باقي التعليق

كتب الأستاذ «عبد الرحمن الرافعي» في الجزء الثاني من كتابه «في أعقاب الثورة المصرية»: «كان النقراشي دعامة كبرى من دعائم الوفد، وحجة النحاس في إخراجه؛ إنه كان كثير المعارضة داخل الوزارة، وأن سير العمل يقتضي تجانسًا، وكان النقراشي يعارض في تصرفات تمس سمعة الحكم وسلامته، فعارض في الاستثناءات والمحسوبيات، وكان على حق في هذه المعارضة، والنحاس بعد زواجه وعقد معاهدة 1936 تساهل فيما تقتضيه النزاهة والاستقامة، وقد عارض النقراشي في تنفيذ مشروع توليد الكهرباء من خزان أسوان بالطريقة التي ارتآها النحاس».

 

طلب «النحاس» من الوزراء – في مجلس الوزراء – الموافقة على المشروع دون دراسة كافية، وأن يقرروا إعطاءه لشركة الكهرباء الإنجليزية، دون عرضه على خبراء عالميين، ودون طرحه في مناقصة؛ فاعترض «النقراشي»، و«محمود غالب» وزير الحقانية، و«محمد صفوت» وزير الأوقاف، وطلبوا التريث، واستيفاء الدراسة، وطرح المشروع في مناقصة عالمية، وعرض الموضوع على البرلمان قبل الاتفاق.

وإخراج «النقراشي» كان نقطة التحول في سياسة الوفد؛ فأخذ يسلك سبيلًا لا يتفق مع الروح القومية، ولا مع الاستقامة والنزاهة.

يقول الدكتور «محمد حسنين هيكل» باشا في مذكراته: «إن بعض الشركات العالمية عرضت استنباط الكهرباء من مساقط المياه بخزان أسوان، بمبلغ 5 ملايين جنيه، في حين طلبت الشركة الإنجليزية 7.200.000 ومن هنا كان تمسك النقراشي وزملائه بضرورة طرح العملية في مناقصة، وتمسك الوزراء الآخرون بالشركة الإنجليزية، بحجة أن لهذه الشركة سرًا فنيًّا لا يمكن إفشاؤه، وهذا السر يبيح للحكومة المصرية التجاوز عن المناقصة إلى الممارسة».

وخطب «النحاس» في 30 أغسطس (آب) 1937 بالإسكندرية، فشرح الخلافات المتكررة في مجلس الوزراء بين «النقراشي» من ناحية و«مكرم عبيد» من ناحية أخرى، فقال: «رأيت إخراج النقراشي برضائه مع الاحتفاظ بوفديته».

عرض «النحاس» على «النقراشي» أن يكون عضوًا في مجلس إدارة شركة قناة السويس بمرتب 5000 جنيه سنويًّا، وهو مرتب ضخم في ذلك الوقت، ورأى السفير البريطاني في هذا العرض (ضربة معلم) من «النحاس»، إذا قبل «النقراشي» الوظيفة والمرتب الضخم؛ فإنه يتحول من سياسي إلى رجل أعمال يلتزم الصمت، خوفًا على مصالحه.

ويستفسر السفير البريطاني يوم 7 أغسطس من «أمين عثمان» الذي يقول: «إن النقراشي لا يريد الربط بين خروجه من الوزارة وقبول عضوية مجلس إدارة قناة السويس، النقراشي يريد أن تمر فترة يقبل بعدها المنصب».

ويقول «أمين عثمان» للسفير: «النقراشي قال للنحاس إنه لن يغضب إذا عرض منصب قناة السويس على غيره، والنحاس من ناحيته لا يرى نفسه ملزمًا بشيء للنقراشي».

ولكن «النقراشي» يمضي في طريقه بعيدًا عن قناة السويس ورجال أعمال الوفد، ويصدر «النقراشي، ومحمود غالب، ومكرم عبيد» بيانات متناقضة عن أسباب الاستقالة؛ مما ساعد على زيادة الخلافات بين «النقراشي، والنحاس».

وتكون النهاية بين «النحاس والنقراشي» عندما أصدر الوزير السابق (النقراشي) بيانًا يوم 6 سبتمبر (أيلول) ذكر فيه موقفه من مشروع كهرباء خزان أسوان بدون مناقصة، ودعا حكومة الوفد إلى المساواة بين المصريين، واحترام حرياتهم، وحل جميع فرق القمصان المؤيدة للوفد ولخصوم الوفد أيضًا.

عند ذلك أصدر «النحاس» قرارًا بطرد «النقراشي» من الوفد، ورفض الدكتور «أحمد ماهر» رئيس مجلس النواب هذا القرار، وأصر على أنه يعتبر «النقراشي» عضوًا في الوفد، وفي أوائل يناير (كانون الثاني) 1938 قرر الوفد فصل الدكتور «أحمد ماهر» الذي أنشأ مع «النقراشي» الحزب السعدي.

أما السبب الآخر في إقالة الملك لحكومة «مصطفى النحاس» باشا هو التعدي على حقوق الملك الدستورية، ويقول الدكتور «محمد صابر عرب» في كتابه «حادث 4 فبراير والحياة السياسية في مصر» ما يلي: «في 29 يوليو (تموز) 1937 بلغ فاروق الثامنة عشر بالحساب الهلالي، وأقسم اليمين الدستورية وكان من الطبيعي أن تستقيل الوزارة القائمة، فهي وكيلة عن الملك في ولاية السلطة التنفيذية؛ ولذا فقد تقدم مصطفى النحاس باستقالة الوزارة إلى الملك فاروق».

ولما كان «النحاس» صاحب الأغلبية البرلمانية في مجلس النواب، فقد عهد إليه الملك أن يؤلف الوزارة الجديدة، وبدت الأمور وكأنها تسير في اتجاهها الصحيح، وخصوصًا أن العلاقات المصرية البريطانية باتت تحكمها معاهدة واضحة المعالم، في الوقت الذي كان فيه الملك «فاروق» يحظى بشعبية عريضة وسط قطاعات الشعب المصري، وزاد من شعبية الملك الخطة الناجحة التي استخدمها بعض رجال القصر في أوائل عهده أمثال «علي ماهر، وأحمد حسنين» في إبراز صورة الملك الصالح، الذي ناضل من أجل إيجاد دور لمصر الإسلامية، في الوقت الذي كان فيه «النحاس» باشا يفقد حذره من جانب القصر تحت وهم أن علاقة التحالف الجديدة بين الوفد وبريطانيا سوف تتيح له فترة التقاط أنفاس دستورية طويلة، يوجه جهوده فيها إلى إعادة بناء الدولة، وتعزيز الاستقلال الذي انتزعه من الإنجليز، ليصبح حقيقة واقعة في المجالين الداخلي والخارجي.

 

وقد بلغت بـ«مصطفى النحاس» الطمأنينة، أن أغفل الصدع الذي كان قد أخذ يصيب الجهاز التنظيمي للوفد، ويصل إلى القيادة ذاتها بفعل الصراع على النفوذ بين «مكرم عبيد» من جهة وبين «محمود فهمي النقراشي» والدكتور «أحمد ماهر» من جهة أخرى، وكان «النحاس» باشا يصطفي إليه «مكرم عبيد» تحت فلسفة الوحدة الوطنية المقدسة، ووسط هذه التيارات المتعددة فوجئ «النحاس» بحادث له مغزاه في النظام النيابي، فقد رفض الملك أن يكون «يوسف الجندي» وزيرًا، وكان «الجندي» نائب زعيم المعارضة في مجلس الشيوخ، ثم الوكيل البرلماني لوزارة الداخلية في الوزارة السابقة، وقد رفض الملك تعيينه بحجة أن نزاهته إبان وكالته البرلمانية لوزارة الداخلية لم تكن فوق الشبهات.

ولذا فقد تصاعد الموقف، وتأزمت العلاقات بين الوزارة والقصر، وبدا الحادث وكأنه الأول من نوعه، وتناوله الناس بالحديث بين مؤيد ومعارض، وبالرغم من أن الوزارة قد تنازلت عن ترشيحها حرصًا منها على عدم التصادم مع الملك، وهو في بداية عهده، إلا أن الخلافات بين الوفد والقصر بدأت تأخذ شكلًا جوهريًّا، فعندما خلا مقعدان في مجلس الشيوخ؛ رشحت الوزارة لهما «محمود فهمي النقراشي، وحسن نافع» فوافق القصر على ترشيح الأول، ولم يوافق على ترشيح الثاني من غير إبداء للأسباب، ولما استبدلت الوزارة «فخري بك عبد النور» بـ«حسن نافع» ظل القصر على رفضه مقترحًا «عبد العزيز فهمي» باشا.

ثم تعمقت الخلافات بسبب رغبة القصر في أن يقسم الجيش يمين الولاء للملك، ورأت الوزارة أن يتضمن هذا القسم يمين الولاء للدستور.

واعتقدت إحدى صحف القصر أن هذا المبدأ يعني تحويل الجيش حق التدخل؛ إذ ما انتهكت أي قوة سياسية الدستور.

وقد تزايدت شكوك القصر بعدما لوحظ أن وزير الحربية الوفدي «حمدي سيف النصر» قد دخل في التشريفات الملكية على رأس الضباط يقدمهم إلى الملك، وهو تقليد لم يتبع من قبل.

ووفق سياسة الوفد في محاولة منه للسيطرة على القصر، فقد تضمن خطاب «النحاس» باشا إلى مجلس الوصايا بمناسبة تأليف وزارته: «إنه بهدف توثيق العلاقة وتدعيم الثقة بين القصر والأمة، واقتداءً بالأمم ذات التقاليد البرلمانية، فإنه ينوي إقامة وزارة للقصر».

كان الوفد يستخدم أسلوب المظاهرات الشعبية باعتباره نوعًا من التأثير على القصر من ناحية، والتأكيد على أن الوفد يعني الشعب المصري كله من ناحية ثانية، وتلك ورقة استعملها الوفد في جميع مراحل صراعه مع العرش، وأخذت الجماهير الوفدية تطوف شوارع القاهرة تهتف النحاس أو الثورة.

إلا أن الوفد قد أخطأ في حساباته هذه المرة؛ لعدة اعتبارات موضوعية من بينها:

أولًا: إن هذه المظاهرات قد اتسمت بعامل (الصنعة) التي افتعلتها فرق القمصان الزرقاء، التي اصطنعها الوفد لنفسه، وبدا الوضع أمام الرأي العام المصري، وكأنه اعتداء على حقوق الملك الدستورية.

ثانيًا: لقد أخطأ الوفد في حساباته أيضًا؛ إذ إن هذه المظاهرات كانت من الأساليب التي يلجأ إليها الوفد أمام الملك «فؤاد»، أما هذه المرة فإن الملك «فاروق» كان يحظى بشعبية كبيرة.

وفي الوقت نفسه سارت جموع غفيرة من الشعب المصري في شكل مظاهرة تهتف بحياة الملك، واتجهت إلى قصر عابدين، حيث خرج الملك لتحيتها أكثر من مرة؛ مما يؤكد رغبته في انتهاج هذا المسلك.

وتدهور الموقف بشكل خطير بسبب مصادرة الحكومة لجريدة البلاغ – لسان حال القصر – لنشرها نص حديث دار بين الملك «فاروق والنحاس» طلب فيه الأول حل جماعات القمصان الزرقاء.

وانطلاقًا من مفهوم أن الوفد يعني كل الشعب المصري؛ فقد بدأ «النحاس» باشا يفكر جديًّا في خلع «فاروق» وتنصيب الأمير «عبد المنعم» ملكًا على مصر.

وتزايدت حدة الخلافات، وخصوصًا بعد محاولة اغتيال «النحاس» باشا 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 1937 على يد عضو من جمعية «مصر الفتاة» يُدعى «عز الدين عبد القادر».

(د. محمد صابر عرب، حادث 4 فبراير والحياة السياسية في مصر، دار المعارف 1985، الطبعة الأولى).

وتضامنت جريدة البلاغ وصاحبها الأستاذ «عبد القادر حمزة» في الدفاع عن احترام التقاليد، والقواعد الملكية الراسخة فقالت: «حينما سافر النحاس إلى لندن لأجل المفاوضات، ودعته مصلحة خفر السواحل بإطلاق المدافع، وحينما عاد استقبلته بنفس الطريقة، وبديهي أن إطلاق المدافع من مميزات جلالة الملك وحده، بذلك جرت القواعد وجرت العادة في مصر؛ فإطلاقها للنحاس في توديعه واستقباله اغتصاب لمظهر من مظاهر تلك المميزات، كان من الضروري أن يترك أثره في ذلك القلب البريء، الذي يجلس على العرش، ثم الحفلة الدينية التي كان من المزمع قيامها عند تولي الملك سلطانه، ولكن النحاس ثار وزعم أن فيها اعتداء على الدستور، كل هذا والملك طاهر القلب والذهن من الأشخاص، لا يضمر إلا حبًا خالصًا لبلاده».

ففي إحدى الحفلات التي أقامها «النحاس» في قصر الزعفران، جلس «النحاس» بجانب الملك في الحديقة، وكان الجو معتدلًا، ومع ذلك شوهد «النحاس» يخلع الطربوش، وبقي برأسه عاريًّا لمدة 20 دقيقة، ولم يخلع الملك طربوشه، فأي معنى يفهم من هذا؟! غير أن «النحاس» يتململ في حضرة صاحب الجلالة، واستقبل الملك مستقبليه في محطة الإسكندرية مصافحًا لهم، فشوهد «النحاس» يصافحهم هو الآخر من ورائه، ولما ذهب جلالته إلى البرلمان في حفلة التولية شوهد «مكرم عبيد» واقفًا بجانبه، ويداه معقودتان خلف ظهره، وهذا وذاك يتنافيان مع التقاليد.

ويقول «حسن يوسف» باشا رئيس الديوان الملكى بالإنابة في مذكراته: «ومنذ ديسمبر (كانون الأول) 1935 وطوال عهد الملك فاروق، لم تتعرض الحياة السياسية إلى تأجيل أو تعطيل، وإنما كانت سياسة الملك الشاب تقوم على احترام النظام البرلماني، مع تشجيع الأحزاب غير الوفدية حتى تشد أزرها، وتكسب شعبية تناهض بها حزب الوفد».

يتبع مع الجزء الأول من الحلقة السابعة بالمقال القادم -إن شاء الله-.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد