يقول المراغي:

هذه يا نهى زوجتي المقبلة!

دخلت نهى على الملك الذي نظر إليها مليًّا، وألقى عبارة إطراء. لاحظت أن إطراءه كان أجوف، وأنه أشار إليها بالجلوس على فوتوي لا على الكنبة التي كان يلتصق معها فيها.

بدأت نهى تتوجس شرًّا، وخصوصًا لأنه لم يقبلها كعادته. جلست تراقبه بعينيها. ومرت دقائق وهو ساكن يدخن سيجاره. ثم دس يده في جيبه وأخرج مظروفًا أبيض، ثم مد يده بالمظروف إليها. واضطرت أن تتقدم نحوه لتتناوله.

قالت: ما هذا يا مولاي؟

قال الملك: افتحيه.

فتحت نهى الظرف وأخرجت منه صورة فوتوغرافية.

كانت صورة فتاة صغيرة السن ذات وجه ساذج أشبه بوجه الطفل. نظرت نهى إلى الملك قائلة:

من هذه الفتاة؟

قال الملك: هل تعجبك؟

قالت نهى: لا بأس بها. وإن كانت صغيرة جدًّا. ولكن من هي؟

قال الملك: هل كل حكمك عليها أنه لا بأس بها؟ ألا ترين أنها جميلة؟

قالت نهى: وهل تراها أنت جميلة؟

أجاب الملك: نعم.

قالت نهى: ما دمت تراها كذلك فلا بد أنها تعجبك.

ولكن لم تقل لي من هي؟

قال الملك إنها زوجتي المقبلة!

ابدئي فورًا ما أمرتك به!

أمسكت نهى بمسند الفوتوي. دار رأسها قليلًا. خيل إليها أن الملك يسمع دقات قلبها. والملك يحدق فيها ولا تبدو عليه أي نظرة إشفاق ورثاء لها.

وقطع الملك فترة الألم قائلًا: إني طلبت منك الحضور لأني أريد أن تعينيها على أشياء كثيرة. إنها طالبة في أول مراحل التعليم الثانوي. لم تدخل الحياة بعد. وهي من أسرة متواضعة. أود أن تختاري لها أجمل الملابس من أكبر دور الأزياء، لأني أعلم أن ذوقك رفيع، وأن تعلميها كيف تخاطب الناس. علميها آداب السلوك على المائدة، بل علميها كيف تمشي وكيف تجلس. لقد كنت وصيفة بلا ملكة، وأصبحت الآن وصيفة ملكة. ولا شك أن ذلك سيسعدك.

تعطلت حواس نهى. ومضت فترة لمح خلالها الملك مدى الألم الذي تعانيه. ولكنه بقلبه الصخري كان أشبه بقائد كتيبة يطلب من جنده اقتحام حقل ألغام.

أفاقت نهى من ألمها على صوت الملك يقول: إن السيارة تنتظرك لتقلك إلى منزلها. لتبدئي على الفور ما أمرتك به.

يا إلهي لأول مرة تسمع منه عبارة: ما أمرتك به.

قالت نهى: سأذهب غدًا يا مولاي، إني متعبة الآن، وأرجو أن تعذرني.

قال الملك: ولكن اذهبي في الصباح الباكر. إن اسمها ناريمان. ناريمان صدقي.

سأنتقم منك يا فاروق وأسقيك الخديعة.

عادت نهى إلى منزلها. توجهت إلى البار المتنقل، وأخذت منه زجاجة من الويسكي وكوبًا فارغًا، فتحت الزجاجة وذهبت لغرفة نومها وأغلقتها وأخذت تفرغ الويسكي في الكوب وترسله في حلقها وتعود لتملأه وتشربه، حتى انتهت نصف الزجاجة في دقائق. وأصيبت بسكر شديد، وبدأت تصيح وتبكي وتقذف على الأرض والحائط بكل ما تستطيع يدها المرتعشة أن تناله.

وسمعت خادمتها صوت صراخها ولم يكن زوجها قد حضر بعد. فأخذت تدق الباب. ولكن نهى لم تكن تسمع أو تعي شيئًا، كانت ملقاة على الفراش بغير شعور. ومرت ساعة وحضر زوجها. وأخبرته الخادمة بما حصل فأخذ يدق الباب بعنف. وكلما لم يسمع ردًّا زاد دقه على الباب وصراخه حتى أفاقت نهى وقامت بحركة لاإرادية، وهى تترنح صوب الباب، وقفت وراءه بصوت متلعثم من السكر: ماذا تريد؟

قال الزوج: افتحي.

قالت له: اتركني لحالي.

قال الزوج: افتحي وإلا حطمت الباب.

فتحت نهى الباب بعد لأي، وتوجهت مترنحة نحو السرير وارتمت عليه واضعة الوسادة فوق رأسها. وجلس الزوج على حافة السرير وأمسك بيدها

فصرخت: اغرب عن وجهي يا نحس اذهب.

قال الزوج مذهولًا: ماذا بك؟

أجابته: قلت لك اذهب، فلو لم أتزوجك لكنت اليوم ملكة مصر. وأخذت تهز ساقيها وتبكي !

قال الزوج مهدئًا ثورتها: أنت سكرى يا نهى.. ما هذا الهذيان؟

قالت وقد زاد بكاؤها: دعني لا أريد أحدًا، اخرج حالًا وإلا ألقيت بنفسي من النافذة، وخرج المسكين. وذهب إلى الصالون وجلس يدخن غليونه.

أفاقت نهى وأخذت تتلفت حولها. ونظرت إلى نفسها في المرآة وصرخت: يا إلهي أهذا وجهي. إنه وجه امرأة مسنة مشوهة. وأشعلت سيجارة وقالت بصوت يكاد يسمع: لقد حطمتني يا فاروق وخدعتني. ولكني سوف أنتقم منك. سأخدعك على مهل سأسقيك الخديعة جرعة جرعة. حتى أقضي عليك، والأيام بيننا.

في بيت ملكة مصر الحقيقية

ذهبت نهى في الصباح إلى منزل خطيبة الملك. وكان أثاث المنزل متواضعًا. واستقبلتها أم الخطيبة بترحيب الطبقة المتوسطة البسيطة الجميل.

ثم جاءت الخطيبة تسير في خجل وحياء. وقابلتها نهى، ولاحظت احمرار وجهها، وأنها تغض من بصرها. وأطرت نهى جمالها «كذبًا طبعًا»، فشكرتها أمها لأن ابنتها من الحياء لم تقل شيئًا. وبدأت نهى تشرح مهمتها.

وقالت الوالدة: الله يخلي مولانا دا شرف كبير. وأنت كمان شرفتينا، والبركة فيك نحن طوع أمرك.

وأقبلت نهى بحماسة غريبة على خدمة الملكة المقبلة. وأخذت تصاحبها إلى أكبر دور للأزياء. وإلى متجر العطور وتذهب إلى متاجر الأحذية والقبعات. وتطلب منهم التوجه إلى منزل الخطيبة.

وكانت تأخذها إلى الحلاق، وتشير إليه بما يجب أن يصفف عليه شعرها.

فعلت ذلك لأنها تريد أن تبقى موقع ثقة الملك. ولو تركت القصر فلن تستطيع أن تنفذ خطة الانتقام. وأن الذي يريد أن يخرب يجب أن يكون في الداخل لا في الخارج، وكانت هذه خطة انتقام العقل. واندفعت نهى إلى أحضان مصطفى وأصبحت عشيقته. وهذا انتقام القلب.

التعليق

تتجلى موهبة الأستاذ المراغي في التصوير الدرامي والسرد الروائي في هذه الحلقة إلى أعلى درجات التقمص الخيالي. فالأستاذ المراغي يريد أن يدخل عقليتنا وعقلية القارئ قصة غاية في السذاجة والغرابة، فهل يعقل أن الملك فاروق يتزوج امرأة متزوجة ولديها أبناء، حتى لو طلقت من زوجها. فهل من التقاليد الملكية المصرية أن يحدث هذا؟ لقد أراد الملك إدوارد الثامن ملك إنجلترا عام 1936 أن يتزوج من مطلقة، وقد تحقق له ما أراد، ولكن كلفه ذلك التنازل عن العرش، ألم تكن صورة الملك إدوارد الثامن ماثلة أمام الملك فاروق؟ إن الأستاذ المراغي يريد أن يتلاعب بمخيلاتنا، ولكن بعد أن يوقف عقولنا عن التفكير. لكن القارئ المتدبر من الصعب أن يوقف الأستاذ المراغي تفكيره؛ لأن هذا القارئ دائمًا يحركه التساؤل وراء التساؤل. وهنا نتساءل لماذا يفكر الملك فاروق في امرأة متزوجة وأمامه العشرات من النسوة الجميلات، واللاتي يتصفن بالذكاء المتقد في العائلة المالكة وغيرها من العائلات المتصلة بالسراي؟ ماذا يكون موقف الملك فاروق أمام الشعب المصري لو أقدم على هذا الفعل؟ إن هذا التصور للأستاذ المراغي غير مبرر، ولو في الخيال.

بالطبع إننا لا نطيل في التعليق على تلك القصص الوهمية؛ لأنها لا تستحق التعليق عليها ولو شفويًّا، نعم، هناك قصص خيالية يكتبها بعض الكتاب، ولكنها محبوكة جيدًا، أما قصص الأستاذ المراغي تفضح كاتبها من أول كلمة يكتبها تدل بأنها ملفقة، فأي قارئ يقرأ القصة السابقة يسأل نفسه ويقول: إذا كان الحوار بين الملك ونهى سريًّا كما ذكر المراغي، فكيف عرف المراغي بأمره؟ كما أن الأستاذ المراغي يخطئ في اسم الزوجة الثانية للملك فاروق ويدعوها باسم ناريمان صدقي، ولكن الاسم الصحيح ناريمان صادق «والدها هو حسين بك فهمي صادق السكرتير العام لوزارة المواصلات في ذلك الوقت»، لذلك فإننا لا نطيل في التعليق والتحليل على تلك القصص التي ينسجها بسذاجة بالغة صاحب هذه الذكريات، الأستاذ مرتضى المراغي.

يواصل المراغي حديث مذكراته قائلًا:

عبد الهادي يستدعي عبد الناصر

كان الحرس الحديدي كما قلت مكونًا من خمسة ضباط ومدني واحد في أول الأمر. ثم أخذ يتسع، وخصوصًا بطائفة صغار الضباط، فلماذا انضم هؤلاء الضباط إلى الحرس الحديدي.

وهل هناك دوافع غير حب التنقل إلى القاهرة أو الترقية إلى رتبة أعلى؟ أو أن التقرب من حاشية الملك هو الذي دفعهم إلى ذلك؟

إن بدء تكوين الحرس الحديدي كان عام 1943. ولم يكن مصطفى وخالد وفهمي وحسن قد دخلوه. وإن كان دخله ضابطان آخران كانا على صلة وثيقة بالدكتور يوسف رشاد، الذي تعرف إليه الملك فاروق في حادث القصاصين وقد قدم الدكتور يوسف رشاد إلى هذين الضابطين خدمات جمة إلى أن جاءت حرب 1948 وقامت على أثر انتهائها حركة الضباط الأحرار، وكانت دوافعها إرسال الجيش إلى الحرب ضد إسرائيل بغير استعداد، وتحت قيادة هزيلة، وبأسلحة فاسدة.

ولم تكن حركة الضباط الأحرار خافية على الحكومة. وقد عرف بقيامها إبراهيم عبد الهادي رئيس الوزراء. بل هو عرف أن المرحوم جمال عبد الناصر كان على رأس الحركة؛ فأرسل يستدعيه بحضور الفريق محمد حيدر وزير الحربية وقائد الجيش.

ولما دخل عبد الناصر أدى التحية العسكرية. وظل واقفًا. فنظر إليه إبراهيم عبد الهادي وقال: أتعرف لماذا استدعيتك؟

قال عبد الناصر بهدوء: لا أعرف.

قال عبد الهادي: ألا تجتمع بالضباط؟

أجاب عبد الناصر: أجتمع بأصدقائي كأي مواطن، أليس لي الحق؟

قال عبد الهادي: هل تقسم بأنك لا تكون حركة.

وتردد عبد الناصر لحظات ثم أقسم.

قال الفريق حيدر: يا دولة الرئيس، أظن أن ما بلغك مبالغ فيه، وعادة الضباط أن يجتمعوا مع بعض ويدردشون ويمزحون، وأحيانًا يلعبون الورق، قالها ضاحكًا.

قال عبد الهادي: على كل حال إني أطلب منك الابتعاد عن القيام بأية حركة. ولقد كانت هذه المحادثة إنذارًا لعبد الناصر بأن يأخذ حذره، وأن يعمل تحت طي الكتمان الشديد. وأصبح الشخص المتهم أمام الحكومة، والذي تلوك اسمه الألسن ليس عبد الناصر ولكنه اسم آخر. هو اسم أنور السادات: كان اسم أنور السادات هو الذي يتردد على أنه زعيم الضباط الأحرار، باعتبار أنه كان مع عزيز المصري يؤيد المحور ضد الإنجليز سنة 1942. وقد فصل من الجيش، لذلك لم يعد إلا سنة 1948. وقد اعتقل في سجن المنيا سنة 1942. اعتقلته حكومة الوفد بإيعاز من الإنجليز، كل هذه الأحداث جعلت اسمه بارزًا كضابط ثائر، وما دامت هناك حركة ثوار فلا بد أن يكون السادات على رأسها. وكانت أغلب تقارير البوليس إذا تناولت حركة الضباط الأحرار رددت اسم البكباشي أنور السادات، ولم يظهر اسم جمال عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة إلا متأخرًا عام 1952.

ورأيي أن الثورة قد انتفعت كثيرًا من كون واجهة السادات حجبت واجهة الآخرين، فراحت تعمل في الخفاء والعيون تراقب السادات ولا تراقب الباقين إلى لحظة متأخرة قبل قيام الثورة.

كما استفادت حركة الضباط الأحرار أيضًا من صداقته للدكتور يوسف رشاد، الذي أقنع فاروق بإعادة السادات إلى الجيش في عام 1948 بعد أن فصل منه. وقد قيل كثيرًا: إن السادات أصبح عضوًا في الحرس الحديدي، ومعلوم أنه اتهم بقتل أمين عثمان وهو بريء، ولو أن السادات لم يفكر يومًا أنه شارك في قتل أمين عثمان. والضابط مصطفى قال: إن السادات كان يصحبه في السيارة التي وقفت أمام دار مصطفى النحاس وفجر فيها قنبلة.

ولنعد إلى مصطفى وخالد فهمي وحسن من أعضاء الحرس الحديدي. فمصطفى كان تروتسكيًّا من جماعة من أبرز الجماعات الشيوعية في مصر. وكانت حركتهم تسمى «حدتو» كما سأتحدث بعد ذلك، وكان مصطفى يسمي نفسه رئيس الجيش الجمهوري. فهل اندس في الحرس الحديدي لإشباع رغباته المادية فقط، أو أن جماعة «حدتو» هي التي دفعته إلى ذلك ليكون محيطًا بأسرار القصر؟ وكذلك فهمي وخالد وحسن الذين كانوا من الصف الثاني من طبقة الضباط الأحرار، وتولوا جميعًا مناصب سفراء بعد الثورة. هل دخلوا الحرس الحديدي لأطماعهم الشخصية، أو دخلوها بإيعاز من زعماء الحركة؟ وإنني أرجح الرأي الأخير. لأنهم بالتصاقهم بالحرس الحديدي، وبالدكتور يوسف رشاد، أمكنهم أن يحموا إلى حد كبير ظهر الثورة من تحرك الحكومة.

التعليق

صراحة! إننا نستبعد صحة زعم المراغي الخاص بموضوع استدعاء إبراهيم عبد الهادي باشا رئيس الوزراء آنذاك لجمال عبد الناصر، بسبب الشبهات التي حامت حول اتصالات جمال عبد الناصر ببعض ضباط الجيش بشأن إنشاء تنظيم سري في الجيش، والدليل على عدم صحة هذا الأمر، أن جمال عبد الناصر طوال فترة حكم إبراهيم عبد الهادي كان في فلسطين ضمن الجيش المحارب هناك، وعندما عاد الجيش إلى مصر وخاصة قوات الفالوجا يوم 10 مارس (آذار) 1949 واستقرت الأمور، كان حكم إبراهيم عبد الهادي انتهى في 25 يوليو (تموز) 1949، فلا يعقل أن جمال عبد الناصر في خلال أربعة شهور عمل تنظيمًا سريًّا وصل أخباره لرئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي كما ادعى المراغي وآخرين، كما أن رتبة جمال عبد الناصر في ذلك الوقت كانت صاغ «رائد» ولم يرق إلى رتبة البكباشي إلا في عام 1950 أثناء حكومة الوفد، التي قامت رقته ترقية استثنائية لكل الضباط الذين اشتركوا في حرب فلسطين، والسؤال هنا كيف يستطيع ضابط برتبة صاغ أن ينشئ تنظيمًا في خلال عدة شهور من ضباط صغار يقومون بانقلاب بسهولة بالغة ضد نظام حكم قوي للملك فاروق؟ كما أن كلام الأستاذ المراغي متناقض حيال هذه الواقعة؛ فيقول لم يعرف اسم جمال عبد الناصر بخصوص تنظيم الضباط السري إلا في عام 1952، إذن لماذا استدعى إبراهيم عبد الهادي جمال عبد الناصر في منتصف عام 1949 إذا كان اسم جمال عبد الناصر لم يعرف إلا عام 1952 حسب كلام المراغي، كما أنه لم يكن مراقبًا أيضًا؟

ولكن اللواء جمال حماد «المؤرخ» في كتابه «أسرار ثورة يوليو 1952» يؤكد حدوث تلك المقابلة، إذ يقول: إنه لم يتم تكوين تنظيم سري داخل القوات المسلحة يستحق أن يطلق عليه كلمة تنظيم سوى تنظيم الضباط الأحرار، الذي أنشأه عبد الناصر في سبتمبر (أيلول) 1949 عقب عودة الجيش من حرب فلسطين، وإن السادات أكد هذه المعلومات في كتاب «أسرار الثورة المصرية» حيث قال السادات: في هذا العهد عادت القوات المصرية من فلسطين ودُعي عبد الناصر لمقابلة إبراهيم عبد الهادي برفقة عثمان المهدي رئيس هيئة أركان حرب الجيش، لتحذيره من نشاطه مع الإخوان المسلمين «وكانت المقابلة في 25 مايو (أيار) 1949».

وحسب كلام اللواء جمال حماد، والذي أكده الرئيس السادات، فإن مقابلة جمال عبد الناصر مع رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي لم تكن بخصوص تنظيم ضباط يوليو، إذ إن تنظيم ضباط يوليو لم يكن أنشئ بعد، طبقا لكلام اللواء جمال حماد، الذي استقاه من كتاب السادات «أسرار الثورة المصرية»، بل كانت بخصوص نشاط جمال عبد الناصر مع جماعة الإخوان المسلمين. إذ قال الرئيس السادات إن إنشاء تنظيم ضباط يوليو كان في سبتمبر 1949، أثناء حكومة حسين سري، وليس أثناء حكومة إبراهيم عبد الهادي.

ولكن بعض الكتاب ربما اخترعوا ذلك الموضوع لإثبات أن جمال عبد الناصر هو الذي أنشأ تنظيم ضباط 23 يوليو 1952 عقب حرب فلسطين، والحقيقة حسبما قال الكثيرون من السياسيين والمؤرخين، وهو ما سوف نتعرض له تفصيلًا فيما بعد، أن ضباط انقلاب 23 يوليو 1952 كانوا ضمن تنظيم أقامته المخابرات الألمانية، والتي حلت مكانها فيما بعد المخابرات الأمريكية، ولم يكن جمال عبد الناصر سوى عضو عادي من أعضاء التنظيم، أما اتصالات هذا التنظيم ببعض ضباط الجيش الكبار مثل الفريق حيدر، واللواء محمد نجيب، والقائمقام أحمد شوقي وغيرهم، ووضع خطط انقلاب 23 يوليو 1952 الرئيسية والفرعية، والمطالبات التي رفعت للملك، فكل هذه الأمور كانت تصاغ في أروقة المخابرات الأمريكية، ولم يكن جمال عبد الناصر والسادات وغيرهم إلا منفذين فقط لبعض تلك الخطط والمطالبات.

غير أن الأستاذ المراغي قال في حلقات سابقة إن مصطفى كمال صدقي وآخرين كانوا أوائل من انضموا لعضوية الحرس الحديدي المزعوم الخاص بالملك فاروق عام 1943، وفي الفقرة السابقة ينفي الأستاذ المراغي انخراط مصطفى كمال صدقي وآخرين بالحرس الحديدي عام 1943، بل قال إنه بداية تكوين الحرس الحديدي عام 1943دخلاه ضابطان ولم يسمهما صراحة، لكنه أشار إلى أن ضباط الحرس الحديدي كانوا من ضباط انقلاب يوليو 1952.

ولكي نتعرف على بعض الحقائق الخاصة بموضوع الحرس الحديدي المزعوم التي وردت في الفقرة السابقة من مذكرات المراغي، والادعاء بعلاقته بالملك فاروق ودور مصطفى كمال صدقي فيه، نعرض شهادة مصطفى كمال صدقي أثناء محاكمة المتهمين في قضية اغتيال الضابط عبد القادر طه أمام محكمة الجنايات عام 1953. ونشرتها جريدة الأهرام يوم 22 ديسمبر (كانون الأول) 1953.

ففي عام 1952 اغتيل ضابط الجيش عبد القادر طه، وجرت تبرئة المتهمين في تلك القضية من محكمة الجنايات، وقد قام ضباط يوليو بإعادة التحقيق في هذه القضية مرة أخرى عام 1953. وقد أدلى مصطفى كمال صدقي بشهادته فيها، إذ قال:

*يتبع مع الجزء الثالث من الحلقة الحادية عشرة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة الحادية عشرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد