يقول المراغي:

مفاجأة مزعجة

كان يحضر إلى مكتبي في وزارة الداخلية في أثناء تولي منصب مدير الأمن العام، السكرتير الأول للسفارة البريطانية المستر لانسديل لمراجعة مسائل الإقامة والجوازات للرعايا البريطانيين أو لإجراء تسهيلات لسفنهم الحربية، وكان شابًا مرحًا طروبًا لا يحمل الطابع الفيكتوري المحافظ. ولكن الشك كان يراودني في أنه يحمل خلف مظهره المرح مهمة رجل المخابرات متسترًا بعدم المبالاة وبسذاجة محببة لا ترقى إلى مرتبة الغباء أو البله ليعرف حقيقة ما يدور في الدوائر الحكومية والأوساط الأجتماعية، وكان له أصدقاء كثيرون يدعونه إلى بيوتهم ويدعوهم بدوره وينفق عن سعة، لأنه كان من أسرة غنية وكان وثيق الصلة بكثير من رجال القصر.

وفي ليلة من ليالي عام 1948 عدت إلى منزلي وكنت متعبًا، فخلعت ملابسي واستلقيت على فراشي واستسلمت إلى سبات عميق، ولم أدر كم ساعة مرت حين أخذت أصحو ببطء على رنين الهاتف. ومددت يدى في الظلام أتلمس المصباح الكهربائي حتى عثرت على زر المصباح وأضأته ورددت على الهاتف، وإذا بصوت يقول بالإنجليزية: هل أنت نائم؟

قلت: لعنة الله عليك، أتوقظني لتسألني إذا كنت نائمًا.

فضحك المتكلم وقال: هل تعرف من أنا؟!

قلت: كل ما أعرفه أنك سخيف.

فزاد ضحكه وقال: أنا لانسديل. وإني آسف على إزعاجك في هذه الساعة.

وعندئذ تطلعت إلى الساعة فوجدتها الواحدة صباحًا، قلت: وماذا تريد؟

قال: إني أكلمك في هذه الساعة المتأخرة لأمر هام.

قلت: أما استطعت إرجاءه إلى الغد؟!

قال: لا.. إني أرجوك أن تمكنني من مقابلتك الآن، سأحضر إلى منزلك بعد ربع ساعة.

وبعد ربع ساعة كان قد وصل إلى بيتي، ودخل وكرر الاعتذار وكان وجه يبدو كوجه طفل ارتكب ذنبًا مع ابتسامة خجولة.

قلت: لا عليك، ولكن أرجو أن تعجل بشرح سبب هذه المفاجأة.

أخرج علبة سجائر وأشعل منها سجارة. ثم أخرج ورقة مكتوبة على الآلة الكاتبة وقال: هذا ما دعاني إلى الحضور، أرجو أن تقرأها.

كنت ما أزال تحت تأثير النعاس أغالب التثاؤب فأخذت أفتح عيني لأقرأ الورقة، وأخذت حواجبي ترتفع دهشة وأنا أمضي في قراءتها. وانتهيت والدهشة أخذت مني كل مأخذ إذ كان مضمونها:

«تلقى السفير البريطاني في الساعة العاشرة مساء برقية من وزارة الخارجية البريطانية وكان وزيرها المستر بيفن فحواها أن حكومة صاحب الجلالة البريطانية تتشرف بإبلاغ صاحب الجلالة ملك مصر أنها على استعداد لتقديم كل معونة تطلبها حكومة جلالته لتزويد الجيش المصري بالمعدات الحربية التي يحتاج إليها من دبابات وسيارات مدرعة وسيارات نقل ومدافع ورشاشات وبنادق وقنابل وطائرات، وأنها في سبيل ذلك ستطلب من القائد العام للقوات البريطانية أن يفتح مخازن الأسلحة في منطقة قناة السويس للقوات المسلحة المصرية لتأخذ منها ما تحتاج إليه. وأن حكومة صاحب الجلالة البريطانية تطلب نظير ذلك من صاحب الجلالة الملك فاروق أن يتنازل عن المطالبة بضم السودان إلى مصر، وتبعًا لذلك يتنازل عن لقب ملك السودان (كان ملك مصر يلقب بملك مصر والسودان وصاحب النوبة)».

أرجوك أبلغها للملك

انتهيت من قراءة المذكرة وأكاد لا أصدق بصري، وظننتني أحلم وذهب بي الظن إلى أن السكرتير الأول ثمل، وبينما أنا في تفكيري قطعه علي بقوله:

أود أن أعلمك بأن هذه المذكرة شفوية. وخاصة أنها لجلالة الملك، وأنها بمثابة اقتراح يعرض عليه. فإن قبله وأمكن تنفيذه فإن الاقتراح سيأخذ مجراه السياسي.

رحت أفكر بسرعة ووجدتني أقول لسكرتير السفارة البريطانية: ولكن ما شأني وأنا موظف بدرجة مدير أمن عام بمذكرة بهذه الأهمية البالغة تحمل عواقب ذات خطورة بالغة بالنسبة إلى الموقف العسكري والسياسي؟

قال: نحن نعلم أنك عضو في لجنة شكلها الملك عقب حرب فلسطين للنظر فيما يجب عمله واتخاذه من إجراءات عقب هذه الحرب، وأنت تستطيع أن تقدمها إلى الملك حين تجتمع اللجنة.

قلت له: الافتراض أنك جاد فماذا تريد مني؟

قال: أريد أن تحمل هذه الرسالة إلى جلالة الملك، إنك شاب يعرف عنك أنك لا تتردد في عمل تقتنع به.

قلت: ولماذا لايحملها السفير -وكان قد أصبح رونالد كامبل- إلى رئيس الحكومة النقراشي باشا أو وزير الخارجية، وهذا هو الوضع الدبلوماسي الطبيعي!

قال: أوافقك على أن هذا هو الوضع الطبيعي، إلا أن السفير واثق من أن النقراشي سيرفض الاقتراح والعرض، لأن السفير حاول معه قبل أن تتخلى الحكومة المصرية عن المطالبة بالسودان، ولكن النقراشي كان مبدؤه كمبدأ مصطفى النحاس «تقطع يدي ولا تنفصل السودان عن مصر».

ولهذا رأى السفير أن توجه المذكرة إلى الملك وأن تكون شفوية وخاصة.

وقلت: وهل تظن أني أستطيع إقناع الملك بالتخلي عن السودان، وهو يباهي دائمًا بأنه ملك مصر والسودان.

قال: هل تستطيع أن تتصور الفوائد التي يجنيها الملك فاروق من هذا العرض؟ إن الجيش المصري بتمكينه من الاستيلاء على هذه الأسلحة التي لن يستطيع أن يشتريها من أي بلد آخر في العالم يمكنه أن يدخل مع القوات الإسرائيلية في معركة حاسمة وأن يهزمها ويصبح الملك فاروق ملك العالم العربي بأسره.

ثم ابتسم ابتسامة خبيثة وقال: لعل تسليح الجيش المصري الآن يغطي الفضيحة التي تفوح روائحها عن الأسلحة الفاسدة.

وبدا لي على الفور أنها مؤامرة إنجليزية بارعة، لأن مركز الملك فاروق أصبح مفضوحًا على أثر معرفة الشعب بما جرى من صفقات مريبة وشراء أسلحة فاسدة للجيش بواسطة عملاء ينتسبون إلى حاشية القصر.

قلت: وما الحرص البالغ من الحكومة البريطانية لإبعاد السودان عن مصر، ودفع هذا الثمن الغالي مقابل ذلك؟!

قال: إن لبريطانيا مصالح استراتيجية واقتصادية كبيرة في السودان، ولأن غالبية السودان لا تريد الارتباط والاندماج تحت علمها.

وهنا بدأ الجد على وجهه ولم أره في حياتي يعبس جادًا وقال: أرجو بل أتوسل إليك أن توصل هذه الرسالة إلى الملك إني على يقين من أنك تستطيع إيصالها. ونحن نريد عليها ردًا عاجلًا.

قلت: إنك ستوقعني في ورطة شديدة مع رئيس الحكومة، لأني واثق أن الملك سيبلغه مضمون الرسالة ويخبره بأني أنا الذي نقلتها.

قال: إن السفير وأنا لنا أمل كبير في أن يقتنع الملك باقتراحات وزير الخارجية، وأن جلالته إذا اقتنع فسيفرض على رئيس الوزراء قبولها.

قلت: ألا ترى أنها من ناحيتكم مغامرة دبلوماسية قد تؤدي في حالة الفشل إلى سوء العلاقات مع الحكومة المصرية.

قال ضاحكًا: إن المستر بيفن دائمًا يغامر ويكسب.

أخذت أفكر وأقلب الأمر، وتذكرت أن أغلب طفولتي أمضيتها في السودان، وكنت طالبًا في كلية جوردون ولي صلات وثيقة بكثير من إخواننا السودانيين، وقد لمست أن أهل السودان، ولو كانت تجمعهم بأهل مصر روابط الدين بل روابط قرابة ونسب فإن الحكم المصري الإنجليزي خلف آثارًا سيئة في نفوسهم وهم يريدون سيادة لوطنهم والبعد عن أية سيطرة. وكان لقب مصر والسودان لقبًا خلعته الحكومة البريطانية عى ملك مصر ولم تمنحه السودان. والفوائد التي تجنيها الحكومة المصرية من تسليح جيشها فوائد بالغة الخطر ولا تقدر بثمن بينما السيادة على السودان مسألة أقرب إلى الأماني والأحلام.

واستفقت من تفكيري وقلت للسكرتير الأول: سأقدم المذكرة غدًا إلى الملك فاروق مصحوبة برأيي. فشكرني وانصرف.

لماذا رفض النقراشي؟

وفي الغد توجهت إلى القصر وقدمت المذكرة مصحوبة برأيي بالموافقة عليها، ولكن صدق حدسي فقد أرسل الملك المذكرة إلى النقراشي باشا الذي طلب مقابلة عاجلة من الملك فاروق وتمكن أن يقنعه بعدم قبولها بعد أن صور له الأمر على أنه خدعة بريطانية ليتخلى عن السودان. ووقعت أزمة بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية لتقديم المذكرة عن غير الطريق الدبلوماسي. وجرت بين النقراشي وبيني مشادة عنيفة قدمت إليه استقالتي ولكنه لم يقبلها، وانتهى الأمر بأن انفصل السودان عن مصر فعلا وأصبح فيها بلدا تام السيادة وإسرائيل أصبحت مسلحة من قدمها إلى رأسها وبقيت مصر بغير تسليح حتى عام 1955.

أخذت أفكر في الأسباب التي أدت بالملك فاروق إلى رفض هذه الفرصة الغالية التي وضعت بين يديه وانتهى بي التفكير إلى حاشية القصر الذين قاموا قبل حرب 1948 وبعدها بعمليات واسعة لشراء الأسلحة بواسطة عملاء مشبوهين وأثروا ثراء فاحشًا وذهب جزء كبير منه إلى خزينة القصر. هل قامت تلك الحاشية بإقناع الملك برفض العرض لأن سوقهم الذهبية ستبور إذا تسلح الجيش المصري من مخازن الجيش البريطاني؟

وهل نصيحة الحاشية له لقيت قبولًا منه لأنها توافق مصلحته الشخصية؟ والنقراشي لم يكن رفضه القاطع؟ هل لما عرف عنه أنه عنيد وذو كبرياء. وأن الحكومة البريطانية تجاهلته وتقدمت إلى الملك؟

التعليق

لدي إحساس أن الأستاذ المراغي يتعمد تجاهل عقلية وذكاء القارئ تجاهلًا أعمى لم أجد له نظيرًا في أي مذكرات أخرى من الساسة أمثاله، بل أرى الأستاذ المراغي يهين بشدة ويتطاول على قارئ مذكراته بالكذب والبهتان ويتهمه بأنه لا يستحق أن يفهم أو يرى الحقيقة.. ففي الفقرة السابقة يحاول الأستاذ المراغي لعب دور الرجل المهم فيدعي أنه يأتي أعمالا خارقة لا يقوم بها أحد غيره، غير أنه في سبيل نشر ادعائه هذا يقع في مأخذ ومطاعن توخذ عليه بل قد يسقط في حفر غائرة لا سبيل للخروج منها غير الاعتذار وطلب الصفح والعفو من الله.

لذلك نلاحظ أن الأستاذ المراغي في الفقرة السابقة يقع في أخطاء تاريخية فادحة محاولًا طمس حقائق ثابتة ومحفورة في سجل التاريخ، فالأستاذ المراغي يقول أن السكرتير الأول للسفارة البريطانية المستر لانسديل قدم إليه في منزله لإعطائه مذكرة لتقديمها للملك فاروق وفيها تعرض بريطانيا على مصر بتسليح الجيش المصري في مقابل تخلي مصر عن السودان، وإن سكرتير السفارة البريطانية تقابل مع الأستاذ المراغي بعد حرب فلسطين والدليل على ذلك قول المراغي في مذكراته على لسان سكرتير السفارة البريطانية: «نحن نعلم أنك عضو في لجنة شكلها الملك عقب حرب فلسطين للنظر فيما يجب عمله واتخاذه من إجراءات عقب هذه الحرب، وأنت تستطيع أن تقدمها إلى الملك حين تجتمع اللجنة».

وفي موضع آخر قال الأستاذ المراغي في مذكراته:

(قلت له: الافتراض أنك جاد فماذا تريد مني؟

قال: أريد أن تحمل هذه الرسالة إلى جلالة الملك إنك شاب تعرف عنك أنك لا تتردد في عمل تقتنع به.

قلت: ولماذا لا يحملها السفير – وكان قد أصبح رونالد كامبل – إلى رئيس الحكومة النقراشي باشا أو وزير الخارجية، وهذا هو الوضع الدبلوماسي الطبيعي!

قال: أوافقك على أن هذا هو الوضع الطبيعي، إلا أن السفير واثق من أن النقراشي سيرفض الاقتراح والعرض، لأن السفير حاول معه قبل أن تتخلى الحكومة المصرية عن المطالبة بالسودان، ولكن النقراشي كان مبدؤه كمبدأ مصطفي النحاس «تقطع يدى ولا تنفصل السودان عن مصر »).

نتبين في هذه الفقرة أن الفترة الزمنية هي أثناء فترة حكومة النقراشي، وإن وقت لقاء الأستاذ المراغي بسكرتير السفارة البريطانية كما يقول المراغي في أثناء فترة حكومة إبراهيم عبدالهادي بدليل قوله: «نحن نعلم أنك عضو في لجنة شكلها الملك عقب حرب فلسطين للنظر فيما يجب عمله واتخاذه من إجراءات عقب هذه الحرب، وأنت تستطيع أن تقدمها إلى الملك حين تجتمع اللجنة».

والمعروف تاريخيًا أنه تم وقف القتال بين مصر وإسرائيل في 7 يناير 1949 ثم كانت اتفاقية رودس في 24 فبراير 1949 بإقرار هدنة دائمة بين مصر واليهود في عهد إبراهيم عبد الهادى وكان من شروطها أن تبارح القوات المصرية الفالوجا وذلك بأسلحتها ومعداتها وعتادها في 26 فبراير 1949. بينما اغتيل النقراشي في 28 ديسمبر 1948، فكيف يستقيم ذلك يا أستاذ مراغي.

كما أن هناك عدة ملاحظات لا تتخطاها العين. ومنها القول بأن مذكرة سكرتير السفارة البريطانية التي يجب تقديمها للملك كانت شفوية فكيف تقوم خلافات بين مصر وبريطانيا بسبب مذكرة شفوية لعدم اتباع الطريق الدبلوماسي لعرضها. وإن الخلافات تحدث في مثل هذا الأمر عندما تكون هناك مذكرات رسمية مكتوبة. كما أن موضوع الادعاء بتسليح الجيش المصري بأسلحة ليست بالجودة المطلوبة أثناء حرب 1948 لم يتم معرفته أو اكتشافه إلا في شهر أكتوبر عام 1950 عندما نشر عنه الأستاذ إحسان عبدالقدوس تحقيقًا صحفيًا في مجلة روز اليوسف عام 1950.

غير أن التحقيقات أثبتت أن الأسلحة والذخائر والتي تم توريدها للجيش المصرى قبل وأثناء حرب 1948 والتي تتصف بجودة ليست بكبيرة كانت قليلة جدًا وليس لها أي تأثير يذكر على مجرى سريان الحرب، وأن الإصابات القليلة التي حدثت في الحرب كان بسبب سوء الاستعمال وليست بسبب قلة جودة تلك الأسلحة ولم تحدث أي حالة وفاة واحدة بسبب تلك الأسلحة التي قيل عنها أنها فاسدة. والسبب الرئيسي في توريد تلك الأسلحة هو قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بحظر بيع الأسلحة للدول المتحاربة في حرب فلسطين، وهو قرار كان يقصد منه الدول العربية بالذات، لذلك اضطرت الحكومة المصرية للتحايل على هذا القرار أن تجري صفقات الأسلحة مع شركات السلاح تحت غطاء أسماء وسطاء وسماسرة مصرييين و أجانب.

ونظرًا لضيق الوقت والقصور الشديد في السلاح والعتاد الحربي اللازم لدخول الجيش الحرب، تم تشكيل لجنة سميت لجنة احتياجات الجيش يوم 13 مايو عام 1948 مهمتها إحضار السلاح من كل المصادر و بأسرع وقت ممكن، وبالرغم من كل الظروف القهرية فقد استطاعت لجنة الجيش سد ثغرة العجز الكبير من الأسلحة والذخائر التي كان يعاني منها الجيش في ذلك الوقت، كما أشاد الكثيرين من ضباط الجيش فيما بعد بالأسلحة التي حارب بها الجيش في فلسطين فقد أشاد كلا من سعد الدين الشاذلي ومحمد نجيب وجمال عبد الناصر بالمدفع برن 6 رطل.

وأعتقد أن الأستاذ المراغي اقتبس هذه القصة من مذكرات أحد وزراء العصر الملكي، لكن الأستاذ المراغي قام بتحوير بعض أحداثها لكي تتناسب مع مقاسه وأهدافه، غير أن سبب القصة الأصلية مغاير تمامًا عن سبب القصة المقتبسة.

والقصة الأصلية وردت في مذكرات الأستاذ صليب سامي وهو أحد وزراء العصر الملكي المشهورين وقد تولى صليب سامي أكثر من وزارة أثناء حياته السياسية منها وزارة الخارجية ووزارة الحربية ووزارة التموين ووزارة التجارة والصناعة، يقول صليب سامي في مذكراته:

«عينت وزيرًا للتجارة والصناعة ووزيرًا للتموين في وزارة صدقي باشا الأخيرة في سنة 1946، واستقال صدقي بعد تعييني بأقل من شهر، وقبيل استقالته زرته يومًا في المطرية فوجدته مهمومًا، ولما سألته عن السبب قال لى: إن جيشنا في حاجة إلى الأسلحة والذخيرة والإنجليز عندك في حلوان مخازن في الجبل تحوي منها ما تساوي قيمته مائتي مليون من الجنيهات والإنجليز يضنون علينا دائمًا بالأسلحة والذخيرة، إلا أنهم الآن راغبون في تصفية مخلفات الحرب لمواجهة عجز ميزانيتهم لذلك انتهزت الفرصة وفاوضتهم في شراء ما قيمته خمسون مليونًا من الجنيهات بعشرين مليونًا فقط.

ولما عرضت الأمر على الملك فاروق رفض الموافقة على الصفقة قائلا: إذا قبل الإنجليز خصم الثمن من رصيد دينهم فلا بأس، حاولت أن أقنع الملك بأننا نكسب من الصفقة ثلاثين مليونًا، وأنه فرصة لا تعوض لتزويد الجيش بالأسلحة والذخيرة التي نفتقر إليها، وأن الإنجليز في حاجة ماسة إلى المال وأنهم قبلوا عرضه، لكن الملك أصر على الرفض، وانتهي الأمر بالاستقالة».

إذا كانت قصة صليب سامي هي قصة حقيقية فأغلب الظن أن الأستاذ المراغي اقتبس حدوتة منها، لكن السبب في حدوتة المراغي غير السبب في قصة صليب سامي فلا أعتقد أن الملك يقبل باستقطاع السودان عن مصر مقابل صفقة أسلحة من الممكن عقد أكثر من صفقة أسلحة مع دول أخرى كثيرة غير إنجلترا، كما أنني أتبنى رأى الملك فاروق الوارد في قصة صليب سامي إذا كانت قصة حقيقية؟ فكيف تدفع مصر مقابل صفقة أسلحة بقيمة عشرين مليونًا من الجنيهات وفي نفس الوقت مصر تداين بريطانيا بمبلغ قدرة أربعمائة مليون جينه إسترلينى؟

لكن أشكك أيضًا في صحة قصة صليب سامي لأن تسليح الجيش يعتبر ضمن عمل الحكومة والملك لا يتدخل في عمل الحكومة إلا عند الضرورة بالرغم أن الملك القائد الأعلى للجيش طبقًا للدستور، لكن تحدثنا عن قصة صليب سامي على افتراض أنها حقيقية.

لكن لماذا يخترع الأستاذ المراغي مثل هذه القصص؟ والأجابة أن الأستاذ المراغي يحاول أن يعطي لنفسه أهمية بأنه كان شخصية مؤثرة أثناء النظام الملكي، وأيضًا لكى يدين الملك فاروق الذي عرضت عليه صفقات لتسليح الجيش المصري قبل حرب فلسطين لكنه رفض بالرغم أن الجيش عندما وقعت حرب فلسطين كان في أمس الحاجة للسلاح والذخيرة.

لكن هل الملك فاروق هو المسئول عن تسليح الجيش دون أن تبدي الحكومة رأيها؟ الإجابة بالطبع لا، فالمسئول الأول والأخير هي الحكومة والدليل على ذلك أن الحكومة المصرية عام 1950 أبرمت صفقة أسلحة محدودة لبعض وحدات الجيش والبوليس مع الولايات المتحدة الأمريكية دون تدخل الملك فاروق أو اعتراضه على هذه الصفقة.

يتبع مع الجزء الثالث من الحلقة العاشرة بالمقال القادم إن شاء الله

عرص المصادر بنهاية الحلقة العاشرة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد