بقية التعليق

ولكن قبل أن نهم بطي صفحة حريق القاهرة طبقًا لسياق مذكرات المراغي كان لا بد أن نعرض رؤى لبعض المفكرين والسياسيين بشأن حريق القاهرة، ومدى اتفاق هذه الرؤى مع العرض الذي طرحه الأستاذ المراغي في مذكراته.

يقول الأستاذ عبده مباشر في مقال له بجريدة الأهرام اليومي نشر بتاريخ 21 مارس (آذار) 2010: لم يلتفت المؤرخون بدرجة كافية لمشاهد كثيرة من أحداث يوم ‏26‏ يناير (كانون الثاني) ‏1952،‏ عندما احترقت القاهرة‏.‏ وتورطت أطراف كثيرة في توجيه الاتهامات للقصر الملكي، أو لقوات الأستعمار الإنجليزي، أو لكليهما‏.‏ وبسذاجة منقطعة النظير قال فريق إن الملك فاروق أقدم على حرق القاهرة للتخلص من مصطفى النحاس، رئيس الوزراء وقتذاك‏.‏ وهل كان الملك في حاجة إلى أن يحرق عاصمة مملكته التي يقيم فيها هو وأسرته لكي يقيل رئيس الوزراء‏.‏ إن إقالة وزارة أمر يسير، وقد سبق أن مارسه الملك‏،‏ وتمرس عليه منذ جلس على العرش‏،‏ ولم يكن الأمر يتطلب منه سوى كلمة واحدة، أو إشارة بإصبعه‏،‏ وإذا عدنا إلى صفحات التاريخ سنتبين أن الملك فاروق أقال النحاس باشا عام ‏1938‏ فور توليه العرش‏،‏ رغم أن رئيس الوزراء كان في قمة مجده عقب توقيع معاهدة ‏1936 مع بريطانيا‏،‏ ثم عاد وأقاله عام ‏1944‏، وتوجيه الاتهام للملك بحرق القاهرة يحمل أو يشير إلى سذاجة من قالوا به‏،‏ ولكنه يحمل أيضًا احتمالات العمل على توجيه الأنظار بعيدًا عن المجرمين الحقيقيين الذين أحرقوا القاهرة فعلًا‏.‏

ويمكن ملاحظة أن أغلبية من وجهوا الاتهام للملك ممن ينتمون لتيارات سياسية تؤمن باستخدام العنف كطريق للوصول إلى السلطة، وتعمل دائمًا على نشر الفوضى وعدم الاستقرار لبلوغ أهدافها‏.‏ ووجه فريق آخر الاتهام لقوات الاحتلال الإنجليزي‏.‏ ومثل هذا الاتهام لا يدعمه المنطق‏،‏ فقد كان متاحًا للسفارة البريطانية وقوات الاحتلال ممارسة الضغوط المتصاعدة لتغيير الوزارات‏،‏ ولم تكن بحاجة لإحراق القاهرة لوقف الأعمال الفدائية أو لإحراج حكومة الوفد‏،‏ وعندما جرى تقديم أحمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة للمحاكمة بتهمة حرق القاهرة‏،‏ لم يكن الهدف أكثر من محاولة تقديم كبش فداء‏.‏ وإذا ما استعدنا صورة لما جرى ستعرف أن قوات بلوكات النظام‏ (‏وحدات من الشرطة‏)‏ كانت قد قررت التظاهر يوم ‏26‏ يناير احتجاجًا على عدم صرف مرتباتهم‏.‏ وفي نفس اليوم كان الملك يقيم احتفالًا بميلاد ولي عهده الأمير أحمد فؤاد في يناير‏ 1952.‏ وكان قد قرر إقامة ثلاث مآدب بهذه المناسبة‏،‏ الأولى لأعضاء الاسرة الملكية والأسر المرتبطة بها‏،‏ والثانية للوزراء وكبار رجال الدولة‏،‏ والثالثة مخصصة لقادة وضباط الجيش والشرطة‏،‏ كان موعدها يوم‏ 26‏ يناير ‏1952،‏ وهنا نقول لو أن الملك كان قد خطط لحرق القاهرة‏،‏ فلماذا يقيم هذه المأدبة في هذا اليوم؟‏ وفي نفس اليوم كان من المقرر أن يخرج طلبة جامعتي فؤاد الأول‏ (‏القاهرة‏)،‏ وإبراهيم ‏(‏عين شمس‏)،‏ وجامعة الأزهر، في مظاهرات احتجاجًا على مذبحة رجال الشرطة في الإسماعيلية في اليوم السابق‏.‏ ومثل هذه المظاهرات عرفتها القاهرة طويلًا‏،‏ وكانت تنتهي بدون اللجوء لإحراق المنشآت المصرية أو الأجنبية في العاصمة‏،‏ وكان استخدام قوات الشرطة أمرًا يمكن اللجوء إليه عندما ترى السلطة ضرورة لذلك‏.‏

أي لم يكن هناك ما يشير إلى تردي الأوضاع بهذه الصورة‏.‏ وصباح هذا اليوم تحركت المظاهرات فعلًا بشكل سلمي، بالرغم من اشتراك الآلاف بها‏.‏ وتكشف التحقيقات أن أحداث العنف‏،‏ تفجرت في عقب نشوب مشاجرة بين مجموعة من المتظاهرين ورواد كازينو أوبرا‏،‏ وفي مثل هذه الظروف دائمًا يسارع الغوغاء إلى استغلال الموقف والمشاركة بإلقاء الحجارة على واجهات المحلات وكسر الزجاج وسرقة المحتويات‏،‏ وكان يمكن لرجال الشرطة السيطرة على الموقف مثلما سبق في حالات مشابهة‏،‏ ولكن الجديد هنا هو اللجوء لإشعال النيران في منشآت بعينها في قلب القاهرة‏،‏ منها فندق شبرد الذي كان موجودًا في قلب القاهرة وقتذاك والمحلات التجارية الكبرى.‏ وكان جديدًا وملفتًا للنظر استخدام أعداد من المتظاهرين لقنابل أو لزجاجات المولوتوف ومواد ملتهبة أخرى منها مسحوق كيماوي يعمل على إشعال النيران فورًا‏.‏ ومثل هذا المسحوق المتطور لا تملكه إلا الدول خاصة المتقدمة‏،‏ ولا يوجد إطلاقًا في حيازة أفراد‏.‏ أي أنه موجود في مخازن القوات المسلحة‏،‏ ويمكن أن يكون بحوزة السفارات الأجنبية‏.‏ وهنا بيت القصيد فاكتشاف استخدام هذا المسحوق الكيماوي يعني أن هناك قوى أخرى غير المتظاهرين كانت قد خططت ودبرت للأمر‏،‏ وتمكنت من وضع مخططها موضع التنفيذ‏.‏ وهناك أكثر من إشارة في التحقيقات وفي المذكرات التي نشرها البعض خاصة الرجل المسؤول عن نشاط المنظمات الشيوعية إلى الكولونيل الأحمر‏،‏ وأكد كثيرون أنه الملحق العسكري البولندي وقتذاك‏،‏ وإلى عناصر بعينها من بين صفوف الجيش كانت ترتدي ملابس مدنية‏،‏ وتلقي بهذا المسحوق وهذه البودرة على المنشآت المختلفة بوسط القاهرة.

ولكن هناك شهادة وردت في مذكرات السفير صلاح الشعراوي الذي كان موجودًا بالقصر الملكي بعابدين أثناء حرق القاهرة كضابط من ضباط الحرس الملكي والتي نشرها تحت عنوان قطوف من الذاكرة التاريخية وأصدرتها الهيئة العامة للكتاب عام ‏2009،‏ في هذه المذكرات سجل الرجل شهادته كشاهد عيان من قلب الحدث‏.‏

وقد ورد في هذه الشهادة عن يوم ‏26‏ يناير ‏1952‏ ابتداءً من صفحة ‏192‏ وهي كالتالي:

‏بدأ ألوف المتظاهرين في التدفق على ميدان عابدين وازدادت جرأتهم ولم يكتفوا بالهتافات المعادية للملك‏،‏ بل تسلقوا السور الحديدي ورفعوا الأعلام الحمراء‏ مرددين هتافات بسقوط الملكية وبحياة الشيوعية‏‏ وفي حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر رأيت سيارة ستروين سوداء تدور في الميدان ويبرز علم مصر في أحد المقاعد الخلفية‏،‏ وفي دورتها الثانية سمعت دوي طلقات رصاص صادرة منها‏؛‏ مما زاد في صياح المتظاهرين وجرأتهم‏، بما يعني حث المتظاهرين على الإسراع باقتحام أسوار القصر‏.‏ وهنا لجأ الحرس الملكي إلى التظاهر باستخدام القوة والاستعداد للصدام مع المتظاهرين وكانت هذه الخطوة سببًا في ابتعاد المتظاهرين عن القصر، ثم فرارهم فيما بعد‏.

أثبتت التحقيقات أن الحادث كان مدبرًا، وأن المجموعات التي قامت بتنفيذه كانت على مستوى عالٍ من التدريب والمهارة، ويعرفون جيدًا كيفية إشعال الحرائق كما كانوا على درجة عالية من الدقة والسرعة في تنفيذ العمليات ويحملون معهم أدوات لفتح الأبواب المغلقة ومواقد إستيلين لصهر الحواجز الصلبة على النوافذ والأبواب وقد استخدموا نحو 30 سيارة لتنفيذ عملياتهم كما أن اختيار التوقيت يعد دليلًا آخر على مدى دقة التنظيم والتخطيط لتلك العمليات.

التحقيقات التي أجرتها النيابة أثبتت أن السرعة التي اقتحمت بها المبانى كشفت أن الذي قام بذلك تنظيم فريد استعان فيه المخربون بشخص أو اثنين على دراية تامة بكل مبنى والنقاط الحيوية به وأن إشعال الحرائق تم باستخدام الكيروسين والبنزين وبعض المواد الفوسفورية مثل البودرة الحارقة وقال شهود العيان أنهم شاهدوا رجلًا له ملامح أوروبية يرتدى (مريلة) يكتبش من هذه البودرة ويقوم بإلقائها، وكانت مادة نادرة غير متوافرة في الجيش ذاته ولا تباع في مصر! كما شوهد أعضاء عديدون لجماعة (إخوان الحرية) وهم يشاركون في أعمال التخريب يوم الحريق وهي الجماعة المريبة التي تأسست بواسطة المخابرات البريطانية برئاسة روبرت فاي البريطاني مع الأخذ في الاعتبار أن يوم الحريق (السبت) كان عطلة في معظم المحال الأجنبية مثل شيكوريل فتمت الاستعانة بالبلط لكسر هذه المحال وفتحها وقذفها بكرات مغموسة بالبنزين وصفائح البنزين لتتحول إلى قطعة من جهنم. أما الشيء المؤسف حقًا الذي اكتشفته النيابة فيتعلق باستخدام علب البنزين الصغيرة المخصصة لملء الولاعات التي كانت تنتجها شركة شل الإنجليزية، وأثبتت التحقيقات أن رصيد الشركة نفذ منذ 18 ديسمبر (كانون الأول) 1951، أي أن جهة ما قامت بشراء كل المخزون لاستخدامه يوم 26 يناير 1952.

وأشارت الصحافة آنذاك بأصابع الاتهام إلى الإنجليز حيث غادر موظفو الشركات الإنجليزية مكاتبهم قبل الحريق بساعات وقام مصرف باركليز بنقل جميع تعاملاته من فرع قصر النيل إلى الموسكي قبل الحريق بيوم واحد وخلا النادي الإنجليزى (الترف كلوب) من الرواد على غير عادته، ومن الشائع أن الجنرال أرسكين كما جاء في كتاب أدجوبي عن (مصر المعاصرة) قد حذر كبار الإنجليز من أصدقائه ونصحهم بمغادرة القاهرة قبل 26 يناير ببضعة أيام قليلة.

ويقول إبراهيم فرج باشا وكان يشغل وزير الشؤون البلدية والقروية بحكومة الوفد الأخيرة في حوار سجله معه الصحافي والمؤرخ جمال الشرقاوى: إن المخابرات الأمريكية والمخابرات البريطانية هما اللذان أحرقا القاهرة، وأن الأساس في العملية هو المخابرات المركزية الأمريكية، حيث كانت أمريكا هي القوة الرئيسية المحركة للأحداث في تلك الفترة، ولم تكن راضية عن سياسة حكومة الوفد برئاسة النحاس باشا.. وبذلوا ضغوطًا شديدة علينا لكي نحارب معهم في كوريا. لكن النحاس باشا والحكومة رفضوا.. وقال النحاس باشا: (نحن لا نحارب لصالح أمريكا).

وقد لقيت هذه الحرائق رضا الملك.. لكن أفلت الزمام.. كانوا لا يريدون ألا تصل إلى هذا الحد.. وإنما إلى حد يكفي لإقالة حكومة الوفد.

لكن هناك من يرى أن جمال عبد الناصر وضباط يوليو هم من قاموا بحريق القاهرة في 26 يناير 1952! غير أن وزيرالداخلية الوفدي إبان حريق القاهرة فؤاد سراج الدين باشا كان له رأى آخر في هذا الاتهام حيث يقول:

الذين يتهمون جمال عبد الناصر رغم ما بيننا من خلاف أقول لهم، فلنتساءل: لماذا يفعل ذلك؟ أنا أريد من الذين يتهمون عبد الناصر أو الضباط الأحرار أن يردوا عليّ بالعقل والمنطق: لماذا لم يستولوا على الحكم وجميع المؤسسات تحت سيطرتهم وقد كانت العملية سهلة جدًا قيامها في يناير، بل كانت معرضة للفشل في 23 يوليو (تموز)، أما 26 يناير فالعملية ناجحة 100%.

ونحن بدورنا هنا نرد على رد الأستاذ فؤاد سراج الدين بالمنطق والعقل بأن أحتمالية أن يكون عبدالناصر وضباط يوليو هم الذين قاموا بإحراق القاهرة بأوامر من المخابرات الأمريكية هي الاحتمالية الأكثر قبولًا، ودلائل ذلك أن المخابرات الأمريكية نفذت حريق القاهرة بواسطة ضباط يوليو لكي تكون تجربة واختبار وتدريب لعناصرها (ضباط يوليو) استعدادًا للقيام بالانقلاب الفعلي.. أيضًا اختبار قوة بعض التيارات السياسية مثل الأحزاب في حالة وقوف تلك الأحزاب أمام الانقلاب والتصدى له.. بالإضافة إلى اختبار قوة ومناعة بعض مؤسسات الدولة كالشرطة والقصر الملكي في حالة مناهضة الانقلاب الذي خطط للقيام به.. وأخيرًا وبعد 23 يوليو ونجاح الانقلاب قاموا رجال الانقلاب بإعادة التحقيقات في كثير من القضايا التي وقعت في العهد الملكى مثل قضية الأسلحة الفاسدة المزعومة.. وقصية اغتيال الشيخ حسن البنا، وأيضًا قضية مقتل ضابط الجيش عبد القادر طه…. لكن القضية الوحيدة التي لم يعد فتح التحقيق فيها هي قضية حريق القاهرة.. فلم يلتفت إليها ضباط يوليو على الإطلاق.

ويستشهد حسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكي بالإنابة في مذكراته بصواب أحكامه على حريق القاهرة لفقرة ينقلها من كتاب الرئيس السادات البحث عن الذات: وختامًا.. أستأذن في تسجيل ما ورد عنه في كتاب السيد رئيس الجمهورية محمد أنور السادات.. بعنوان البحث عن الذات.. صفحة 137، إذ قال: لم يعرف حتى الآن من الذي دبر حريق القاهرة، ولكن الهدف كان واضحًا لدى الجميع فما لا شك فيه أن حريق القاهرة كان موجهًا ضد الملك.

من هذه الرؤى لبعض الكتاب والسياسيين تتضح أنها لاتتفق في غالبيتها مع طرح الأستاذ المراغي باتهام الملك فاروق بتدبير حريق القاهرة!

وننهي الحلقة الرابعة من سلسلة مذكرات الأستاذ أحمد مرتضى المراغي بعرض بعض التقارير البريطانية، التي تلقى الضوء على موقف بريطانيا من أحداث حريق القاهرة وتقييمها للملك فاروق والحكومة المصرية عقب تلك الأحداث ومدى اتساقها مع رؤية الأستاذ المراغي بشان حريق القاهرة.. وقد عرض الأستاذ محمد جلال كشك بعض هذه التقارير في كتابه المعنون (ثورة يوليو الأمريكية الصادر عن دار الزهراء للإعلام العربي عام 1987).

وتقول تقارير الحكومة البريطانية عن هذه الفترة: هناك معلومات حتى عن وزراء في الحكومة حرضوا الشعب على القتل. (إن لدينا معلومات بأن وزير الداخلية نفسه لديه ارتباطات وثيقة مع المنظمات الإرهابية).

ووثائق الحكومة البريطانية تثبت أيضًا أن بريطانيا قررت أنه لا سبيل للمساومة مع الوفد، وأنها كانت تطلب رأس الوفد، ورأس سراج الدين؛ ففي تقرير بريطاني بتاريخ 27 أكتوبر (تشرين الأول) 1951: ليس هناك أي أمل في التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الحالية، كما أن أية محاولة للتصالح معها ستفسر على أنها ضعف. (يجب أن نعمل من أجل إحداث انهيار كامل لحكومة الوفد).

ووضعت بريطانيا بدورها خطة لإعادة احتلال مصر هي الخطة (روديو) التي وضعت ضد حكومة الوفد في خريف عام 1951 ومطلع 1952، وجاء (حريق القاهرة) الذي ربما كان آخر ضربة لأخبث جهاز مخابرات، أو أول عملية كبيرة للـCIA، أو من فعلهما معًا، لا أحد يجزم ولا ندرى عن كنا سنعرف أم لا.. لأنها أقذر من أن يعترفوا بها، ولأن المخابرات البريطانية لا ملفات لها، وعملياتها لا تنشر ولو بعد ألف سنة.. فقبحهم في الصندوق، بعكس الأمريكيين ففي السوق.. ولكننا عثرنا على هامش صغير ورد في وثائق الخارجية الأمريكية يفيد أن الإنجليز كانوا يتوقعون ويسعون لما حدث في القاهرة صباح 26 يناير 1952.

فقد أشارت هذه الوثائق إلى برقية (لم تنشر) بعث بها الوزير المفوض الامريكى هولمز إلى وزارة الخارجية قال فيها: إن أنطوني إيدن وزير خارجية بريطانيا أبلغه 24 يناير 1952 أن القوات البريطانية ستجرى نزع سلاح قوات البوليس في الإسماعيلية غدًا، ويعتقد إيدن أن الحكومة المصرية سترى نفسها مضطرة للرد بطريقة ستعرض حياة الأجانب للخطر، ولذا فإن البريطانيين يجرون تحريك قطع الأسطول إلى مواقع تمكنهم من إجلاء الأجانب عند الحاجة.. بالإضافة إلى أن إيدن أصدر تعليماته للسفير البريطاني في مصر، سيروالف ستيفنسون لتحذير الملك من أتخاذ إجراءات تعرض الأجانب للخطر.

وقد طلب إيدن من وزير خارجية أمريكا: تأييد بريطانيا في الإجراءات التي ستضطر لأتخاذها لمواجهة الموقف نتيجة لما ستقوم به في الإسماعيلية غدًا كما جرى تخفيض الوقت اللازم لتنفيذ الخطة من 72 ساعة إلى 48 ساعة وهي الخطة التي وضعت لاحتلال الإسكندرية والقاهرة.

على أية حال إن لم تثبت هذه الوثيقة إدانة بريطانيا في تدبير وتنفيذ حرق القاهرة، وقتل من قتل بمن فيهم رعايا بريطانيا، فحتى على الأقل توقعت ذلك وأرادته وسعت إليه بوعي كامل مضيفة بذلك صفحة جديدة في تاريخ أعداء الشعوب.. كما سماهم أستاذ إبادة الشعوب.. معترفًا بتفوقهم.

ومما يذكر أن وزير خارجية أمريكا احتج أو عتب على زميله الإنجليزى لأن عملية الإسماعيلية لم تتم على النحو الذي صوره له إيدن.

من العرض السابق لهذه التقارير يتضح لنا أن ما دونه الأستاذ المراغي في مذكراته عن اتهام الملك فاروق بأنه وراء حريق القاهرة بعيد عن الحقيقة.

يتبع مع الجزء الأول من الحلقة الخامسة بالمقال القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد