيرة الأيبيرية، أم الديموقراطيات الزائفة التي أوصلت ملوك الطوائف إلى السلطة بعد انهيار الدولة العامرية، وانتهت بالمسلمين إلى حالة غير مسبوقة من حالات الضعف والاضمحلال والتشرذم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد