يقول المراغي

قبل غروب الشمس من يوم حار من شهر مايو (أيار) 1949 -وكنت أعمل وكيلًا لوزارة الداخلية- كنت جالسًا في شرفة نادي المعادي الرياضي أحتسي قدحًا من الشاي. وأسرح الطرف في بساط سندسي ممتد أمامي، تحيط به أشجار السنديان الباسقة، ملقيًا عن كاهلي عبء يوم من العمل أمضيته في الوزارة (الداخلية) في مكتب تتكدس فيه الملفات حتى تكاد تخفيني عمن يجلس. حوله أضابير (الحزمة من الصحف) تنقبض نفسي لرؤيتها.

وبينما أنا في تأملاتي حضر عامل التليفون، وقال إني مطلوب. فقلت: له في ملل وضيق: أرجو أن تخبرهم بأني غير موجود، فتردد قليلًا وقال: سيدي إن الذي يطلبك هو القصر الملكي، وقد أخبرتهم بأنك موجود. ذهبت وتناولت سماعة التليفون، وكان المتكلم السكرتير الخاص للملك فاروق. وبعد التحية أخبرني أن الملك يريد أن أتوجه فورًا إلى القصر لمقابلته. قلت: وكيف علمت أني في النادي؟

فضحك وقال: لست أنا الذي علمت، إنه جلالة الملك، أرأيت أن جلالة الملك، يعرف كل شيء عن عاداتك؟! واستطرد ضاحكًا يقول: بل يعرف كل شيء عن عادات كل موظفي الدولة. فقلت له أمهلني نصف ساعة حتى أصل إلى القصر.

ورجعت أتامل في ذلك الذي يعرف كل شيء. لكني تذكرت جلالته كان قد حضر إلى النادي منذ أسبوع ورآني جالسًا على الشرفة نفسها. وسألني عن سبب وجودي، فأخبرته أنا بين الحين والحين أحضر إلى النادي لألعب مباراة تنس أروح بها عن نفسي عناء العمل.

وحين وصلت إلى قصر القبة رأيت سكرتير الملك في انتظاري، فقادني فورًا إلى مكتبه. وكان جلالته جالسًا على كرسي مكتبه. ولأول وهلة بدا لي أنه غير مستريح في جلسته، فالكرسي المصنوع خشب الماهونجي الثمين كان يبدو ضيقًا بعض الشيء على جسده الضخم المترهل. وكان يرتدي بدلة فيلد مارشال (مشير)؛ لأننا كنا ما نزال في حالة حرب مع إسرائيل. وكانت سترة البدلة مفككة الأزرار، وكذلك أزرار قميصه الكاكي. ورابطة العنق متدلية. وكان وجهه يتصبب عرقًا على الرغم من المراوح الكهربائية وجهاز تبريد الغرفة. حياني بأن قام نصف قومة بشيء من العناء وأشار إلي بالجلوس. كان يلبس نظارة بيضاء على غير عادته. ولاحظت أنه على الجانب من المكتب الذي أجلس إليه، أباجور ضخم ذو مصباح كهربائي قوي كاد يبهر نظري. ولم يكن في جانبه أي مصابيح، وقد أدركت أنه يفعل ذلك ليرى بوضوح وجه الجالس أمامه وتعبيراته وانفعالاته من غير أن يستطيع الجالس أن يتبين ملامحه هو وتعبيراته وانفعالاته. ظل فاروق صامتًا لحظات سألني بعدها: هل تلعب التنس جيدًا؟ فقلت يا صاحب الجلالة لا أدعي أني بطل، ولكن أعتقد أني أجيد اللعبة.

فضحك ساخرًا، وقال: إنه متأكد أنه لو لاعبني لهزمني، وأنه يستطيع أن يكون بطلًا لو مارس اللعب بانتظام، ولكن مشاغله تحول دون ذلك (علمًا بأن وزن جلالته كان فوق 100 كيلوجرام، وأنه كان ضعيفًا جدًّا، ولاعب التنس لا بد أن يكون نحيفًا حتى يتحرك بسرعة، ولا بد أن يكون حاد النظر لالتقاط الكرة)، ولكنها أوهام الملوك!

أنا أسهر الليل والوزير يلعب

وأخذ الملك يحدق إلى ورقة أمامه، ثم تناول قلمًا أحمر خطط به سطرًا تحت إحدى فقراتها، ومد يده بالورقة وناولني إياها قائلًا بصوته الذي كان يقارب الفحيح: خذ هذه الورقة واقرأها.

تناولتها وبدأت القراءة. وفي هذه الأثناء دخل خادم نوبي بملابسه المزركشة يحمل صينية فيها إبريق ضخم من الكريستال مملوء بعصير البرتقال، وفنجان فيه القهوة، وضع الإبريق أمام الملك، وفنجان القهوة أمامي.

أخذت أقرأ الورقة، وأخذ جلالته يشرب البرتقال ويدخن سيجارًا ضخمًا، كانت الورقة تقريرًا مكتوبًا بالآلة الكاتبة عن النشاط الشيوعي في مصر، وأنه يزداد ازديادًا شديدًا في أوساط المتعلمين، وسواء في الجامعة أو المدارس العليا أو الثانوية في الفصول الأخيرة منها.

وذكر التقرير بعض أسماء الجماعات الشيوعية كجماعة (حدتو). وهو اسم لحركة شيوعية ترمز حروفه إلى أنها نحو حركة ديمقراطية تقدمية وطنية.

كما ذكر أسماء أساتذة من الجامعة، ومدرسين في المدارس، وطلبة، وضباط جيش، وأعضاء نقابات العمال. ولما انتهيت من قراءة الورقة، رأيت الملك ينظر إلي من وراء نظارته بعينيه الزرقاوين الضيقتين نظرة تحد مصحوبة بابتسامة ساخرة وقال: هل انتهيت؟ قلت: نعم. قال ما رأيك؟ قلت: يا صاحب الجلالة، إن هذا التقرير هو صورة طبق الأصل من تقرير اطلعت عليه منذ أسبوع عن النشاط الشيوعي في مصر.

وهنا لاحظت أن شاربه الكثيف ارتجف، وأن وجهه اكفهر وقال: ما الذي تقوله؟ قلت: قد قرأت صورة طبق الأصل من هذا التقرير، وأنه واحد من عدة تقارير تتناول النشاط الشيوعي، وأن الأسماء والجماعات الشيوعية وضعتها وزارة الداخلية تحت مراقبة دقيقة. وهنا انتفض جلالته ونهض من كرسيه وهو يصيح: كلامك غير صحيح. إن هذا التقرير يكشف النقاب عن معلومات لا تعرفها وزارة الداخلية.

وأخذ يضرب مكتبه بقبضة يده صائحًا: إنكم مقصرون، إنكم لا تدرون شيئًا مما يدور في هذا البلد. أنا وحدي الذي أعرف ما يدور، أنا أسهر الليل، وأعمل طول النهار، ووزير الداخلية كلما سألت عنه يقولون إنه نائم. وأنت تمضي وقتك في لعب التنس. وهدأ غضبه قليلًا حين دخل الخادم يحمل دورقًا آخر من عصير البرتقال، وطبقًا كبيرًا مملوءًا باللوز.

قلت: لا شك في أن جلالتك تمضي الليل مع النهار ساهرًا تنظر في شئون الدولة (وكل مصري يعلم أنه يسهر الليل إلى الصباح في نادي السيارات يلعب البوكر والبكارا أو في ملهى الأوبرج وأنه ينام حتى الساعة الرابعة بعد الظهر)، ولكن اتهام جلالتك لنا بالتقصير شيء خطير، لأن حماة الأمن إذا قصروا انهار الأمن، وليس معقولًا أن تترك جلالتك تعمل وزيرًا للداخلية، ووكيلًا لها، ومديرًا للأمن العام بدلًا من الوزير الذي ينام دائمًا، ووكيل الوزارة الذي يلعب التنس.

فرد بسخرية قائلًا: وهذا هو ما يحصل مع الأسف. قلت: لم يبق لك يا سيدي إلا أن تقيل الوزير والوكيل، وتعين وزيرًا يقظًا ووكيلًا لا يلعب التنس. فسكت لحظة ثم ضحك وقال: ولكني سأعطيكما فرصة أخرى، وعليك أن تتوجه إلى مكتبك وتصدر الأمر بالقبض على كل الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في التقرير.

قلت: اسمح لي يا سيدي بأن أعلق على الشيوعية في مصر. أن عملاء الشيوعية بدأوا أول ذي بدء في نشر دعايتهم بين طبقة الفلاحين والعمال، مستغلين سوء الحالة الاجتماعية. وكانوا فوق الدعاية يقومون بتوزيع بعض الأموال، ولكن مسعاهم فشل لأن أكثر الفلاحين لا يجيدون القراءة والكتابة، وكذلك الكثير من العمال. لقد أخذوا المال ولم يفهموا المبدأ الشيوعي ولم يهضموه، ولما ضاعت مساعي العملاء توجهوا إلى أوساط المتعلمين الذين قرأوا الكثير من كارل ماركس، ولينين، وتروتسكى وهضموا مبادئهم وتعاليمهم. وتأثروا بالظلم الفادح الذي تعانيه الطبقة الكادحة والاستغلال البشع الذي يرزحون تحته. وفوق ذلك فإن المتعلمين يشعرون بأنهم مظلومون، فمرتباتهم لا تكاد تفي بحاجاتهم وحاجات أسرهم، بينما تتلألأ قصور الجهلة ذوي العقول المظلمة بالأنوار، والخدم، والحشم، والجواهر.

الشعب يكرهني لكن الجيش معي

نظر إلي الملك نظرة عجيبة وقال: ما شاء الله، وهل أصبحت شيوعيًّا؟ قلت: لا يا سيدي لست شيوعيًّا. ولكن أرجو أن يعالج الأمر على ضوء الاعتبارات الاجتماعية، وأرجو أن تأمر جلالتكم رجال الحكومة بالعمل على رفع الظلم الاجتماعي لأنه بهذا وبهذا وحده نحارب الشيوعية. إن بذور الشيوعية لا ينبت زرعها إلا في الأرض الظالمة.

قال الملك: إن شعبي سعيد والخير كثير ومتوافر، والشيوعي خطر على عرشي، إن هم الشيوعية إزالة العروش، وأن أكثر العروش أطاحت بها الشيوعية. قلت يا صاحب الجلالة، إن أصحاب العروش هم الذين أطاروا بأنفسهم، لأنهم ابتعدوا عن الشعب وتجاهلوا مطالبه، وظنوا أن كل شيء على ما يرام ما داموا هم بخير.

وهنا صاح الملك: أنا لا يهمني الشعب، إنني أعلم أنه يكرهني، إنهم يعيبون تصرفاتي وينتقدونني على كل صغيرة وكبيرة، وإني لا أخاف الشعب، لأن لي درعًا تحميني ضده وسكت. قلت: هل تسمح يا صاحب الجلالة بأن تذكر ما هذه الدرع؟ فرد وهو يكز على أسنانه وببطء: الجيش.

سكت برهة وقد هالني الأمر، وتمالكت نفسي فترة أحسست فيها بضيق شديد وببعض العرق يتصبب. وأخيرًا قلت: يا صاحب الجلالة هل أنت واثق من ولاء الجيش؟ وتطلعت إلى وجهه الذي أصبح في احمراره كأنه قطعة ضخمة من الطماطم، وبدأ جسمه الضخم يرتعد، والحق أني شعرت بشيء من الخوف قطعته صيحة منه تقول: إيه ده؟ ماذا تقول؟ هل تريد أن تشكك في ولاء الجيش لي؟ لا أريد أن أشكك. ولكني أعلم أن الجيوش قامت بعدة انقلابات ضد حكامها.

فصاح: ها ها ها. هؤلاء حكام مغفلون، لم يعرفوا كيف يختارون الضباط المخلصين، إن أي ضابط يلتحق بالجيش، أعرف عنه ما لا يعر فه أبوه وأمه عنه. وابتسم ساخرًا وقال: أنت فاكر إني ألعب؟ قلت: معاذ الله يا سيدي.

التعليق

قبل أن نعلق على موضوع الشيوعية في الحلقة القادمة، نود أن نعلق على لقاء الأستاذ المراغي بالملك فاروق، وإنني أظن في عدم حدوث هذا اللقاء، كما أشك أكثر في حدوث الحوار الذي شهده اللقاء، أو حدوث مثل ذلك الحوار في مقابلات أخرى مع الملك فاروق؛ لأن الحوار ساذج وتافه، بالرغم من أن الأستاذ المراغي صاغ ذلك الحوار في صورة قصة أو حكاية مثيرة وشائقة، فلا يعقل أن الملك يتكلم بهذه السطحية عن الشيوعية؛ فالحوار يدور حول قشور القشور عن الشيوعية، فطفل الابتدائي أو تلميذ الإعدادي يعرف عن الشيوعية أكثر بكثير من هذا الحوار الذي ابتدعه الأستاذ المراغي.

لكن الأستاذ المراغي يريد أن يطعن في الحكم الملكي، ويقول إنه نظام حكم مستبد وظالم للطبقات الفقيرة والوسطى من الشعب المصري، بالرغم من أن الأستاذ المراغي يقر ويشهد بأن وزارتي علي ماهر ونجيب الهلالي اللتين كان المراغي أحد أعضائهما أصدرت الكثير من القوانين لمواجهة الآثار السلبية لغلاء المعيشة ومكافحة الأمراض الوبائية؛ بالإضافة لقوانين حقوق العمال وتنظم سوق العمل، إذن لم يكن هناك هذا الظلم الطاغي الذي ألصقه الأستاذ المراغي بنظام الحكم الملكي، وبمقارنة نظام الحكم الملكي المصري وبالأنظمة الأخرى في العالم في ذلك الوقت، نجد أن مصر تحت نظام الحكم الملكي كانت أحسن حالًا من دول مثل تركيا، واليونان، والبرتغال، وبالطبع كوريا والصين، وكانت مصر تقارن بإيطاليا (عبد المنعم سعيد- الثورة والتاريخ – مقال 26/1/2019- المصري اليوم).

فالحكومات الملكية حقيقة كثيرًا ما اهتمت بتحقيق المساواة بقدر الإمكان، وبرفع المعاناة عن كاهل الشعب، ومثل ذلك الأمر حدث كثيرًا في العهد الملكي، وعلى سبيل المثال وليس الحصر موضوع تحديد الملكية الزراعية في مصر فهذا الموضوع أثير ونوقش في الصحف، وتحت قبة البرلمان إبان الحكم الملكي، وأهمها تقدم النائب محمد خطاب (نائب سعدى– حزب الهيئة السعدية) بمشروع قانون لمجلس الشيوخ عام 1944يطالب فيه بتحديد الملكية الزراعية بـ50 فدانًا. كما أن الملك فاروق وزع العديد من الأراضي المستصلحة على الفقراء والمعدمين وأخصها بتوزيع الملك فاروق خمسة أفدنة من الأراضي المستصلحة على 600 أسرة من أسر كفر سعد بدمياط وذلك للتخفيف على معاناة تلك الأسر من أثار الفقر.

(سيد مرعي– الإصلاح الزراعي ومشكلة السكان في القطر المصري– الدار القومية للطباعة والنشر عام 1963)

وعندما وقع انقلاب 23 يوليو (تموز) 1952، أشاع ضباط يوليو أن الطبقات الصغيرة والمتوسطة من الشعب المصري لا يملكون شيئًا من الأراضي الزراعية، وأن كل الأراضي الزراعية بمصر يملكها أفراد قليلون من كبار الملاك، وعندما صدر قانون الإصلاح الزراعي في 7 سبتمبر (أيلول) عام 1952 وطبق، إذ اتضح أن مجموع الأراضي التي نزعت ملكيتها في ظله تقدر بحوالي نصف مليون فدان، أي ما يقرب من 8.4% من إجمالي المساحة المنزرعة في مصر في ذلك الوقت.

إذن كبار ملاك الأراضي الزراعية في العهد الملكي كانوا لا يمتلكون أكثر من 8.4 % من جملة الأرض المنزرعة، وباقي الأراضي التي تقارب 91.6% يمتلكها ملاك يحوزون مساحات متوسطة وصغيرة، وبذلك يكون الأمر غير ما صوروه لنا ضباط يوليو1952 أن كبار الملاك كانوا يمتلكون كل الأراضي المنزرعة بمصر، أما الطبقات الصغيرة والمتوسطة فلا يملكون شيئًا.

كما أن قوانين الإصلاح الزراعي التي ابتدعها ضباط 23 يوليو 1952 لم تحل مشكلة المعدمين الزراعيين، الذين بلغت نسبتهم قبل انقلاب 23 يوليو نحو 44%، وفي عام 1965 انخفضت إلى 40%، ثم ارتفعت عام 1972 إلى 45%، ووصلت في نهاية الثمانينيات إلى 60% من جملة سكان الريف.

ولم ينجح الإصلاح الزراعي المزعوم في تحسين وتطوير قوى وعلاقات الإنتاج في الريف المصري إلى الحد الذي صوره لنا ضباط انقلاب 23 يوليو 1952.

إذن كل الأقوال التي قيلت عن مزايا الإصلاح الزراعي الذي ابتدعه ضباط 23 يوليو 1952 لم تكن صحيحة، ولكن كانت هناك دراسات قبل العام 1952 ترسم طرقًا ووسائل علمية حقيقية عن كيفية توزيع الأراضي الزراعية بين طبقات الشعب أو فرض ضرائب تصاعدية عالية القيمة على الحيازات الكبيرة، لكن لم يمهل انقلاب 23 يوليو الحكومات الملكية وقتًا لتطبيقها؛ لأن تلك المقترحات كانت تحتاج إلى متسع من الوقت حتى تتأكد تلك الحكومات أنها تطبق الطرق الصحيحة في ذلك الأمر.

غير أن الأستاذ المراغي بهذا الحوار الهش في الفقرة السابقة يريد أيضًا أن يخبرنا أن الملك فاروق كان يتدخل في المشاكل السياسية المهمة، التي هي في الأصل من أعمال الحكومة، ولكن الأستاذ المراغي نسي أو تناسى أن حكم الملك فاروق كان حكمًا دستوريًّا، ولا يحق له التدخل في أعمال الوزراء، وأن ادعاءه بتدخل الملك فاروق في أعمال وزارة الداخلية هو ادعاء ليس بصحيح، صحيح أن الملك فاروق كان يقوم ببعض الأعمال السياسية، وهذا حق منحه له الدستور، وخاصة عندما يرى أن أحوال البلاد السياسية تسير باضطراب، أو تدخله سوف ينقذ البلاد من مأزق خطير، أو مساعدته للحكومة في إنجاز أمر مهم، وذلك بعد طلب الحكومة من القصر الملكي مساعدتها.

أيضًا الحوار دار حول مدى ولاء الجيش للملك فاروق وحب الشعب المصري له، وهنا يريد الأستاذ المراغي أن يقول إن الملك كان يعتقد أن الجيش يدين له بالولاء ولكن الحقيقة غير ذلك، بدليل انقلاب 23 يوليو 1952، ونحن نقول (مجازًا) للأستاذ المراغي رحمة الله عليه، إن الجيش المصري كان أكثر المؤسسات المصرية ولاء للملك فاروق وحكمه، وإن انقلاب 23 يوليو 1952 حدث بتحريض المخابرات الأمريكية لبعض ضباط الجيش المصري؛ أي أن الانقلابيين كانوا أفرادًا قليلين من الضباط دون باقي أفراد الجيش، ودليل ولاء الجيش المصري للملك فاروق أن عدد قوات الجيش التي وقفت مع الملك فاروق أثناء انقلاب 23 يوليو 1952 أكثر بكثير من عدد قوات الانقلابيين، لكن إنسانية ووطنية الملك فاروق التي تأبى إراقة دماء المصريين حالت دون حدوث أي تصادم بين فرق الجيش المصري، والتي من المؤكد أن القوات الموالية للملك فاروق سوف تدحر قوات الانقلابيين، حين حدوث مواجهة بين الطرفين.

وفي ذلك الأمر يقول الأستاذ حسن يوسف رئيس الديوان الملكي بالإنابة في مذكراته: «وأذكر عندما صدر كادر موظفي الحكومة عام 1939 كان يقضي بتخفيض الماهيات والمرتبات أرادت الوزارة تطبيقه على القوات المسلحة، ولكن الملك وقف إلى جانب مطالب الجيش وصدر للضباط كادر خاص لهم لم تسر عليه أحكام الكادر العام».

ويشير حسن يوسف إلى ما ذكر في مذكرات العديد من ضباط يوليو عن توجههم إلى قصر عابدين لتأييد الملك فاروق عقب حادث 4 فبراير (شباط) 1942 فيقول: «وإثر حادث 4 فبراير قدم إلى الديوان الملكي وفد من ضباط الجيش، وقابلوا حسنين باشا رئيس الديوان وأعربوا له عن شديد استنكارهم لما وقع من محاصرة قصر عابدين بالدبابات البريطانية، ثم أبدوا استعدادهم للثأر من المسئولين وقد أثناهم رئيس الديوان عن ذلك، كما أن الملك حرص على أن يزور الضباط في ناديهم يوم 4 فبراير من كل عام تقديرًا منه لمشاعرهم الوطنية».

كما يستشهد حسن يوسف على حب الملك فاروق لقواته المسلحة، وذلك بحرصه على تجنب مصر ويلات الحرب العالمية الثانية فيقول: «وكان الملك فاروق يفخر بجيشه ويعتز بقوته وقد أشرت إلى الدور الذي قام به الملك فاروق في تجنيب مصر ويلات الحرب حرصًا على سلامة الجيش، بعد أن كانت وزارة علي ماهر قد قررت في مجلس الوزراء يوم 7 ديسمبر (كانون الأول) 1939 إعلان الحرب على ألمانيا.«

«وبعد أن دخلت إيطاليا الحرب وعاد السفير البريطاني طلبه أن تدخل مصر الحرب، ولكن الملك أكد له في حديثه معه في الإسكندرية يوم 17 يونيو (حزيران) 1940 أنه باعتباره ملك مصر يرى ألا ينضم في الحرب إلى الجانب الخاسر، وكانت جحافل الجيش الألماني قد توغلت بعد أن اجتاحت بولندا، وكان الملك حريصًا على ألا يقحم الجيش في معارك ليس لمصر مصلحة فيها».

فإذا تحدثنا عن حب الشعب المصري للملك فاروق فلن يكفينا عشرات الصفحات لكي نتكلم فقط عن الأعمال الخيرية التي قدمها الملك فاروق لصالح شعبه، فما زالت آثار هذه الأعمال باقية حتى اليوم، من التبرعات لصالح الأطفال الفقراء والمرضى الفقراء والمعدمين، وإنشاء التكايا (المطاعم الخيرية) والمستشفيات، والمدارس الخيرية ودور الأيتام. بالإضافة إلى محاربة العادات الاجتماعية الضارة، مثل محاربة الحفاة، والجهل، والتشرد… إلخ.

لكن هناك ملاحظة عابرة في الفقرة السابقة، والتي تتضمن حوار الأستاذ المراغي مع الملك فاروق. فقد ذكر الأستاذ المراغي بأحد العناوين الفرعية الواردة بتلك الفقرة عبارة «أنا أسهر الليل والوزير يلعب»، وهنا أخطأ الأستاذ المراغي في صحة هذا العنوان؛ لأنه في عام 1949 لم يكن الأستاذ المراغي يشغل منصب وزير، بل كان يشغل منصب وكيل وزارة الداخلية، ففي تلك الفقرة وصف الملك فاروق وكيل وزارة الداخلية (المراغي) بأنه يلعب التنس، أما وزير الداخلية فقد نعته الملك فاروق بأنه نائم، وأعتقد أن صحة هذا العنوان الفرعي هو «أنا أسهر الليل والوزير نائم» أو «أنا أسهر الليل ووكيل وزارة الداخلية يلعب».

يتبع مع الجزء الثاني من الحلقة الثانية عشرة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة الثانية عشرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد