بقية التعليق

ولم يكن المراغي هو الشخصية السياسية الوحيدة التي اتهمت الملك فاروق بالفساد، بل كان هناك مدعون آخرون زعموا بسوء سلوك الملك فاروق، واستدلوا على صحة هذه التهمة بشهادة الدكتور محمد حسين هيكل (الأديب والسياسي والوزير ورئيس حزب الأحرار الدستوريين ورئيس مجلس الشيوخ في الحقبة الأخيرة للملكية المصرية) حيث تعرض في مذكراته التي تحمل عنوان مذكرات في السياسة المصرية والتي صدر الجزء الأول منها عام 1951، ثم صدر بعد ذلك الجزء الثاني في أواخر عام 1953، لبعض تصرفات الملك فاروق والتي وصفها بالسيئة.

وبالبحث في تلك المذكرات اتضح لنا أن الدكتور محمد حسنين هيكل كتب مذكراته التي تحمل عنوان مذكرات في السياسة المصرية في ثلاثة أجزاء، نشر الجزء الأول منها في عام 1951، ونشر الجزء الثاني في نهاية عام 1953، أما الجزء الثالث فلم ينشر في حياته، وقيل إن ابن الدكتور هيكل قام بنشره بعد وفاة أبيه.

يسرد الدكتور هيكل في الجزء الأول من مذكراته بعض الأحداث التى عاصرها من سنة 1912 حتى سنة 1936، أي قبل وأثناء حكم الملك فؤاد، أما الجزء الثاني من تلك المذكرات يتعرض فيها الدكتور هيكل لبعض الوقائع التي وقعت من عام 1936 حتى عام 1952، أي أثناء حكم الملك فاروق.

وقال الدكتور هيكل في مقدمة الجزء الثاني من مذكراته هذه أنه كتب الجزء الثاني منها في 10 فصول، وكتب التسعة فصول الأولى منه في النصف الثاني من عام 1951 حتى يناير (كانون الثاني) عام 1952، أي أثناء حكم الملك فاروق، ثم بدأ في كتابة الفصل العاشر منه في أغسطس (آب) 1953 أي بعد انقلاب 23 يوليو (تموز) عام 1952، وأيضًا بعد سقوط الملكية وإعلان الجمهورية حيث سقطت الملكية وأعلنت الجمهورية في 18 يونيو (حزيران) عام 1953، وانتهى الدكتور هيكل من كتابة هذا الجزء (الجرء الثاني من مذكراته) أواخر عام 1953.

وبالبحث في الجزء الثاني اتضح لنا أن الدكتور هيكل أشاد بالملك فاروق في بعض المواضع التي وردت بالتسعة فصول الأولى، بالرغم من تعرض التسعة فصول الأولى من الجزء الثاني لشبهة الحذف والإضافة بما يتفق وسياسة نظام انقلاب 23 يوليو عام 1952 (وسوف نوضح ذلك بالأدلة لاحقًا).. إذ تم طباعة الجزء الثاني كله (العشرة فصول) بنهاية عام 1953، أي بعد سقوط الملكية).. لكن في الفصل العاشر الذى كتبه بعد انقلاب 23 يوليو 1952 كما يقول الدكتور هيكل بنفسه نجد أنه تحول للأسف إلى شخص غير أمين حيث وصف الملك فاروق بصفات الفاسد والمستهتر والسيئ وغيرها بدون أدلة وأسانيد وافية (وسوف نوصح هذا الموضوع في موضعه أيضًا). وهذا الأمر يدل على تذبذب الدكتور محمد حسين هيكل في كتابة مذكراته وشهادته للتاريخ. وبالتالي لا تصلح مذكراته بأن تكون مرجعًا تاريخيًا يستند إليه لدراسة تاريخ مصر، أو أن تكون شهادته دليلًا على صحة ما يدعيه.

وقد يرجع السبب في شهادة الدكتور هيكل المشوهه لفترة هامة من تاريخ مصر، وهي فترة حكم الملك فاروق إلى ثلاثة احتمالات: الأول أن يكون الدكتور هيكل تعرض لضغوط من قبل ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 لأجل الطعن في شخصية الملك فاروق وعصره، وأن تصدر تلك المذكرات بهذا الشكل المشوه، والاحتمال الثاني بأن يكون الدكتور هيكل قد خشي من أن يتعرض لأذى من قبل ضباط 23 يوليو 1952 إذا قال الحقيقة وشهد بالعدل، والاحتمال الثالث وهو الراجح بأن يكون الدكتور هيكل سييء النية ويريد التملق ونفاق نظام 23 يوليو 1952 من أجل مكاسب ومغانم كان يتطلع إليها، وخاصة بعد زيارته بصحبة بعض السياسيين للؤاء محمد نجيب وتأييدهم للانقلاب، ولكن في نهاية المطاف أيقن الدكتور هيكل بأن قادة الانقلاب قد غدروا به، ولم يمنحوه ما كان يتطلع إليه، خاصة بعد تقديم بعض السياسيين للمحاكمة، ومنهم من كانوا ضمن الوفد الذي اصطحبه الدكتور هيكل معه للذهاب لمقابلة اللواء محمد نجيب من أجل تأييدهم للانقلاب وقائده.

ولتوضيح ذلك نعرض ما يلي

يقول الدكتور محمد حسين هيكل في مقدمة الجزء التاني من مذكراته (مذكرات في السياسة المصرية) ص17، ص18، ص23، ص24 طبعة دار المعارف عام 1977: كتبت الفصول التسعة الأولى من هذا الجزء في النصف الثاني من سنة 1951، وفي الشهر الأول من سنة 1952، أي في عهد الملك فاروق – أما الفصل العاشر وهو الأخير فكتب في أغسطس (آب) 1953 أى بعد 18 شهرًا من كتابة الفصول التى سبقته، ويرجع ذلك إلى أكثر من سبب، فقد توالت الحوادث سريعًا منذ الشهر الأول من سنة 1952 وجرفني تيارها على نحو لم يدع فرصة للكتابة، فلما كنا في شهر يوليو 1952 حدث الانقلاب العسكرى الذي أدى إلى تنازل الملك السابق فاروق عن العرش لولده الطفل أحمد فؤاد، وقد عدت يومئذ من مصيفي بلبنان أحضر حوادث هذا الانقلاب على أنني ما لبثت حين رأيت سير الحوادث أن قدرت أن بقائي على مسرحها لا ضرورة له، فعدت إلى مصيفي. ثم سافرت إلى أوروبا أحضر المؤتمر البرلماني الدولي الذي انعقد في (برن) عاصمة سويسرا، وذهبت من (برن) إلى باريس لأعود منها إلى مصر، فإذا مسرح الحوادث بالقاهرة يتغير منظره، إذ يتولى اللؤاء أركان حرب محمد نجب قائد القوات المسلحة في مصر رياسة الوزراء خلفًا لعلي (باشا) ماهر، وإذ يعتقل عدد من المدنيين بينهم جماعة من ساسة العهد الذي سبق الانقلاب، عند ذلك آثرت أن أقف من الحوادث موقف النظارة مع رجاء التوفيق للذين تولوا الحكم.

عدت إلى مصر بعد أسبوع من هذا الانقلاب الجديد، ولأنني أفكر في استئناف الكتابة، وإتمام الجزء الثاني؛ إذ دعتني حكومة الهند لأسافر إلى عاصمتها (نيودلهي) لأشترك في ندوة تعقد هناك بين 5 و17 يناير 1953 للبحث فيما كان لتعاليم المهاتما غاندي ووسائله في تنفيذها من أثر في إقرار السلام وفض المنازعات بين الشعوب، وتركت الهند عائدًا إلى مصر في الثالث من فبراير 1953، فمررت ببغداد، ثم بلغت القاهرة في الثامن من فبراير (شباط) 1953. وما كدت أتم كتابة فصل (غاندي والسلام) وأبعث به إلى وزارة المعارف بالهند إجابة لطلبها حتى دعيت إلى (حلب) ألقي بها محاضرة عن (الحركات الفكرية وآثارها في حياة الأمم) وقضيت بحلب ودمشق الأسبوع الأخير من أبريل (نيسان)، وعدت إلى مصر في الثالث من مايو (أيار)، وفى هذه الأثناء بدأت محادثات بين مصر وإنجلترا لإتمام الجلاء عن منطقة قناة السويس، وجدت تطورًا جديدًا في الوضع الوزاري، إذ عدلت الوزارة واشترك فيها بعض الضباط الأحرار الذين قاموا بحركة الانقلاب في 23 يوليو سنة 1952، وبعد قليل ألغي النظام الملكي وأعلنت الجمهورية وأعلن اللواء محمد نجيب رئيسًا لها.

لم تدع لي هذه الأطوار المتعاقبة في حياة مصر وحياتي فرصة لإتمام كتابة هذا الجزء الثاني فلما اعتزمت الاصطياف في بور سعيد على رأس منطقة قناة السويس، قدرت أن ما سيحيطني في مصيفي من شبه عزلة ستتيح لي فرصة للعودة للكتابة. عند ذلك دفعت الفصول الثمانية الأول من الكتاب إلى (مطبعة مصر) كي لا أرتبط بإتمام ما تبقى منه، وراجعت الفصل التاسع أول ما استقررت في مصيفي وفكرت في تصوير الفصل العاشر.

ولولا الحوادث التي وقعت في مصر وأدت إلى الانقلاب العسكري الذى أكره الملك السابق فاروق على التنازل عن العرش لجعلت الفصل العاشر خاتمة لهذا الجزء الثاني ولاكتفيت فيه بالتماس العبرة؛ مما حدث قبل الحرب العالمية الثانية، وفي أثنائها وفي أعقابها، وأوجدت في ذلك مادة علمية لفصل ممتع.

هذا بعض ما كتبه الدكتور هيكل في مقدمة الجزء الثاني من مذكراته، ولكن قبل أن نعلق على موضوع اتهام دكتور هيكل للملك فاروق بسوء السلوك نود أن نعرض ونعلق (أولًا): على الشبهة التى طالت التسع فصول الأولى من الجزء التاني من مذكراته. فعلى الرغم من تسليمنا بأن التسعة فصول الأولى من الجزء الثاني لمذكرات هيكل قد كتبت قبل انقلاب 23 يوليو 1952 كما زعم الدكتور هيكل مع تأكيده بأنها تم طباعتها ونشرها بعد سقوط الملكية، وبالرغم من إنكاره الشديد بأنها لم يتم تعديلها أو تغييرها بالحذف أو الإضافة أو تغيير معاني العبارات، إلا أننا نرى أنها تم التلاعب (بالحذف أو الإضافة أو تغيير معنى ومقصود العبارات) في بعض المواضع التي حوتها التسعة فصول الأولى من الجزء الثاني من مذكراته بما يتفق مع سياسة انقلاب 23 يوليو 1952 بإدانة العصر الملكي، والدليل على ذلك تلك الفقرة من الفصل الرابع (الوزارتان الأخيرتان) من الجزء الثاني ص 119، وهي كالتالي:

وكان في مقدمة ما عرض على مجلس الوزراء بعد هذا التعديل بأسابيع قليلة إطلاق اسم المغفور له الملك فؤاد على جميع المنشأت العامة التى أنشئت في عهده وأبدى الوزراء جميعًا الارتياح لهذا الاقتراح والاغتباط به، والحق أنه أسندت إلى الملك فؤاد رياسة إدارتها منذ 1907 حين كان أميرًا، وحين كانت هذه الجامعة أهلية وكانت تحارب من اللورد كرومر المعتمد البريطانى، فلما جلس فؤاد على عرش مصر صارت هذه الجامعة حكومية في سنة 1925، وضمت لها المدارس العليا، فصارت كليات جامعية اختير لها كبار الأساتذة في أوروبا من نهضوا بعبء تنظيمها تنظيمًا جامعيًا صحيحيًا ومن الهيئات التى ساهم الأمير فؤاد في شئونها، ثم اهتم بأمرها بعد ارتقى العرش جمعيات كثيرة ذات منفعة عامة كجمعية الخلال الأحمر، وجمعية الإسعاف، وجمعية الاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع وغيرها وغيرها.

واستجابة للاقتراح الذي عرضه رئيس الوزراء أطلق اسم الملك فؤاد الأول على هذه الهيئات كلها فأصبحت الجامعة المصرية جامعة فؤاد الأول وأصبح مجمع اللغة العربية مجمع فؤاد الأول للغة العربية وهلم جرًا، وقد فهمت من اللحظة الأولى أن هذا الاقتراح يثلج صدر الملك فاروق ويزيده تأييدًا للوزارة ومعاونة لها في تنفيذ خطتها ورحبت يومئذ بالاقتراح كما رحب به سائر زملائي، ولم يمر بخاطري ما كتبته من قبل نقدا للفرنسيين؛ لأنهم غيروا أسماء بعض الشوارع في باريس بعد الحرب العالمية الأولى فمحوا كل اسم ألماني أو يمت بالألمان بصلة، على حين ترك الألمان اسم (ميدان باريس) علمًا على أبهى ميدان في برلين وأعظمه.، والواقع أن مثل هذا المحو والتغيير لا خير فيه لأنه كثيرًا ما يفسد أبحاث المؤرخ بعد مضى الأجيال كما يضر بالمعاملات بين الناس، لكن هذه المنشأت التي نسبت للملك فؤاد كانت حديثة العهد من ناحية فلم يكن هذا التغيير يضر بها، كما أن ما حدث لم يغير من أسمائها، إلا أن أضيفت اسم الملك فؤاد إليها.

صحيح أن الجامعات تنسب في غير مصر إلى المدن التى تقوم فيها فيقال جامعة باريس، جامعة لندن، جامعة أكسفورد أو جامعة شيكاغو، لكن اهتمام الملك فؤاد في إنشاء جامعة القاهرة كان عظيمًا، فلم تزد نسبتها إليه على أنها اعتراف بالجميل أقره مجلس الوزراء بعد وفاة صاحب الفضل.

وقد أدى إطلاق اسم الملك فؤاد على جامعة القاهرة إلى نتيجة لم يكن مفر منها، فقد اقترحت أنا على مجلس الوزراء بعد أسابيع من ذلك إنشاء كلية الحقوق، وأخرى للآداب بالأسكندرية، تكونان نواة لجامعة تقوم في تلك المدينة، وتعيد إلى الأذهان ما كان لها من مجد عالمي كريم بعد أن أنشأها إسكندر المقدوني بزمن طويل، فكان طبيعيًا أن تطلق اسم الملك فاروق عليها كفالة النجاح في إنشائها، وصح تقديري، فلم ألبث حين اقترحت الأمر على مجلس الوزراء أن وافق عليه.

فلما أنشئت جامعات أخرى بعد ذلك في أسيوط وفي غيرها من المدن أطلقت عليها أسماء رجال الأسرة العلوية، فكانت إحداها جامعة محمد على والأخرى جامعة إبراهيم، وأصبح من غير الميسور لإنسان أن يعرف مقر أي من هذه الجامعات حين يذكروا اسمها كما كان يعرفه لو أنها نسبت للبلد الذي تقوم فيه.

فتلك الفقرة السابقة كتبها الدكتور هيكل في الفصل الرابع، أي ضمن الفصول التسعة من الجزء الثاني التي ادعى الدكتور هيكل أنه كتبها قبل انقلاب 23 يوليو 1952. وتبدو للقارىء من الوهلة الأولى أنها تمجد كلًا من الملك فؤاد والملك فاروق، ولكن الحقيقة أنها تنتقد العصر الملكي، وهذا النقد بما يساير أفكار انقلاب 23 يوليو 1952، بما يدل أن هذه الفقرة وغيرها وربما التسعة فصول الأولى من الجزء الثاني من مذكراته لم يكتبوا قبل انقلاب 23 يوليو 1952، بل بعده. أو على الأقل تم تغيير المعنى بالحذف والإضافة لبعض العبارات، أو تحريف المقصود في بعض الجمل بما تتفق وسياسة نظام انقلاب 23 يوليو 1952. والدليل على ذلك أن الدكتور هيكل ذكر اسم جامعة الملك فؤاد الأول مقترنًا باسم جامعة القاهرة، واسم جامعة فاروق بجامعة الإسكندرية، واسم جامعة محمد على بجامعة أسيوط، فأسماء جامعات القاهرة والإسكندرية وأسيوط لم تكن موجودة قبل سقوط الملكية في 18 يونيو 1953. كما أن طرح مسألة تغيير أسماء تلك الجامعات وإبدالها بأسماء المدن التي أنشئت فيها، فلم يكن هذا الاقتراح موجودًا قبل سقوط الملكية، بل ظهر بعد انقلاب 23 يوليو 1952. وليس بالمستغرب أن يشيد الدكتور هيكل اقتران اسم الجامعة المصرية باسم جامعة الملك فؤاد وجامعة الإسكندرية باسم جامعة الملك فاروق وجامعة أسيوط باسم جامعة محمد علي، ففي هذا الصدد، فإن الدكتور هيكل يدافع عن أعماله وأعمال الوزارة التي كان فيها يشغل منصب وزير للمعارف، وليس كما هو ظاهر من الفقرة السابقة بأنه يدافع عن أعمال الملك فؤاد والملك فاروق.

لكن  الفصل العاشر والأخير من الجزء الثاني من مذكرات الدكتور هيكل والذي كتبه بعد سقوط الملكية فإنه يختلف اختلافًا كليًا وجزئيًا عن الفصول التسعة الأولى التى سبقته، فقد تأثر الدكتور هيكل تأثيرًا مباشر فيما كتبه في هذا الفصل بمطاعن انقلاب 23 يوليو 1952 ضد العصر الملكي، فقد حوى هذا الفصل كل التهم التي طالت الملك فاروق وعصره، والتي تم تداولها في الصحف والإذاعة وبالشائعات التي تم ترويجها بين الناس بعد انقلاب 23 يوليو 1952.

وبالبحث في تلك التهم التي ألصقها الدكتور هيكل بالملك فاروق والعصر الملكي، فنجد أنه تم اقتباسها من الشهادات التي نطق بها بعض السياسيين والأفراد ضد الملك فاروق والعصر الملكي أثناء محاكمة بعض السياسيين والمدنيين في المحاكمات الاستثنائية التي أنشأها انقلاب 23 يوليو، وهو ما سوف نقوم بعرضه والرد عليه بالمقال القادم إن شاء الله.

يتبع مع الجزء الخامس من الحلقة الخامسة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة الخامسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات