يقول المراغي:

وفي 30 أكتوبر 1937 عين علي ماهر رئيسًا للديوان الملكي.

وكان علي ماهر يشغل هذا المنصب سنة 1935 في عهد الملك فؤاد وظل يشغله إلى أن تولى الوزارة سنة 1936 وبقي منصب رئيس الديوان شاغرًا طيلة هذه المدة إلى أن أعيد تعيين علي ماهر فيه.

إلا أن هذا التعين جاء على غير رغبة وزارة مصطفي النحاس التى رأت فيه اعتداء عليها لأنه تم بغير استشارتها وقد اعترضت عليه ثم أذعنت.

وفي خلال الفترة التي أعقبت ذلك تفاقمت الخلافات بين الوزارة والقصر إلى أن وجه الملك فاروق خطاب الاستقالة الشهير إلى مصطفى النحاس والذى وصفه السفير البريطاني في ذلك الوقت بأنه لم يقرأ خطابًا أسوأ منه.

إقالة مصطفى النحاس

في 30 ديسمبر (كانون الأول) 1937 أقيلت وزارة النحاس بموجب خطاب من الملك كان كاتبه هو مستشاره السياسي في القصر علي ماهر عدو الوفد الكبير والذي اعترض الوفد على تعيينه رئيسًا للديوان.. وكان نص الخطاب:

عزيزي مصطفى النحاس باشا

نظرًا لما اجتمع لدينا من الأدلة على أن شعبنا لم يؤيد طريقة الوزارة في الحكم وأنه يأخذ عليها مجافاتها لروح الدستور. وبعدها عن احترام الحريات العامة وحمايتها، وتعذر إيجاد سبيل لإصلاح الأمور على يد الوزارة التي ترأسونها، لم يكن بد من إقالتها تمهيدًا لإقامة حكم صالح يقوم على تعرف رأي الأمة لتستقر به السكينة والصفاء في البلاد ويوجه سياستها خير وجه في الظروف الدقيقية التي تجتازها ويحقق آمالنا العظيمة في رقيها وعزتها. وإني أشكر لمقامكم الرفيع ولحضرات زملائكم ما تم على أيديكم من الخير للبلاد وأصدرنا أمرنا هذا لمقامكم الرفيع بذلك.

ولم يكن فاروق عندما وقع الخطاب قد بلغ الثامنة عشرة من عمره.

وهكذا.. في تلك السن، وبهذا الأسلوب الغريب تمت إقالة رئيس الوزراء التي جاءت بانتخابات الشعب. في هذه السن الصغيرة أيضا وقع الملك قرارًا آخر بحل مجلس النواب. وجرت انتخابات حصل فيها حزب الوفد على 12 مقعدًا فقط من 264 مقعدًا أي بنسبة 4.5% فقط.

وإذا كنت أستعيد ذلك لأبين إلى أي حد تمت الاستهانة بكل مقدسات مصر أمام ملك صغير لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة بعد، وهكذا كانت البداية التي كان لا بد أن تنتهي إلى ما انتهت إليه.

التعليق

تبدو ملاحظتنا الأولى في الفقرة السابقة أنه عندما يقرأ أي خبير متخصص في العلوم السياسية خطاب إقالة وزارة مصطفى النحاس 1936 – 1937. لا يجد به أي إساءة أو إهانة بل أسلوبه راقٍ ومتحضر أما تعليق السفير البريطاني كليرن على هذا الخطاب بأنه سيئ ومهين. فإن هذا التعليق ورد في مذكرات اللورد كليرن بعد تركه العمل في الخارجية البريطانية. ولم يرد في المخاطبات بين السفير البريطاني والخارجية البريطانية أثناء عمل السفير في السفارة البريطانية بالقاهرة وقت حدوث إقالة وزارة مصطفى النحاس باشا كما هو ثابت في وثائق الخارجية البريطانية فقد كان السفير البريطاني وقتها يقضي إجازة مع عائلته في بريطانيا.

والجدير بالذكر أن اللورد كليرن كان يبغض الملك فاروق. لأن الملك فاروق قد تسبب في إبعاده من مصر. كما أن الملك فاروق كان يبغضه لأنه كثيرًا ما كان يتدخل في الشؤون الداخلية المصرية. لذلك عندما كتب اللورد كليرن مذكراته (ذكرياته) عام 1972 بعد خروجه من السلك الدبلوماسي البريطاني تحامل فيها على سياسة الملك فاروق كما جاءت متناقضة في الكثير من أحداثها مع وثائق الخارجية البريطانية. وكان اللورد كليرن وهو سفير بريطانيا في مصر قد وصل مصر يوم 7 يناير (كانون الثاني) 1934 باسم السير مايلز لامبسون مندوبًا ساميًا لبلاده وبعد توقيع معاهدة 1936 أصبح سفيرًا وكان يجب أن ينقل مصر ليبدأ عهد جديد في العلاقات المصرية البريطانية ولكن كليرن استمر بعقلية المندوب السامي أي أنه يعارض أي حكومة ليس له يد في تعيينها. ومكث اللورد كليرن في مصرلمدة 14 عامًا.  وكان أنتوني إيدن وزير الخارجية في ذلك الوقت يؤيد كليرن على طول الخط.

أما الأسباب التي جعلت الملك فاروق يقدم على إقالة وزارة مصطفى النحاس باشا فهي التعدي على حقوق القصر الدستورية وكثرة الخلافات بين أعضاء الحكومة وخاصة بين مصطفى النحاس متضامنًا مع مكرم عبيد من ناحية وبين أحمد ماهر متضامنًا مع محمود فهمي النقراشي من ناحية أخرى. وهذه الخلافات في حالة استفحالها قد تؤثر على عمل الحكومة بالسلب مما يعرض مصالح البلاد للخطر. وينص الدستور أنه في حالة تعرض البلاد للخطر يجوز للملك إقالة الحكومة وحل  البرلمان.

ويصف الأستاذ محسن محمد تلك الخلافات في كتابه (سنة  من عمر مصر) إصدار دار المعارف عام 1982بالآتي:

بدأت الخلافات بين النقراشي والنحاس عندما اختير النقراشي عضوًا في الوفد الذي أجرى مفاوضات معاهدة عام 1936 ويعود وزيرًا للمواصلات مرة أخرى في وزارة النحاس التي شكلت يوم 9 مايو (أيار) عام 1936.

وتزداد الأمور سوءًا لأن النقراشي اختلف مع مكرم عبيد أيضًا ويتوقع الجميع حدوث انشقاق في الوفد. ويزور الأمير محمد علي الوصي على العرش يوم 15 سبتمبر (أيلول) 1936 دافيد كيللي القائم بأعمال السفير البريطاني ويقول له:

إن وجهة النظر القائلة بأن أحمد ماهر والنقراشي قد ينفصلان عن النحاس ومكرم ويبدآن معارضة في الوفد ترجع إلى أنهما الرجلين القويين في الحزب القادران على التصدي للزعماء الراسخين ولكن الاعتقاد العام أنه ليس من المحتمل حدوث الانشقاق إن ماهر والنقراشي من أصل متواضع، ولكنهما يعاملان إخوانهما بغطرسة وادعاء.

وسلوك أحمد ماهر –رئيس مجلس النواب– وقح تجاه النواب، ولا يبالي بترحيبهم، والنقراشي مثله في افتقاره للياقة، ونتيجة لذلك أصبح معظم زملاؤهما الآن ضدهما.

أما مكرم فعلى العكس. إنه بالغ التهذيب مع الناس من كل الطبقات وأنا -أي الوصي على العرش- مع الاعتقاد السائد بأن أحمد ماهر والنقراشي لن يكونا في مركز يسمح لهما بمعارضة النحاس ومكرم بصورة ناجحة.

وهناك سبب لخوف النحاس ومكرم من أحمد ماهر وهو الاعتقاد بأنه ما زال على اتصال بعملائه الإرهابيين السابقين.

رد دافيد كيللي قائلا: إن النحاس ومكرم كانا تحت حراسة جيدة قبل سفرهما إلى أوروبا خوفا من محاولة قتلهما من جانب عملاء أحمد ماهر.

قال الأمير محمد علي: النحاس ومكرم يريدان حكم البلاد ويرفضان الاستماع إلى أحد. إن الحكومة البريطانية عندما عقدت معاهدة مع مصر لم تكن تعتزم تسليم البلاد إلى مكرم والنحاس.

والآن نتيجة للمعاهدة سيستبدل الأكفاء في الوظائف بمحسوبي الوفد ويمتلئ البوليس بالعملاء الوفديين ويصبح تحت سيطرة الوفد الكاملة. وبقي النقراشي في الوزارة 5 شهور أخرى. ثم بدأ الانقسام يطفو مرة أخرى على السطح وتتابع برقيات السفير البريطاني السير مايلز لامبسون إلى لندن تصف تطورات الخلاف بين النقراشي والنحاس وتمرد النقراشي على النحاس.

في 16 فبراير عام 1937 كتب السير مايلز لامبسون في برقيته رقم 209 إلى لندن:

فقد النحاس بعض شعبيته، إن زوجته القروية الشابة جاهلة بحياة الوزراء ورغباتها جعلت النحاس يبدو مضحكًا. إنها -أي قرينة النحاس- تتصل بالوزراء مباشرة لترقية وتعيين أقاربها.

وقد أبلغني الوصي على العرش -بعد وفاة الملك فؤاد- أن النحاس أرغمه -في أغسطس (آب) 1936- على توزيع (850) لقبًا ووسامًا على أنصار الوفد وقد أدى هذا لخيبة أمل.

وفي 19 مارس (آذار) قالت برقية السير لامبسون رقم 343: إن رئيس الوزراء -النحاس- يحقق آمال أتباعه الذين عينهم في مناصب حساسة والنحاس وزملاؤه -باستثناء ماهر والنقراشي- تنقصهم الكفاءة الإدارية.

سافر النحاس إلى مونتريه ليوقع اتفاق إلغاء الامتيازات الأجنبية. ويكتب لامبسون إلى لندن يوم 9 يونيو (حزيران): على النحاس أن يواجه بعد عودته المنشقين في حزبه وبالذات النقراشي، والنحاس مستعد لإبقائه في الوزارة إذا أسقط سياسته الوضيعة بمقاطعة الإنجليز.

ويرى النحاس أنه إذا لم يسيطر على النقراشي فإن سياسة التعاون مع الإنجليز ستخرب، والنحاس ليس مستعدا لهذه المغامرة.

وفي يوم 16 يونيو يكتب السير مايلز لامبسون: أبلغني أمين عثمان باشا أنه في الوقت الذي لا يصمم فيه النحاس باشا على إخراج النقراشي من الوزارة فإنه قد يضطر إلى ذلك.

ما لم يغير النقراشي باشا موقفه المعطل والمعادي للبريطانيين.

ويبدو  أن النقراشي باشا مصمم على إبعاد كل الموظفين البريطانيين في إدارته وغيرها من الإدارات والقضاء على كل النفوذ البريطاني حيثما وجد. باختصار النقراشي معادٍ للبريطانيين في مشاعره بصورة جوهرية. أما النحاس باشا فقد جعل التعاون الإنجليزي-المصري بمثابة حجر الزاوية في كل سياسته.

وهكذا كان النحاس مهتمًا للغاية بالتعاون بكافة الطرق مع حكومة صاحب الجلالة وما لم يكن النقراشي باشا مستعدًا لأن ينتظم في الخط. فسيكون عليه أن يمضي.

قلت لأمين عثمان باشا: ليس فيما سبق شيء يمكنني أن أعترض عليه. ومعنى ذلك أن أمين عثمان يبلغ السفير البريطاني أن النقراشي ضد الموظفين الإنجليز في الحكومة. وفي وزارة المواصلات بالذات ويريد إخراجهم جميعا ولذلك فإن النقراشي هو الوزير الذي يجب أن يخرج. ويوافق السفير البريطاني على ذلك. بطبيعة الحال.

وفي 26 يوليو (تموز) يرى السفير البريطاني أن النقراشي سيترك الوزارة بعد أن هدد -مرتين- بالاستقالة.

ويقول السفير في برقيته إلى لندن: «أظهر النحاس صفات التعقل السياسي فهو مؤمن بالتعاون المصري البريطاني الكامل وأثبت دليلا على ذلك في مفاوضات مونتريه. وظهر تصميم النحاس على التعاون. بكل قلبه. في نيته التخلص من النقراشي الذي أظهر رغبة محمومة في التخلص من كل إنجليزي يعمل في خدمة الحكومة المصرية. وأبلغني النحاس بطريقة سرية أنه بعد موافقة الملك فاروق سيحدث تعديلا وزاريا يسقط به النقراشي وآخرين من الوزارة».

ويكتب السفير إلى أنتوني إيدن وزير الخارجية البريطاني: النقراشي ينتقد زعامة النحاس منذ فترة طويلة وقد اختلف النقراشي مع مكرم مما جعل الأمور تزداد سوءا.

ويقدم النحاس استقالة الوزارة كلها إلى الملك فاروق يوم 31 يوليو (تموز) 1937 فيعهد إليه بتشكيل الوزارة مرة أخرى فيؤلفها خلال 3 أيام بعد تعديلها.

أخرج النحاس من الوزراء أولهم النقراشي بعد أن أمضى في الوزارة 15 شهرا، تولى خلالها منصب وزير المواصلات 3 مرات. وقيل ونشر الكثير عن أسباب الخلاف بين النحاس والنقراشي. فالنحاس بعد وفاة أعدى أعدائه -وهو الملك فؤاد- وبعد توقيع المعاهدة وإلغاء الامتيازات وجد أن من حقه «أن يتسامى ويتكبر على زملائه القدامى في الوفد، فأطلقوا ألسنتهم في انتقاده».

وقيل إن زواج النحاس غير المتكافئ من شابة تصغره بثلاثين عامًا تقريبًا جعلها تعين أقاربها في مناصب هامة. وسبب أخير وهو نفوذ مكرم عبيد وسيطرته على النحاس.

قال  لى الكاتب الصحفي مصطفي أمين: عين توفيق نسيم باشا عام 1935 أبناء شقيقة النحاس موظفين في البرلمان والبرلمان لا يتقيد باللوائح المالية للدولة ومن ثم يستطيع منح، غير المؤهلين، مرتبات عالية ورأت قرينة النحاس تعيين أشقائها وأقاربها أيضا.

ومن البرلمان انتقلت الاستثناءات لوظائف الدولة. ومن أشقاء قرينة النحاس إلى أقارب زوجات الوزراء. واحتج محمود فهمي النقراشي داخل مجلس الوزراء فقال النحاس: إن سعد زغلول أعطى استثناءات للوفديين وأراد تعيين أقاربه، وقال إنه كان يتمنى أن تكون الحكومة كلها (زغلولية).

رد النقراشي: سعد زغلول أراد تعويض ثوار عام 1919. الذين سجنوا، والذين حرموا من التعليم أو منعوا من استكمال دراستهم، بسبب الاعتقالات والمحاكمات، أما تعيين أقارب الوزراء وأقارب زوجات الوزراء فلا أوافق عليه.

وكانت هذه هي البداية.

وكانت هذه بداية الخلاف والاضطراب في الحزب الحاكم (الوفد) مما قد ينعكس أثره على إدارة البلاد بالتذبذب فتتعرض مصالح العباد للخطر. وهنا لا بد أن يتدخل الملك لما تمليه عليه نصوص الدستور.

الهوامش

أمين عثمان: كان يشغل السكرتير العام للوفد المصري أثناء المباحثات الخاصة بمعاهدة 1936، وعين وزيرًا للمالية عام 1943 في حكومة الوفد التي شكلت يوم 4 فبراير 1942 بدلًا من مكرم عبيد الذي تم فصله من حزب الوفد عام 1943. وفي 5 يناير (كانون الثاني) عام 1946 أقدم الشاب الثائر حسين توفيق على اغتيال أمين عثمان بسبب اعتراض حسين توفيق على مقولة أمين عثمان بأن العلاقة بين مصر وإنجلترا مثل الزواج الكاثوليكي.

زينب الوكيل: زوجة مصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد. فقد تزوج الزعيم مصطفى النحاس بالسيدة زينب الوكيل عام 1935.. وتوفي الزعيم مصطفى النحاس باشا عام 1965، أما السيدة زينب الوكيل فقد توفيت إلى رحمة الله عام 1967.

محمد توفيق نسيم: رئيس الوزراء للحكومة الملكية المصرية التى شكلت يوم 14/11/1934.

يتبع مع الجزء الثالث من الحلقة السادسة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة السادسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد