بقية التعليق

كما تحدثا في الجزء الأول من هذه الحلقة أنه تم اتهام الملك فاروق بأن حياته كانت حياة لهو ومجون، وأن جل اهتمامه كان للسهر في الأندية الليلية ولعب القمار. وقد شهد على ذلك شخص يعتبر من معية الملك فاروق، وأحد موظفي القصر، وهو الأميرلاي أحمد كامل، قائد بوليس القصور الملكية، وقد شهد بذلك أمام محكمة انقلاب يوليو (تموز) أثناء محاكمة فؤاد سراج الدين باشا عام 1953.

وعلى هذا فسوف نسرد أولًا شهادة الأميرلاي أحمد كامل قائد بوليس القصور الملكية أمام محكمة انقلاب يوليو أثناء محاكمة فؤاد سراج الدين باشا عام 1953.. ثم نقوم بعد ذلك بتحليل مضمونها والرد عليها.

والشهادة نشرتها جريدة الأهرام  في 27 ديسمبر (كانون الأول) 1953 الصفحة الثامنة، وهي كالتالي:

رئيس المحكمة: ماذا كان عملك؟

أحمد كامل: قائد بوليس القصور.

رئيس المحكمة: كم سنة شغلت المنصب؟

أحمد كامل: 14 سنة.

رئيس المحكمة: ولازمت فاروق باستمرار؟

أحمد كامل: ليس باستمرار. كنت أراه في الحفلات الرسمية فقط.

رئيس المحكمة: هل كنت أنت من تحرسه؟

أحمد كامل: كان هناك نظام للحراسة والنوبتجيات.

رئيس المحكمة: والضباط كانوا يبلغونك بكل شيء؟

أحمد كامل: أجل، مسألة السهر والجلوس مع الأرتستات والذهاب للأسكارلبيه والغناء في وسط النادي.

رئيس المحكمة: كان صوته حلوًا، ألم تكونوا تخبرونه أن هناك خطرًا عليك؟

أحمد كامل: كنا نبلغه، عن طريق بوللي ومحمد حسن.

رئيس المحكمة: أي أن قائد البوليس لم يكن يستطيع الاتصال به؟

أحمد كامل: لم يكن يحب الاتصال بأحد آخر.

رئيس المحكمة: كان خائفًا من الناس؟

أحمد كامل: لم يكن يحب الاتصال بالناس.. الحاشية فقط.

رئيس المحكمة: وأنت لم تكن من الحاشية؟

أحمد كامل: لفظ الحاشية غير محدد إلى اليوم، ولكن كان يطلق على كريم، وأندراوس، وكافاتس، وبوللي، ومحمد حسن.

رئيس المحكمة: وأنت لم يكن لك مهمة مثل مهمتهم؟

أحمد كامل: هؤلاء كانوا معتادين عليه.

رئيس المحكمة: كنت ترى الوزراء عندما كانوا يأتون لمقابلة محمد حسن؟

أحمد كامل: لا، لقد كانت رؤيتي للملك حتى نادرة.

رئيس المحكمة: ألم تسافر قبل عام 1950؟

أحمد كامل: سافرت عام 1938 لحراسته.

رئيس المحكمة: كنت مرافقه؟

أحمد كامل: نعم

رئيس المحكمة: كيف كانت تصرفاته؟

أحمد كامل: كان يبعدني عنه، ومكثنا 25 يومًا بعيدين عنه. وكان يخرج مع أحمد حسنين أو مع جماعته.

رئيس المحكمة: لم تكونوا تسمعون شيئًا؟

أحمد كامل: كنا نسمع أنه يخرج ويسهر.. وذات مرة قام بحادث تصادم.

رئيس المحكمة: وتصرفاته سنة 1950؟

أحمد كامل: لم تكن جيدة.. عندما كان يقيم مثلًا في فندق، يُحجز له جناح، فكان يشترط أن يخرج النزلاء الأجانب. فكان الناس يتضررون عند خروجهم من الغرف. وكان البعض لا يقبل، فيستمر خدمه وحشمه في السخرية منهم. ثم صمم على ألا يمكث أي صحافي في الفندق.

رئيس المحكمة: أصحاب الفنادق كانوا يقبلون؟

أحمد كامل: كانوا يحاولون تنفيذ هذه الرغبة بمساعدة البوليس. وذات مرة لم يرض شخص أمريكي أن يترك الفندق، فتعقبه بعد ذلك.

رئيس المحكمة: ماذا كان السبب؟

أحمد كامل: كان يخشى أن يكون من رجال الصحافة.. ومسألة التصوير كانت تضايقه جدًا.

رئيس المحكمة: حصل شجار بينه وبين مصور؟

أحمد كامل: حصل الكثير من الشجار.

رئيس المحكمة: طيب.. احكِ لنا بعضه؟

أحمد كامل: المصورون كانوا يأتون من كل البلاد ليصوروه، فكان يحدد وقتًا للتصوير، ثم يغيره.

رئيس المحكمة: لماذا؟

أحمد كامل: كان ينام.

رئيس المحكمة: طوال الوقت؟

أحمد كامل: لأنه كان يسهر طوال الليل.

رئيس المحكمة: وفي أي ساعة يعود في الصباح؟

أحمد كامل: الساعة السادسة في بعض الأحيان.

رئيس المحكمة: كان يلعب القمار؟

أحمد كامل: نعم

رئيس المحكمة: وكل سهراته كانت للعب القمار؟

أحمد كامل: في الغالب.

رئيس المحكمة: ماذا كان يحدث؟

أحمد كامل: كان يجلس للعب طوال الليل.. وبالنهار يرافق سيدات من بنات الهوى الذين في متناول أي شخص.

رئيس المحكمة: هم من كن يذهبن له؟

أحمد كامل: عنده من يأتي بهن إليه، ومن الغريب أني لم أر سيدات محترمات معه أبدًا. وكان المنظر مشينًا عندما يجلس بـ(البنطلون الشورت) وحوله هؤلاء السيدات.

رئيس المحكمة: وهو يقهقه؟

أحمد كامل: كانت هذه القهقهة الهستيرية معروفة عنه.

رئيس المحكمة: طيب احكِ لنا شيئًا عنها.

عضو اليسار: في سويسرا مثلًا؟

أحمد كامل: عندما ذهبنا لسويسرا كان يمنع التصوير، فجاء مصور وصوره، فأمسكه البوليس السويسري، وفي القسم استطاع المصور تهريب الفيلم.. وفي وقت التحقيق قال لم أصوره، ومقاطعة لوجان تضررت من تدخل البوليس في هذه المسألة وقام إشكال، وأرسلوا مندوبًا قال إن الحكومة السويسرية لا تستطيع منع أي مصور من التصوير، فاستنكر الملك هذا الموقف من سويسرا وغادرها وذهب إلى إيطاليا.

رئيس المحكمة: ثم ماذا حدث في إيطاليا؟

أحمد كامل: كان المصورون يلجأون إلى أكشاك ويأخذون منها الصور. وحصل في بيارتز أن مصورًا صوره في ساحة الحديقة من كشك التليفون. وكان البعض يتربصون بين الأعشاب أو وراء أسوار المنازل.

رئيس المحكمة: كانوا يأخذون منه نقودًا ليمنعوا نشرها؟

أحمد كامل:  لا.. ولكن حصل هذا مرة.

رئيس المحكمة: ناريمان كانت معه سنة 1951؟

أحمد كامل: نعم.

رئيس المحكمة: كانت هذه الأشياء تحدث أمامها؟

أحمد كامل: كانت هي تجلس في العلية، ويقال له إنها ستنزل فيهرع للخروج من الموقع، وعندما تنزل يأتي له شخص من حاشيته.

رئيس المحكمة: ولم تكن تسهر في الكباريهات معه؟

أحمد كامل: كان يأخذها معه عندما يذهب.

رئيس المحكمة: ما أسباب طلاق فريدة؟

أحمد كامل: شويكار هي السبب، لأنها فتحت بيتها لحفلات فيها من جميع الأنواع، وكانت مغامرة من الدرجة الأولى.

رئيس المحكمة: كان الغرض من ذلك أن تفسده؟

أحمد كامل: سمعت أنها كانت تريد الانتقام من الملك فؤاد في شخص ابنه. وأنا أعتقد أن اندفاعه في الفساد نشأ منذ اتصاله بشويكار لأنه بعد الحفلات الساهرة كانوا يجلسون للعب حتى الصباح مع إلهامي حسين وأشخاص آخرين. ثم بدأ يلعب في نادى السيارات. وكان هذا يضايق فريدة، وكانت تتركه وتذهب.

وانتهى الأمر إلى القطيعة، واشترطت للصلح أن يخرج بوللي ومحمد حسن، فلم يقبل وتفاقم الأمر حتى وقع الطلاق.

رئيس المحكمة: ألم تأت أي سيدة إلى السراي من عشيقاته؟

أحمد كامل: هذه راقصة تركية جاءت في تاكسي، ودخلت الحرملك، واستمرت في السير الى أن وجدت نفسها في مواجهة الملكة فريدة.

رئيس المحكمة: كانت سكيرة؟

أحمد كامل: نعم، ثم طلبت الملكة فريدة البوليس، فجاء وأخذها للمستشفي باعتبار أن قواها العقلية مختلة.

رئيس المحكمة: وماذا فعلت فريدة؟

أحمد كامل: لا أدري.

رئيس المحكمة: وآني بيرييه؟

أحمد كامل: هذه مغنية فرنسية عملت في الأسكارابيه، وكنا كلنا نعرف أنها صديقة الملك، وأذكر أنها كانت تأتي إلى السراي. وبوللي كتب لها (كارت)) حتى تدخل السراي في أي وقت.

رئيس المحكمة: إلى أين تدخل؟

أحمد كامل: عنده، وهذا كان قبل زواجه.

رئيس المحكمة: أي كانت تدخل في مكتبه؟

أحمد كامل: لا في الحرملك.

رئيس المحكمة: وهو لم يكن يُحرج من هذه الأشياء؟

أحمد كامل: لا.. وهو كان يظن أن العساكر سيظنون أنها خياطة.

رئيس المحكمة: هل حصل ضرب رصاص في منترو في صحراء ألماظة؟

أحمد كامل: نعم، خرج مرة بدون حراسته، وعرفنا فيما بعد أنه كان واقفًا مع سيدات في منطقة خلوية، وبوللي كان معه. وكان هناك مجلة تصور تقريرًا عن تسكع الشبان في الصحراء ومطاردة بوليس الآداب لهم. فمن الصدف أنهم قرروا تصوير التقرير عن هذه السيارة وصوروها وهي واقفة، فضرب الملك رصاصًا في الهواء، وخرج وكسر ماكينة التصوير وحاشيته ضربوا المصور. وانتهت الحكاية.

رئيس المحكمة: هل تعرف شيئًا عن حادثة القصاصين؟

أحمد كامل: لم أكن معه.

رئيس المحكمة: ألم تسمع؟

أحمد كامل: سمعت أنه كان يستقل لوري.

رئيس المحكمة: كان بوللي معه؟

أحمد كامل: لا أدري.

رئيس المحكمة: ألم يكن معه سيدة وماتت؟

أحمد كامل: لم أسمع بذلك.

رئيس المحكمة: هل كان يعطف على الشعب بالفعل مثلما قيل في الجرائد؟

أحمد كامل: أنا أعتقد أنه كان بعيدًا عن الشعب، رغم أن بوليس القصور كان يبلغه بما يقال عنه.. مثل ألفاظ الجامعة وصوره عندما قُطعت.. وصلاة الجمعة تلاشت في الأخير نهائيًا وكذلك الحفلات الرياضية. كان يقيم للعمال حفلة في رمضان، لم يعد ينزل لهم. وانتهى لفظ العامل الأول مع الملك الصالح. والشوارع كانت تخلو من الناس عندما كان يخرج في مهمة رسمية.

المدعي: تعرف شيئًا عن حوادث مستشفى المواساة؟

أحمد كامل: كان له جناح هناك وتتردد عليه النساء، ولكنه أجرى عملية جراحية ذات مرة.

رئيس المحكمة: كان يذهب كل مرة لإجراء عمليات؟

أحمد كامل: كان يذهب لعمل جلسات كهرباء.

رئيس المحكمة: والسراي لم يكن بها كهرباء؟

أحمد كامل: بالتأكيد كان يذهب لغرض طبعًا.

رئيس المحكمة: ألم تحصل مشادة في نادي السيارات؟

أحمد كامل: سمعت أن هناك مشادة قامت بينه وبين عبد الجليل أبو سمرة من أجل اللعب.

المدعي: ألم تسمع شيئًا عن حادث قتل ممرضة في مستشفى المواساة؟

أحمد كامل: لا أدري.

المدعي: رأس الحكمة؟

أحمد كامل: لم أكن أذهب هناك.. وكان البوليس يظل بعيدًا عنه.

المدعي: هل تعلم بعض تصرفات الملك السابق في الخارج وإساءته إلى سمعة البلاد؟

أحمد كامل: كان يجلس على الشاطئ لابسًا (المايوه) والحلاق يقوم بحلاقته، وهناك من تلمع له أظافره (بالمانكير). وأثناء ذهابنا إلى دوفيل كان يسير بسرعة جنونية، فبعض السيارات تخلفت وجئنا عند بلد اسمها أوكسير فراق لمزاجه أن يحلق، وبحث عن بترو، فلم يجده. والبوليس بدأ يسأل عنه. لم يجده. وأخيرًا عرف أن هناك عربية بهذه الأوصاف وصلت دوفيل. وكانت الساعة الرابعة صباحًا.

رئيس المحكمة: وهو مصر على الحلاقة؟

أحمد كامل: كان مصرًا على ألا يدخل دوفيل قبل أن يحلق، وكانت النتيجة أن بترو عاد بالطائرة من دوفيل حتى يحلق له.

رئيس المحكمة: كان المطار صالحًا؟

أحمد كامل: حسن عاكف جيد في هذه الأشياء.

رئيس المحكمة: تعرف أنهم كانوا سيضيعون في هذه الحكاية؟

أحمد كامل: ومرة أتى بـ10 صناديق بيبسي وكولا وكرسي كابينة من مصر.

رئيس المحكمة: والفندق لا توجد به هذه الأشياء؟

أحمد كامل: المقاس لم يكن يناسبه، وكان يوزع المرطبات على الناس.

رئيس المحكمة: فاروق كان يحب الأكل؟

نعم. كان أكولًا. وكان يحب الدجاج. فكان يأكل دجاجتين في الإفطار.

رئيس المحكمة: كان حكمًا في مسابقات جمال؟

أحمد كامل: في دوفيل كان هناك مسابقة غناء، وكانت آني بيرييه مشاركة، فأنشأ لها جائزة خصيصًا، وغنت أغنية النيل.

رئيس المحكمة: ورقصة النيل من الذى رقصها؟

أحمد كامل: سامية جمال.

رئيس المحكمة: هو من طلبها؟

أحمد كامل: سمعنا أنه إلهامي حسين.

رئيس المحكمة: كانوا يأتون ببضائع معهم من الخارج؟

أحمد كامل: باستمرار.

رئيس المحكمة: مثل ماذا؟

أحمد كامل: نجف وملابس ومجوهرات.

رئيس المحكمة: وكان يخرج من هنا بأشياء؟

أحمد كامل: ما أعرفه أنه كان يخرِج سبائك ذهبية عن طريق شركة سعيدة وعن طريق الباخرة أسبيريا.

رئيس المحكمة: كان عندهم ورشة في عابدين لتسييل الذهب.

أحمد كامل: سمعت أنهم كانوا يحولون الذهب لسبائك.

رئيس المحكمة: لم يأخذ معه شيئًا وهو خارج.

أحمد كامل: لقد قال إن له حقيبتين في المنتزه، وأنه يريدهما بشكل ضروري، فذهبت وقلت للنجومى. وبعد فترة رأيت خادمًا آتيًا ومعه الحقيبتين.

رئيس المحكمة: في يديه؟

أحمد كامل: نعم

رئيس المحكمة: هذا الخادم، ما كان اسمه؟

أحمد كامل: اسمه أحمد.. وكان خادم أنطون بوللي.

رئيس المحكمة: كان عنده حرس حديدي.

أحمد كامل: لا أعلم عنه شيئًا.

رئيس المحكمة: كنت موجودًا في السراي يوم مقتل حسن البنا؟

أحمد كامل: نعم.. وعرفنا أنه ضُرب بالرصاص عند جمعية الشبان المسلمين.

رئيس المحكمة: من الذي بلغهم.

أحمد كامل: عن طريق الأقلام السياسية.

رئيس المحكمة: الملك كان سعيدًا؟

أحمد كامل: الملك كان متخوفًا من الإخوان المسلمين، وقام بمشروع تشديد الحراسة عليه، فكان يخرج معه ضباط الحراسة حتى في سيارته، ثم عاد مرة أخرى لطبعه الأول.

هذا ما قاله بالضبط الأميرلاي أحمد كامل قائد بوليس القصور الملكية عن الملك فاروق في شهادته أمام محكمة الانقلاب أثناء محاكمة فؤاد سراج الدين باشا عام 1953، ولكن تعال معي أيها القارئ العزيز في الجزء الثالث من هذه الحلقة لنحلل تلك الشهادة تحليلًا منطقيًا لنكشف الزيف الذي طال تاريخ مصر لمدة أكثر من 66 عامًا.

الهوامش

عبدالله النجومى: ضابط سوداني كان يشغل منصب قائد الحرس الملكي.

الأميرة شيوه كار: الزوجة السابقة للملك فؤاد، أي قبل زواج الملك فؤاد بالملكة نازلي.

حسن عاكف: ضابط طيار وهو من أمهر الطيارين المصريين حيث كان يتولى قيادة طائرة الملك فاروق الخاصة (الداكوتا). وهو الضابط الوحيد الذي رفض التسليم لطلبات انقلاب 23 يوليو 1952، وقد توسط إسماعيل شيرين صهر الملك فاروق لدى حسن عاكف للقبول بطلبات الانقلاب، وعندما علم حسن عاكف بتنازل الملك فاروق عن العرش وخضوعه لطلبات الانقلاب انخرط في البكاء، ونسب لحسن عاكف أنه قاوم انقلاب 23 يوليو 1952، حيث قام بمهمة غاية في الخطورة صباح يوم 23 يوليو 1952، وقد تحدث عن هذه المهمة قائد الأسراب حسن إبراهيم في حديث له بمجلة المصور يوم 8 أغسطس (آب) 1958.

فقد طار حسن عاكف بالطائرة الداكوتا من مطار النزهة بالإسكندرية يوم 23 يوليو للقاهرة لاستدعاء سرب الطائرات الملكي  الموجود بمطار ألماظة والاتجاه به إلى مطار أنشاص لمقاومة الانقلاب، وهبط حسن عاكف في مطار ألماظة الحربي قرب حظيرة السرب الملكي، وفور وصوله اتصل بضباط السرب الملكي للحضور إلى هناك، على وجه السرعة، فأبلغوه أن كردونات الجيش تقبض على الضباط، في العباسية، ومصر الجديدة، فطلب منهم تفادي هذه الكردونات أو الحضور بتاكسيات إلى مطار إمبابة ليطير إليهم بالطائرة الداكوتا، لأخذهم رغم صغر حجم المطار. وفشلت محاولات معظم ضباط السرب الملكي في الوصول إلى حسن عاكف بحظيرة السرب الملكي بمطار ألماظة. ولكن استطاع قائد الجناح مدكور أبو العز، قائد السرب الملكي الوصول صباح 23 يوليو إلى مطار ألماظة بسيارته الخاصة، وكان برفقته قائد الأسراب، فوزي الجبالي، وقائد السرب المهندس عبد الحميد محمود، واليوزباشي عبد المجيد نعمان. وعندما حاولوا الدخول من الباب الرئيسي للمطار، اعترضتهم قوة من الدبابات والمشاة وتم اعتقالهم.

ولكن تمكن بعض الضباط من الوصول، وبدأوا مع حسن عاكف، في تجهيز طائرات السرب الملكي للإقلاع بها إلى أنشاص، ولكن أنباء وصول حسن عاكف وتجهيز طائرات السرب الملكي استعددًا للإقلاع لم تلبث أن وصلت إلى أسماع قيادة الانقلاب، فأرسلوا قوة من الجيش للقبض على حسن عاكف ومنع الطائرات من الإقلاع، وبمجرد وصول جنود الجيش حيث بدأوا في إطلاق النار من أسلحتهم على الطائرات قبل إقلاعها فأصابوا طائرة ملكية ببعض الطلقات. وكان بها قائد الأسراب سعد الدين الشريف، ولكنه لم يُصب بأذى، وإزاء ذلك بادر حسن عاكف، بالقفز إلى طائرة عمودية (هليكوبتر) من طراز سيكورسكي 51 كانت رابضة بأرض المطار وحلق بها على ارتفاع بضعة أمتار من سطح الأرض لمقاومة النيران المنهالة على الطائرة، اكتسح حسن عاكف بالطائرة الهليكوبتر الجنود بهجوم مباغت عليهم؛ مما اضطرهم إلى الانبطاح والزحف إلى داخل الحظيرة. ونظرًا لإصابة الطائرة الهليكوبتر ببعض الطلقات في غطاء الماكينة اضطر حسن عاكف إلى الطيران على ارتفاع منخفض، حتى تمكن من النزول سالمًا في مطار أنشاص.

وكانت بمطار أنشاص طائرة قديمة ومتهالكة من طراز سي 46 من مخلفات الحرب العالمية الثانية، حاول عاكف إدارة محركها  ولكنه فشل، وبعد عناء شديد، ونظرًا لضخامة الطائرة؛ إذ تحتاج لأكثر من شخص لإدارة محركها، نجح عاكف في تشغيل محركها، وقبل الإقلاع بها اتصل هاتفيًا بموظفي الديوان الملكي المتواجدين بقصر عابدين، طالبًا منهم إيصاله بالسرب الملكي بألماظة، وأخبرهم أنه يتكلم من مطار فاروق (مطار القاهرة الدولي حاليًا). وليس من مطار أنشاص وذلك للتضليل خشية مطاردته بالطائرات المقاتلة التابعة للانقلابيين، وعلم الانقلابيون الذين يحاصرون قصر عابدين بذلك، وبالفعل أرسلوا قوة من الجيش إلى مطار فاروق لاعتقاله، ولكنها لم تعثر له على أثر. و بعد ذلك انطلق، حسن عاكف بالطائرة سي 46 باتجاه الصحراء الغربية، قاصدًا الإسكندرية، وهبط بنجاح بمطار الدخيلة.

يتبع مع الجزء الثالث من الحلقة الخامسة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة الخامسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد