تالله لا يأتي الزمان بمثله … أبدًا، ولا يحمي الثغور سواه

 

في زمن ملوك الطوائف في الأندلس وانكسار شوكة المسلمين وتدهور حالهم وانهيار سلطانهم حدثت تلك القصة التي يرويها شجاع مولى المستعين بن هود أحد ملوك الطوائف حينها.

لمّا توجّهت إلى أذفونش (ألفونسو) وجدته في مدينة سالم، وقد نصب على قبر المنصور بن أبي عامر سريره، وامرأته متكئة إلى جانبه، فقال لي: يا شجاع، أما تراني قد ملكت بلاد المسلمين، وجلست على قبر ملكهم؟ قال: فحملتني الغيرة أن قلت له: لو تنفّس صاحب هذا القبر وأنت عليه ما سمع منك ما يكره سماعه، ولا استقر بك قرار، فهمّ بي، فحالت امرأته بيني وبينه، وقالت له: صدقك فيما قال، أيفخر مثلك بمثل هذا(1)

فمن هو المنصور بن أبي عامر الرجل الذي هابه أعداؤه حيا وميتا، وضربت بقوته وشجاعته الأمثال، ودانت له الممالك وخضع له الملوك، وذاع صيته وعظمته وملك الأندلس قاطبة، ودانت له الأمور حتى هابه ملوك النصارى الإسبان، وقدموا له فروض الولاء والطاعة في ذل وخنوع خوفا من قوته وبطشه، وغزا بنفسه اثنتين وخمسين غزوة فلم يهزم له جيش ولم تكسر له راية ولم يقع لجنده مكروه.

نسبه ونشأته

هو أبو عامر محمد بن أبي حفص بن أبي عامر المعافري اليمني، كان جده عبد الملك ممن دخلوا الأندلس مع طارق بن زياد92ه، وكان لهم سبق في الجهاد والفتح، وكان أبوه عبد الله فقيها بارزا ورعا تقيا، ونزلت عائلته في قرية طرش من أعمال الجزيرة الخضراء، ثم ارتحل منها بعد ذلك المنصور ونزل بقرطبة وهو شاب، وطلب بها العلم والأدب وسمع الحديث من أبي بكر بن معاوية القرشي وأبي علي القالي، وظهر نبوغه في العلم والأدب وذاع صيته.

بداية الحلم:

لم تكن عائلة المنصور على الرغم من سبقها في الفتح وبلائها من العائلات البارزة بل كانت تعد من عائلات الطبقة الوسطى التي لا تطمح إلى حكم أو سيادة، لكن محمد بن أبي عامر شب على غير آبائه وأجداده، وطمح في الوصول إلى أعلى المراتب وأشرفها وحدثته نفسه أنه سيملك الأندلس فارتحل المنصور إلى قرطبة واستقر بها.

 
كانت قرطبة حينذاك بؤرة الأحداث ومصدرها وفي قصر الزهراء تصرف أمور الأندلس وتدار الدولة الأموية، وكانت قرطبة في ذلك الزمان قبلة العلماء وطالبي العلم، حتى وصفت “بدار العلوم والحكم” فطلب محمد بن أبي عامر العلم هناك وأقبل عليه، وكان شابا ذكي الفؤاد سريع الفهم مرهف الحس سريع الغضب، خصب التفكير، شديد البأس، جريئا حيث تنبغي الجرأة، يؤثر من الكتب الحوليات القديمة عن تاريخ المسلمين ومجدهم، وكان أكثر ما يسترعي انتباهه في تلك الكتب سير الرجال العظماء الذين بدؤوا حياتهم في مراتب دنيا لكنهم بذلوا الغالي والنفيس حتى صار الملك والأمر إليهم، فاتخذهم مثالا يحتذيه، وكان لا يكتم مطامحه عن أقرانه لذلك طالما اتهموه بالجنون وليس به مس منه إنما كان ضربا من العبقرية(2).

جلس في شبابه ذات يوما مع بعض أصدقائه وحدثهم المنصور أنه ذات يوم سيصير حاكم البلاد، ثم قال: يتمنى كل واحد منكم على ما شاء أوليه فقال أحدهم ولني الحسبة في السوق، وقال الآخر ولني مالقة بلدي، وقال الثالث ولني قرطبة، لكن الرابع ضحك وهب واقفا وأمسك بلحية المنصور وقال إذا أفضي الأمر إليك فمر بي أن يطاف بي قرطبة كلها على حمار ووجهي لذنبه، وأنا مطلي بالعسل ليجتمع علي الذباب والنحل، فوعد المنصور كل منهم بتحقيق ما يرجوه(3)،فلما آل الأمر اليه أحضر هؤلاء وجزى كل منهم ما تمناه.

الصعود

بعد إتمام دراسته افتتح المنصور مكتبا أمام قصر الخلافة، وجلس فيه يكتب الرسائل والمخاطبات والشكاوى التي تصل إلى الخليفة،كان أسلوبه الأدبي في غاية الفصاحة والبلاغة واشتهر عنه ذلك حتى أصبحت فصاحته وبلاغتة مضرب المثل والإعجاب فأقبل عليه الناس لكتابة طلباتهم وشكواهم التي ترفع إلى الخليفة وخاصته، حتى طلبت صبح أم هشام المؤيد من يكتب عنها فدلها عليه بعض فتيان القصر، وأصبح كاتبها الخاص، وأخذ يتدرج في المناصب داخل القصر وفي سنة 356 ولى الحكم المستنصر (الخليفة) محمد بن أبي عامر وكالة ولده هشام بن الحكم، وفوض إليه في جميع شؤونه؛ فقام بمهمته على أكمل وجه وأصح حال فأعجب الحكم به أيما أعجاب، فولاه دار السكة والمال فتحركت حاله في الدولة وذاع صيته.

ولم يدع المنصور الفرصة تفلت من بين يديه؛ فأظهر في عمله الدقة والحنكة والبراعة حتى ولاه الخليفة شرطة المدينة، وكلما زادت براعته وحسن إدارته عهد إليه الحكم بمنصب جديد وما كاد يبلغ الحادية والثلاثين من عمره حتى أصبح في يده خمسة أو ستة مناصب قوية يتقلب في رغدها ويعمل بها من أجل تحقيق حلمه ونيل مراده(4).

المنصور يحقق حلمه

لما توفي الحكم الثاني لم يترك خلفًا له إلا ابنًا صغيرًا هو هشام الثاني فكثر المتطلعين إلى عرش الأندلس وكثرت الدسائس والمؤمرات، وأصبح الساسة والقادة يتعاركون حول أحقية العرش ومن يجلس عليه، حتى أصبحت الدولة في مهب الريح، في تلك اللحظة بزغ نجم محمد بن أبي عامر وظهرت حنكته السياسية، فقمع الفتن وفتت تحالفات الطامعين، حتى أمّن العرش لهشام الثاني ولد الخليفة الراحل وأصبح هو المتصرف والوصي على الخليفة الصغير، وصارت مقاليد الأمور إلى محمد بن أبي عامر الذي تلقب بالمنصور.

سياسته ودولته

في أواخر عهد الخليفة الراحل الحكم المستنصر زاد نفوذ الفتيان الصقالبة ــــ حرس الخليفة الخاص وخدم قصره ــــــــ وظهرت منهم شرور كثيرة حتى ضج منهم الناس وكرهوا سيرتهم، كما ظهر الفساد في شرطة قرطبة فكثرت السرقات والقتل وأصبح الرجل لا يأمن على نفسه ولا أهل بيته حتى ضج الناس بالشكوى وأصابهم الغضب مما يجدون.

 

كانت تلك المشاكل أبرز ما واجهها المنصور في بداية أمره فعمد سريعا إلى تقليص نفوذ الفتيان الصقالبة وكسر شوكتهم وتخلص من كبارهم حتى ذهبت ريحهم وفنت قوتهم.

 

 

 
ثم عمد إلى رجال الشرطة فضرب بيد من حديد لا تعرف الرحمة كل من تحدثه نفسه بالشر، وهددهم بأقصى ضروب الشدة والعنف إن مدوا أيديهم للرشوة، فلما رأوا صلابة عوده وتأكد لديهم أنه متعقبهم بعينه النفاذة اهتموا بأداء واجباتهم، وسرعان ما تبينت العاصمة أثر ذلك بعد فترة وجيزة واستتب الأمن بعد غياب واستقر النظام وأمن الناس على نفوسهم، ولم يفرق ابن أبي عامر في الحكم بين أمير ومأمور فقد قبضت الشرطة على ولد له اقترف جرما فعوقب بالجلد ومات بعد فترة من أثره(5).

غزواته

بعد قيام المنصور بضبط الشئون الداخلية للأندلس وتأمين الجبهة الداخلية، عمد إلى حماية الثغور وتأديب ملوك النصارى الذين عاثوا فسادا في الأراضي الإسلامية، واستغلوا موت الخليفة الحكم، فنقضوا العهود ونبذوها، وجاهروا بالعداء، واستولوا على بعض الثغور الإسلامية، بل اقتربت جيوشهم غير مرة من أسوار قرطبة طمعا في النيل منها واستغلال حالة الفراغ السياسي الذي خلفه موت الحكم المستنصر، فجهز المنصور الجيوش وتولى إعدادها وقيادتها بنفسه لتبدأ الأندلس مرحلة جديدة من عظمتها وقوتها، فكسر شوكة الأعداء وأذل ملوكهم وملك رقابهم.

غزا اثنتين وخمسين غزوة في سائر أيام ملكه لم ينكسر له فيها راية، ولا فل له جيش، ولا أصيب له بعث، ولا هلكت سرية، وأجاز عساكره إلى عدوة المغرب وضرب بين ملوك البرابرة بعضهم في بعض فاستوثق ملكه بالمغرب وأذعنت له ملوك زناتة وسائر القبائل وانقادوا لحكمه وأطاعوا سلطانه وأذعنت الممالك الإسبانية النصرانية له ودفعت الجزية وخضعت له(6).

غزوة شانت ياقب

كانت إمارة جليقية هي ملجأ أمراء النصارى وكنفهم كلما وقعت بهم هزيمة، وكانت بها كنيسة القديس سانت ياقوب (شانت ياقب) الشهيرة، التي كانت تعد كعبة النصرانية في ذلك الوقت وحصنها الحصين حيث لم يسبق للمسلمين فتحها من قبل، وكان يأتي إليها الحجاج من كل صوب وحدب من العالم المسيحي متباركين بها ومستنصرين بها على عدوهم، حتى أصبحت تلك المدينة هي مركز القلاقل والفتن في الأندلس في ذلك التوقيت، وقد شاء المنصور أن يضرب إسبانيا النصرانية في صميم معقلها القاصي، وفي صميم زعامتها الروحية، بغزو جليقية، واقتحام مدينتها المقدسة.

فخرج من قرطبة في الثالث والعشرين من جمادي الآخرة سنة 387 هـ – (3 يوليو 997 م) – على رأس قوى الفرسان، وفي الوقت نفسه تحرك الأسطول الأندلسي، الذي أعده المنصور لهذه الغزوة الكبرى، من مرساه أمام قصر أبي دانس في مياه البرتغال الغربية، شمالا بحذاء الشاطئ البرتغالي، يحمل المشاة والأقوات والذخيرة؛ واخترق المنصور إسبانيا الغربية شمالا، وهو يعبر الجبال والأنهار العظيمة تباعًا، واستولى على مدينتي بازو وقلمرية.

كانت قوات المنصور كلما وصلت مدينة أو بلدة وجدت حمايتها قد أخلتها وهرب سكانها وتفرقوا في الجبال والهضاب خوفا من المنصور، حتى خربت تلك المدن وقفرت من أهلها، حتى وصل المنصور إلى مدينة شانت ياقب معقل النصرانية فوجد الجيش النصراني قد فر تماما وأخلى المدينة ولم يجد المنصور هناك سوى رجل عجوز يجلس بجوار القبر فسأله المنصور عن سبب وجوده فقال الرجل أوانس يعقوب فتركه المنصور وأمر بعدم التعرض له وترك القبر على حاله، وأرسل سراياه إلى الجبال والهضاب المحيطة بالمدينة فظفروا بكثير من الأسرى وعادوا بهم إلى المنصور الذي أمر بفك أبواب المدينة ونواقيس الكنيسة الكبرى وحملها الأسرى على كواهلهم حتى قرطبة دلالة على انتصار المنصور وعظمته(7).

كما غزا المنصور مدينة برشلونة وقلمرية وليون وقشتالة وبلاد البشكنس وخضع الجميع له بالطاعة وأدوا إليه الجزية.

عظمة المنصور

كان زمن المنصور زمن قوة وعظمة للإسلام وعادت فيه هيبة المسلمين وقويت شوكتهم حتى نصروا بالرعب.

تجول أحد رجاله في بلاد البشكنس (الباسيك) فعرضت له امرأة مسلمة وأخبرته أنها منذ سنوات أسيرة لدى البشكنس محبوسة في أحد كنائسهم واستحلفته بأغلظ الأيمان أن ينقل شكواها إلى المنصور ويخبره بخبرها، فلما عاد الرسول إلى المنصور أخذ يساله عن أحوال تلك البلاد وعما رآه حتى فرغ الرجل من حديثه، فسأله المنصور هل وقفت على أمر أنكرته؟ فتذكر الرجل قصة المرأة وقص خبرها على المنصور فغضب بشدة وعنف الرسول لأنه لم يبدأ كلامه بقصة تلك المرأة، وعلى الفور جهز الجيوش واستعد لاجتياح بلاد البشكنس عقابا لهم على أسرهم تلك المرأة المسلمة فوصلت الأخبار إلى ملك البشكنس بقدوم المنصور وجنده فارتعدت فرائصه، وأرسل إلى المنصور يقسم له بأنه لم يقترف ذنبا ولا جناية وأنه لم يخرج عن طاعة المنصور شبرا واحدا، فأرسل إليه المنصور يخبره بخبر المرأة المسلمة حبيسة تلك الكنيسة وقال لرسل الملك لقد عاقدني أن لا يُبقي ببلاده مأسورا ولا مأسورة ولو حملته في حواصلها النسور، فأقسم الملك بأنه لا يعرف عنها شيئا وأمر بهدم الكنيسة ومعاقبة من فيها وأرسل المرأة إلى المنصور معززة مكرمة وبالغ في الاعتذار له حتى رضي المنصور وعاد(8)

صفاته ومناقبه

كان المنصور بن أبي عامر عبقرية فذة، تمثل ذروة النبوغ الشعبي، والطموح الفردي؛ فقد خرج المنصور من صفوف الطبقة الوسطى، وشق طريقه بساعده وهمته إلى السلطان والرئاسة، ولم تسعفه في ذلك نشأة ملوكية، أو انقلاب عنيف، ولم يكن عزمه في بلوغ ذلك أقل شأنًا من تألق طالعه، وقد وصل المنصور إلى مرتبة من السلطان والقوة، لم يصل إليها أحد قبله من أعاظم أمراء الأندلس حتى ولا عبد الرحمن الناصر نفسه، ويمكننا أن نقول إنه إذا كان عهد الناصر ألمع صفحة في تاريخ إسبانيا المسلمة، من النواحي السياسية والحضارية، فإن عهد المنصور لا يقل عنه لمعانًا وتألقًا(9)

وَكَانَت للمنصور همة ترمى بِهِا المرامي، وَيحدث نَفسه بِإِدْرَاك معالي الْأُمُور حَتَّى تم له مُرَاده وَكَانَ أحد أَعَاجِيب الدُّنْيَا فِي ترقيه وَالظفر بتمنيه(10)

وفاة المنصور

وفي سنة 392، توفي المنصور ابن أبي عامر وهو ابن خمس وستون سنة وعشرة أشهر، وكان في آخر غزواته وبالرغم من مرضه، وسيره محمولا على محفة، لم يمنعه ذلك من الغزو والجهاد حتى قضى نحبه. وكانت مدة قيامه بالدولة منذ تقلد الحجابة إلى أن توفي خمسا وعشرين سنة، وأربعة وأربعين يوما.

 

دفن المنصور في مدينة سالم حيث وافته المنية، وقد كان يحرص في سائر غزواته على جمع الغبار الذي يعلق بوجهه أو ثيابه من غبار وأوصى بأن يدفن ذلك الغبار معه. وقد وجد منقوشا على قبره:

 
آثارُهُ تُنْبِيكَ عَنْ أخْبَارِهِ .. حَتَّى كأنَّكَ بالعُيُونِ ترَاهُ
تَاللهِ ما مَلَكَ الجَزيرَةَ مِثْلُهُ .. حَقًّا وَلاَ قَادَ الجُيُوشَ سِوَاهُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (1 / 399)
(2) انظر:المسلمون في الأندلس:رينهارت دوزي (2/73)
(3) انظر: الإحاطة في أخبار غرناطة (1 / 114)
(4) انظر:المسلمون في الأندلس:رينهارت دوزي (2/76)
(5) انظر:المسلمون في الأندلس:رينهارت دوزي (2/98ــــ 99)
(6) تاريخ ابن خلدون (4 / 189)
(7) محمد عبد الله عنان/ دولة الأسلام في الأندلس (1 / 560)
(8) انظر البيان المغرب لابن عذاري (2 / 297ـــ 298)
(9) محمد عبد الله عنان دولة الإسلام في الأندلس (1 / 568)
( ) الحلة السيراء (1/268)
عرض التعليقات