يقول المراغي

«كان لقاء فاروق بالدكتور يوسف رشاد في حادث القصاصين خطوة لها ما بعدها؛ فقد أصبح يوسف رشاد منذ هذا اليوم في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1943 شريكًا دائمًا في الحاشية، التي تحيط بفاروق في تنقلاته، وكذلك تم تعيين السيدة ناهد رشاد زوجته وصيفة في قصر عابدين للأميرة فايزة».

وقد كان ليوسف رشاد الدور الأكبر في تشكيل ما اشتهر باسم الحرس الحديدي، وهو اسم اختاره فاروق لنفسه من بعض الضباط، الذين كان منهم أن ينفذوا رغباته في قتل من يريد قتلهم، من الذين يحمل لهم كراهية شديدة.

وكان على رأس هؤلاء الذين كرههم فاروق: مصطفى النحاس؛ لأنه ساعد على إهانته أمام الإنجليز، وجعله يتوسل إليهم لإبقائه على العرش يوم 4 فبراير (شباط) 1942، وأمين عثمان الذي كان يمثل جسر العلاقات مع الوفد، وذهب البعض إلى حد اعتباره إنجليزيًّا أكثر منه مصريًّا.

كان يوسف رشاد قد أبلغ الملك بمجموعة الأصدقاء الذين بدأ يدعوهم إلى بيته، وعلى رأسهم مصطفى كمال صدقي، وخالد فهمي، وحسن، وإبراهيم توفيق، وقد طلب منه الملك توثيق علاقته بهم؛ حتى يكونوا مستعدين لتنفيذ ما يطلب منهم، وفي إحدى الليالي، وبعد مأدبة عشاء لمجموعة من الأصدقاء، التفت إليهم يوسف يسألهم: ما رأيكم في حادث 4 فبراير؟ وبحماسة شديدة قال مصطفى كمال صدقي: آخر ندالة من الإنجليز.

قال يوسف: طيب وإيه رأيك في النحاس وأمين عثمان؟

قال مصطفى بنفس انفعاله: خونة!

قال يوسف: طيب وإيه جزاء الخائنين؟

أجاب مصطفى: ضرب الرصاص والقتل.

قال يوسف رشاد بهدوء، وهو يلتفت إلى الآخرين حتى يشتركوا في الحوار: يعني أنتم موافقين على الكلام ده؟

قالوا جميعًا بصوت تبدو فيه رائحة الخمر: كل اللي يقوله مصطفى إحنا موافقين عليه.

قال يوسف: يعني أنت مستعد يا مصطفى تضرب رصاص وتقتل؟

أجاب مصطفى كمال صدقي: عندك شك يا أبو حجاج؟! إذا كنت عاوزني أقوم دلوقتي أنا جاهز ومستعد.

قال يوسف رشاد وقد اطمأن إلى سيطرته عليهم: لا؛ خلي ده للوقت المناسب، المهم إننا نكون جاهزين نحلف ومستعدين ننتقم لإهانة الوطن في 4 فبراير.

قالوا جميعًا: تمام كل اللي بتقوله مضبوط.

وبعد أسبوع من هذه الليلة تم نقل مصطفى إلى سلاح الفرسان، وفهمي إلى الحرس الملكي، وخالد إلى المخابرات الحربية، ورقي إبراهيم إلى رتبة ملازم أول، وتوفيق إلى الدرجة الخامسة، واختار لهم فاروق اسم الحرس الحديدي.

اغتيال عثمان وإقالة النحاس

دفع الملك إلى يوسف رشاد مبلغًا كبيرًا من المال لشراء ثلاث سيارات مستعملة، ولكن في حالة جيدة، وقد اُشتريت بأسماء مستعارة، وأعدت لها نمرًا مزيفة، كما تم شراء عدة بنادق رشاشة، وقنابل يدوية، وديناميت.

وكانت أول مهمة قامت بها المجموعة اغتيال أمين عثمان، وقد نجحوا فيها؛ فقد تربص له توفيق وحسن حين توجه إلى مكتبه الخاص، وانتظروا خروجه، كان توفيق يريد قتله في المصعد، وأن يغطي حسن هروبه، ولكن أمين عثمان نزل من السلم فجرى وراءه، وأطلق عليه الرصاص، وحاول الفرار ولكن قُبض عليه.

وجاء الأمر باغتيال مصطفى النحاس، وكان فاروق قد تربص به، واستثمر الآثار الاقتصادية التي انعكست في صورة غلاء، ووجه إليه خطابًا عنيفًا، أقاله فيه يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) 1944، وكان الإنجليز قد ضمنوا الانتصار في الحرب، فلم يعد يهمهم الإبقاء على النحاس.

كانت هذه ثالث إقالة للنحاس باشا، وفي تاريخ الوفد فقد رأس النحاس قبل ثورة يوليو (تموز) 52 خمس وزارات، انتهت جميعًا بالإقالة.

وكان نص خطاب الإقالة الذي وجهه فاروق إلى النحاس يوم 8 أكتوبر 1944، والذي يعكس ويعبر عن روح الكراهية، التي يكنها فاروق للنحاس ما يلي:

عزيزي مصطفى النحاس باشا.

لما كنت حريصًا على أن تحكم بلادي وزارة ديمقراطية تعمل للوطن، وتطبق أحكام الدستور نصًا وروحًا، وتسوي بين المصريين جميعًا في الحقوق والواجبات، وتقوم بتوفير الغذاء والكساء لطبقات الشعب، فقد رأينا أن نقيلكم من منصبكم، وأصدرنا أمرنا هذا لمقامكم الرفيع، شاكرين لكم ولحضرات الوزراء زملائكم ما أمكنكم أداؤه من الخدمات أثناء قيامكم بمهمتكم.

التعليق

بمناسبة إقالة حكومة النحاس باشا عام 1944 التي ذكرها الأستاذ المراغي في الفقرة السابقة، فقد كانت هناك عدة مقولات شائعة بين أوساط المصريين في بداية عهد الملكية، ومنها أن الوفد يعني كل الشعب المصري، وأن الاحتلال مع سعد خير من الاستقلال مع عدلي (عدلي يكن باشا كان رئيس وزراء في عام 1921، وقد فاوض الإنجليز على الاستقلال، ثم قام بإنشاء حزب الأحرار الدستوريين عام 1922، وبعد ذلك شكل حكومته الثانية عام 1926، وهي حكومة ائتلافية من حزب الوفد والأحرار الدستوريين)؛ فإن مثل تلك المقولات بها الكثير من الشطط والتطرف، وهي تعني أن الحكم في مصر آنذاك يقتصر على حزب الوفد فقط، وهذا الاتجاه يعتبر اتجاهًا شموليًا مستبدًا، وبما أن الحكم في مصر الملكية كان حكمًا ديمقراطيًّا، يقوم على التعددية، فلا بد أن يكون به تنوع سياسي وثقافي، مثل أي حكم ديمقراطي في العالم، فإذا افترضنا أن حزب الوفد شكل كل الحكومات في عهد الملكية على أساس أن حزب الوفد يعني كل المصريين، وأثناء مباشرة حزب الوفد إدارة دفة البلاد، وقع في عدة أخطاء سياسية؛ نتج عنها إضرابات بالبلاد، فمن هي الجهة التي ستحاسب حزب الوفد على تلك الأخطاء؟ لأجل ذلك فطن واضعو دستور 1923 لهذا الافتراض؛ لذلك منح الدستور للملك دور الرقابة على أعمال الحكومات، ومنها حق إقالة الحكومة، وحل مجلس النواب عندما تقع الحكومة في أخطاء تؤدي لاضطرابات في البلاد، وبذلك يكون هناك توازن بين سلطة الحكومة، وسلطة الملك.

والحقيقة أن النحاس باشا قام بتشكيل خمس وزارات قبل انقلاب 23 يوليو عام 1952، أُقيلت منها أربع وزارات لأسباب خاصة بكل وزارة؛ وهي وزارة النحاس الأولى عام 1928، وكانت وزارة ائتلافية مكونة من حزب الوفد وحزب الأحرار الدستوريين، وقد دب الخلاف بين أعضائها وانسحب منها أربعة وزراء؛ وبالتالي تصدع الائتلاف الحكومي، فخشي الملك فؤاد من خطورة الوضع السياسي للحكومة على مصلحة البلاد فقام بإقالتها. ثم وزارة النحاس باشا الثالثة، والتي تم إقالتها وهي وزارة عام 1936:1937 فقد أقالها الملك فاروق بسبب تصدع حزب الوفد الحاكم من الداخل، إثر الخلاف بين النحاس ومكرم عبيد من جانب، وأحمد ماهر والنقراشي من جانب آخر، بالإضافة إلى اتهام الحكومة بالتعدي على الدستور، فخشي الملك فاروق من خطورة هذه الأمور على مصالح وأمن البلاد؛ فأقال تلك الحكومة. ثم وزارة النحاس باشا الرابعة والتي تم إقالتها، فهي وزارة عام 1942- 1943- 1944؛ وذلك بسبب تصدع حزب الوفد الحاكم إثر الخلاف بين النحاس باشا من ناحية ومكرم عبيد باشا من ناحية أخرى، فخشي الملك فاروق أن تموج البلاد في اضطرابات بسبب هذا الخلاف الحزبي الحكومي، بالإضافة لاتهام الحكومة بالتعدي على التقاليد الدستورية، فأقال الملك فاروق تلك الوزارة أيضًا. أما الوزارة الأخيرة للنحاس باشا، والتي تم إقالتها فهي وزارة الوفد التي تشكلت في 12 يناير (كانون الثاني) عام 1950 حتى 27 يناير 1952 فقد قام الملك فاروق بإقالتها بسب حريق القاهرة، الذي دمر العاصمة في 26 يناير 1952، واتهام الحكومة بأنها مسئولة عن هذا الحريق، وتعريض البلاد لخطر الاضطرابات.

أما الوزارة الوحيدة للنحاس باشا التي لم يتم إقالتها بل قدم النحاس باشا استقالتها إلى الملك فؤاد، وهي وزارة النحاس الثانية، التي تشكلت في الأول من يناير عام 1930 حتى 30 يونيو (حزيران) عام 1930 وذلك بسبب إخفاق النحاس باشا في محادثاته مع هندرسون وزير خارجية بريطانيا، حول القضية الوطنية (قضية إنهاء الاحتلال البريطاني لمصر والسودان).

ويعطي الدستور المصري الصادر عام 1923 للملك حق إقالة الحكومة وحل البرلمان إذا تسببت أعمال الحكومة في تعرض البلاد للخطر.

وتبدو لنا في الفقرة السابقة من مذكرات المراغي ملاحظة شديدة الأهمية، حيث قال الأستاذ المراغي بعد نجاح مهمة قتل أمين عثمان، وجاء الأمر باغتيال مصطفى النحاس، وكان فاروق قد تربص به واستثمر الآثار الاقتصادية التي انعكست في صورة غلاء، ووجه إليه خطابًا عنيفًا أقاله فيه، يوم 8 أكتوبر 1944. وهنا يقع الأستاذ المراغي في خطأ تاريخي، وهو أن الأستاذ المراغي يتكلم عن نجاح مهمة قتل أمين عثمان والتي تبدو من كلام المراغي أنها حدثت قبل الشروع في اغتيال مصطفى النحاس، والذي حدده الأستاذ المراغي بأنه حدث عام 1944، لكن الحقيقة التاريخية تقول إن أمين عثمان قُتل يوم 5 يناير عام 1946، والشروع باغتيال النحاس باشا كان يوم 6 ديسمبر (كانون الأول) عام 1945، فهل يستقيم كلام المراغي هذا مع الحقائق التاريخية؟

ويواصل المراغي حديث مذكراته قائلًا

وفشلت محاولتان لاغتيال النحاس؛ لم يرض فاروق اغتيال النحاس باشا معنويًا، فأراد اغتياله ماديًا، وأعطى إشارة لمجموعة الحرس الحديدي بتنفيذ المهمة.

تربص مصطفى كمال صدقي، وفهمي، وإبراهيم لمصطفى النحاس، وكانوا قد علموا أنه سيذهب إلى أحد أصدقائه، وخرج النحاس من داره وأمامه حارسان، فأطلقوا عليه مدفعًا رشاشًا، لم يصب النحاس، فقد جرح الحارسان جروحًا بالغة، أما النحاس فلم يصب بخدش، ولكن عندما أطلق عليه مصطفى، وفهمي، وإبراهيم الرصاص فإنهم هربوا دون أن يعرفوا نتيجة ما فعلوه.

لقد ذهب كل منهم إلى منزله، فيما عدا فهمي الذي ذهب إلى منزل يوسف رشاد، ظل الاثنان يقطعان غرف المنزل ذهابًا وإيابًا، وهما في حالة قلق، لم يستطيعا الجلوس، أو تبادل كلمة واحدة.

وكان الملك جالسًا في غرفة مكتبه، لم يغادر مثل عادته يوميًا إلى نادي السيارات، يدخن سيجاره الذي كان قد أدمنه، وينفخ الدخان بعصبية بالغة.

وفي الساعة العاشرة مساءً دق التليفون في منزل يوسف رشاد، وكانت ناهد أسبق للجميع لالتقاط السماعة، وحين سمعها مصطفى كمال صدقي، الذي كان يتحدث قال لها على الفور: مبروك يا مدام.. انتهى أمر الخائن!

قالت ناهد: أنت متأكد؟

أجاب مصطفى: أنا رأيته يسقط أمام عيني دون أن يقول كلمة واحدة.

قالت ناهد: متشكرة قوي، وصاحبنا سيقدر لكم ذلك، والمكافأة ستكون كبيرة.

وبسرعة أدارت ناهد رقم تليفون الملك الخاص، وعندما سمعت صوته صاحت: مبروك يا مولانا.. انتهى كل شيء، وحققنا لك رغبتك.

ولكن فاروق قد علم أن النحاس قد نجا، فصرخ في وجهها: لعنة الله عليكِ، وعلى أصحابك! هم كانوا حاشيين الرشاشات إيه؟! شكولاتة. النحاس حي ومفيش خدش أصابه!

وصرخت ناهد من المفاجأة، ووقعت السماعة من يدها!

وعاد الحرس الحديدي مرة أخرى إلى النحاس باشا، ذهبوا في سيارة مملوءة بالديناميت، وأوقفوها أمام منزله وتركوها، وركبوا سيارة أخرى، وبعد ربع ساعة انفجرت في السيارة قنبلة موقوتة، وتطايرت الشظايا، وحطمت سور منزله ودخلت شظية غرفة نومه، ولكن النحاس لم يصب بأذى.

وقال أهل مصر: إن النحاس باشا من أولياء الله.

وبعد هاتين الحادثتين ضعفت ثقة الملك في الحرس الحديدي، الذي كونه يوسف وناهد وفكر في أن ينشئ بنفسه حرسًا حديديًّا آخر، واستدعى أحد حاشيته ممن يثق بأنه على صلة بمهربي الحشيش، وطلب منه البحث عن جماعة تقوم باصطياد الرؤوس، فطلب رجل الحاشية إمهاله بعض الوقت، وبعد بضعة أيام عاد إلى الملك قائلًا: مولاي وجدت لك قاتل قتلة.

ضحك الملك، وقال من هو؟

قال له: إنه ضابط كبير في البوليس، كان يقتل المجرمين من دون أن يقبض عليهم، وحتى لمجرد الشبهة كان يقتلهم، وبذلك يقطع دابر الإجرام في المقاطعة التي كان يتولى فيها رئاسة الشرطة.

فال الملك ولكن النحاس وغيره من خصومي من رجال السياسة، ليسوا من طبقة أولئك المجرمين.

قال رجل الحاشية مبتسمًا: إني واثق يا مولاي من إقناعه بأنهم مجرمون، وخصوصًا إذا عرف أنك تريد ذلك.

التعليق

الغريب هنا أن الأستاذ المراغي يلقي التهم جزافًا، من غير أسانيد تؤيد تلك التهم، وذلك غير جائز في كتابة المذكرات؛ فهنا يزعم الأستاذ المراغي أن ما يدعيه باسم الحرس الحديدي للملك فاروق هو من قام باغتيال أمين عثمان، والشروع في قتل الرئيس مصطفى النحاس باشا، من غير أن يأتي بثمة أدلة أو براهين يقينية.

فالمتعارف عليه بين كتاب التاريخ وكاتبي المذكرات أنه لا توجد أدلة قاطعة على وجود كيان اسمه الحرس الحديدي للملك فاروق، فإن موضوع الاغتيالات السياسية موجود في مصر من قديم الأزل، وأغلب الاغتيالات السياسية في مصر كان المتهمون الذين ينفذونها تحيط بهم ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية خاصة بهم؛ ففي حادث اغتيال أمين عثمان اشترك في تخطيطه وتدبيره وتنفيذه ستة وعشرون متهمًا، وكان من بين المتهمين محمد أنور السادات (رئيس جمهورية مصر الأسبق)، ولكن لا توجد أدلة قاطعة تدل على انتماء المتهمين باستثناء أنور السادات للحرس الحديدي التابع لضباط يوليو، والتي كانت تديره المخابرات الألمانية قبل أن تستولي عليه المخابرات الأمريكية عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وإن كان هناك بعض الشكوك توحي بوجود مثل تلك العلاقة بينهم وبين حسين توفيق المتهم الأول، وقد اعترف حسين توفيق بأنه هو صاحب فكرة الاغتيال؛ ولأجل تنفيذ هذه الفكرة كوّن جماعة خاصة به أطلق عليها جماعة الشباب المجاهد، هدفها قتل الإنجليز ومن يتعاون معهم.

وفي دراسة للدكتور عبد العظيم رمضان، وتحمل عنوان اغتيال أمين عثمان، والصادرة عن مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر عام 1992، ذكر فيها بعض الظروف التي أحاطت بجماعة حسين توفيق (جماعة الشباب المجاهد) من حيث التكوين والنشأة والتفكير، ومدى علاقتها بالملك فاروق، بالرغم من محاولة الدكتور عبد العظيم رمضان بالزج باسم الملك فاروق في هذه القضية، تقول الدراسة: «لم يظهر من الدراسة انتماء جماعة حسين توفيق – مقترفة الحادث – إلى أي حزب أو تكوين سياسي أو ديني، بل كانت جماعة مستقلة في التكوين والتفكير والتخطيط، ناقشوا ظروف ومبادئ الأحزاب والتكوينات الأخرى، فلم يقتنعوا بها، بل نقدوها ولم تعجبهم أساليبها وأنشطتها، حتى المسلحة منها، كما لم تظهر من الأوراق أي صلة لهم بالقصر، وإن كانوا قد استشفوا – من تشجيعه لبعض الجماعات الطلابية للقيام بنشاط معاد لبعض الأوضاع السياسية – الضوء الأخضر لهم لتنفيذ أعمالهم، أما هم فلم يتصلوا بمن يمتون بصلة للقصر، ولم يتصل القصر بهم مباشرة، وإنما لعله قدم لهم فيما بعد بأن سهل لحسين توفيق هروبه.

ولعله قد حدثت استجابة ما من القصر ظهرت في حادثة هروب حسين توفيق، التي خرج فيها من البلاد رغم الظروف المشددة، وإن كان حسين توفيق – في لقائه أخيرًا مع أحد الباحثين – نفى تمامًا، وجود صلة بينه وبين القصر».

لم يكن أمين عثمان هو الهدف الأصلي للاغتيال، بل ظهر من التحقيق أن النحاس كان هو الصيد الثمين، ولما لم يستطيعوا الحصول عليه، وفشلوا في ذلك مرتين، غيروا خطتهم باغتيال أمين عثمان صديقه وصديق الوفد؛ ليغتالوا النحاس وهو يسير في جنازته، إلا أنهم نفذوا الشق الأول، وفشلوا في الثاني عندما قبض عليهم؛ لأنهم كانوا يظنون أنهم سوف لا يقبض عليهم مثل المرتين السابقتين اللاتين اعتدوا فيها على النحاس».

وعنيت الدراسة السالفة الذكر الذي أعدها الدكتور عبد العظيم رمضان على إبراز وصف الجريمة الواردة في أوراق القضية، والتي أقدم على ارتكابها حسين توفيق لاغتيال مصطفى النحاس باشا بقوله:

المتهم الأول (حسين توفيق أحمد) في يوم 6 ديسمبر 1945 الموافق الأول من محرم 1365 بدائرة قسم السيدة زينب بمحافظة القاهرة:

«شرع في قتل حضرة صاحب المقام الرفيع، مصطفى النحاس باشا عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، بأن عقد العزم على قتله، وأعد لذلك مسدسين وقنبلتين يدويتين، وترصد بهما للمجني عليه في طريقه بين منزله ودار النادي السعدي، وألقى صوب سيارته قنبلة يدوية قاصدًا بذلك قتله، وخاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه، وهو أن سائق سيارة المجني عليه كان مسرعًا بها وقت الحادث، فطاشت القنبلة، ولم تصب شظاياها سوى الجانب الأيسر بسيارة المجني عليه».

** ومن اعتراف حسين توفيق، واعتراف بقية المتهمين ومن خلال أوراق القضية وأسانيدها يتضح أنه لا علاقة إطلاقًا بين حادث اغتيال أمين عثمان، أو محاولة قتل الرئيس مصطفى النحاس باشا وبين الملك فاروق، وأن الشائعات المغرضة والمؤامرات السياسية هي التي تعرض بنزاهة الملك فاروق، ولكن هذه الدراسة حاولت أن تستنتج أن هناك صلة ما بين المتهمين والملك فاروق، وذلك على غير ما يتضح من أوراق القضية، وخاصة اعترافات المتهمين.

*كما أن وكيل النيابة (كامل القاويش) هو الذي حقق في قضية اغتيال أمين عثمان، والشروع في قتل الزعيم مصطفى النحاس، والمتهم الرئيسي فيها حسين توفيق أحمد، وكان تحقيقات كامل القاويش نزيهة شهد به كل رجالات القضاء والسياسيين في ذلك الوقت، وقد قيل إن كامل القاويش من ضمن رجال الملك، فكيف برجل الملك يكون نزيهًا مع متهم قيل عنه إنه ضمن التنظيم المزعوم باسم الحرس الحديدي التابع للملك فاروق؟

وقد نجح حسين توفيق في الهرب إلى سوريا، بعد اغتيال أمين عثمان في 5 يناير عام 1946 وهناك في عام 1950 أطلق النار على نائب رئيس الأركان السوري أديب الشيشكلي (رئيس جمهورية سوريا فيما بعد) محاولًا اغتياله مما نتج عنه إصابة مساعد الشيشكلي بإصابة بالغة، فحاول الهروب من سوريا ولكنه لم ينجح فتم القبض عليه، وقدم للمحاكمة، وحكم عليه بالإعدام، وسافر الأستاذ حمادة الناحل المحامي من مصر إلى سوريا للدفاع عنه، وأثبت أنه مريض عقلي، وتم إنقاذه من الإعدام، ليحكم عليه بالسجن المؤبد، وفي عام 1958 توسط جمال عبد الناصر لدى السوريين للإفراج عنه، وبالفعل تم إعادته لمصر، حيث قرر عبد الناصر تعيينه في شركة مصر للبترول مديرًا لشئون العاملين، لكن حسين توفيق أعاد تكوين جماعته مرة أخرى، وقبض عليه في يونيو 1965 بعد محاولته لاغتيال عبد الناصر؛ بسبب أن حسين توفيق أيقن أن انقلاب 23 يوليو 1952 ماهو إلا مخطط أمريكي، وحكم عليه بالسجن المؤبد.

والسؤال الطبيعى هنا: هل الملك فاروق هو الذي حرض حسين توفيق على محاولة اغتيال نائب رئيس الأركان السوري أديب الشيشكلي، أو حرض على محاولة اغتيال عبد الناصر؟

والإجابة على هذا السؤال تعتبر قرينة يقينية على أن الملك فاروق ليس له أدنى علاقة باغتيال أمين عثمان.

غير أن هناك ملاحظة هامة وهي حرص جمال عبد الناصر في الإفراج عن حسين توفيق بعد الحكم عليه بالإعدام في سوريا، والعودة به إلى مصر قبل الشروع في محاولة حسين توفيق لاغتيال عبد الناصر، والسؤال الهام أيضًا هو: ما هي علاقة جمال عبد الناصر بحسين توفيق؟

يتبع مع الجزء الثاني من الحلقة العاشرة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة العاشرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد