يقول المراغي:

حياتي في مصر لن تكون طويلة

ومد الملك يده إلى علبة كبيرة من خشب وردى اللون، وأخرج سيجارًا ضخمًا وأشعله، وأخذ ينفث دخانه ويحلق بعينه إلى السحب الكثيفة التي يثيرها سيجاره. ثم أخذ يترنم بأغنية فرنسية وتوقف لحظة ونظر إلي قائلًا: هل تعرف الفرنسية؟

قلت: قليلًا لأني تعلمت الإنجليزية.

قال: هه. هل تعرف أني أتقن ست لغات؟

فقلت: لا غرابة في ذلك.

قال: إن الأغنية التي كنت أترنم بها جميلة المعانى. وموسيقاها عذبة، وإني أترنم بها حين يضيق صدري.

سكت ولم أرد على الغمزة التي قصدني بها، من أني تسببت في ضيق صدره.

قال: على كل حال هذه الأغنية خير من أغانيكم المصرية الرتيبة المملة.

إن مغنيكم يظل طول الليل يصيح يا ليل يا عين يا ليل، وأنتم تصيحون قائلين آه. وأخذ جلالته يضحك.

قلت: يا صاحب الجلالة. أرجو أن يجعل حياتك دائمًا سعيدة وطويلة، ويسرني أن أرى جلالتك تروح من نفسك بهذه الطريقة.

قال: إن تمنياتك لي بحياة طويلة وسعيدة، أشكرك عليها، ولكن حياتي في مصر لن تكون طويلة؛ لأنها لن تكون سعيدة، أما بعيدًا عن مصر فإني أستطيع أن أحيا حياة طويلة سعيدة.

– وأين يا صاحب الجلالة؟

في أي بلد آخر من العالم. (أنا أعرف أني لا أستطيع ما آبغى في بلدكم هذا).

إن الذي يريد أن يعيش في مصر ويتجنب الانتقاد والسخرية، عليه أن يلبس عمامة ويمضي حياته في الكرب والغم والقرف والسخرية. وأنا لا أحب الغم والقرف. يعني فيها إيه لو ذهبت إلى نادي السيارات أو الأوبرج لأروح عن نفسى عناء العمل. أليست هذه ديمقراطية أجلس فيها مع الشعب. كأني واحد منهم، لكنكم تنتقدوني على ذلك.

قال هذه تقاليد بالية نحن في عصر حديث.

فسكت؛ إذ لا داعي للمجادلة. لقد فسح صدره لملاحظات لو قيلت لأحد ديكتاتوريي القرن العشرين لخرجت لجهه لا يعلم أحد من أهلي أين تقع.

وإن كنت سعيد الحظ بهذه الجهة من دون شك ستكون سجن القناطر أو طرة أو القلعة.

وقام الملك من مقعده وتوجه إلى وسط الغرفة وقال:

– على أي حال سأريحكم وأستريح منهم، كلها كم سنة وبعدها، ثم سكت.

قلت: هل أستطيع ياسيدي أن أعرف ما تنوي؟

قال: فسرها كما تريد.

ثم صافحني معلنًا انتهاء المقابلة، فخرجت من مكتبه وكلماته تطن في رأسي، وغرابة تصرفاته تحيرني إلى أقصى حدود الحيرة.

إنه يريد أن يحارب الشيوعيين، وأن يقبض عليهم لأنهم يهددون عرشه. إنه يحصن نفسه ضد الشعب، ولكنه في الوقت نفسه يفكر في الخروج من مصر والتخلي عن العرش. وفيما كنت أسير في ردهات القصر التي لا يسمع فيها وقع الخطى لكثافة السجاد. وغارقًا في أفكاري، أستوقفنى صوت يقول في لغة عربية ركيكة.

– إزيك سعادة البيك.

نظرت إليه وعرفته. إنه تستا الإيطالى، مانيكور الملك وبيديكيره ( الخاص بقص أظافر اليدين والقدمين )

قلت: سلمك الله، وكيف حالك؟

قال بلكنته الغربية: هل أنت مسرور مني؟

قلت يا تستا لم أجربك بعد في قص أظافري.

فضحك وقال: لا أقصد ذلك، هل أنت مسرور من التقرير الذي أطلعك عليه جلالة الملك عن الشيوعية؟

قلت: وما شأنك أنت بالتقرير؟

فابتسم في استحياء وقال:

– أنا الذي كتبته.

ومضى يعلل رطانته ويمط في فمه ويقول:

يا سعادة البيك، لا تظن أن تستا بسيط ولا يعرف إلا قص الأظافر،

ووضع إصبعه على رأسه وقال: إن مخ تستا كبير.

قلت: يا تستا لا شىء عجيب في هذا الزمان. ولا شك أن عقلك كبير. لأنك استطعت إقناع الملك بأنك تفهم في الشيوعية.

وودعت ذلك الرجل الذي يقلم أظافر الملك ويريد تقليم أظافر الشيوعية؟

ولما خرجت من القصر توجهت فورًا إلى مكتبي في وزارة الداخلية وطلبت ملفات النشاط الشيوعي، ورحت أراجعها. ولم يطل عجبي، إذ وجدت أن أحد التقارير المودعة هو صورة طبق الأصل من تقرير تستا الذي قدمه إلى الملك. وحققت في الأمر. وعلمت أن تستا على اتصال ببعض موظفي الأمن العام. وأنه يأخذ منهم بعض التقارير. علمًا منهم بأنه ذو حظوة عند الملك، وأملًا منهم في أن يقربهم منه.

وفي اليوم التالي قابلت وزير الداخلية، وكان رئيسًا للوزراء، وسردت عليه ما حدث. ولما انتهيت من حديثي ضحك قائلًا:

هون عليك. إني أتلقى كل يوم تعليمات من الملك عن مشاريع تسربت إليه من أضابير الوزارات قبل عرضها على مجلس الوزراء بواسطة خدم الملك الخصوصيين أو ما يسمونهم الشماشرجية (الذين يلبسون الملك ثيابه). ويباهيني الملك بأنها نتيجة دراساته واطلاعاته. وهو يقول لي دائمًا بأنه لولا أخذه دائمًا بزمام المبادرة لتعطلت الدولة.

التعليق

إن موضوع الملك فاروق الذي قال فيه للأستاذ المراغي إن حياته بمصر ليست بالطويلة، فهذا الموضوع من بنات خيال المراغي الذي اقتبسه من الأحداث التي حدثت في مصر عقب انقلاب 23 يوليو 1952، إذ إن المراغي كتب مذكراته هذه عام 1986، وسرد بها الأحداث التى وقعت، وبناء على هذه الأحداث شيد الأستاذ المراغي أفكارًا خيالية تتلاءم وتتعاطى مع تلك الأحداث.

غير أن الأستاذ المراغي لفت نظرنا في هذا الحوار إلى بعض المعلومات غير الحقيقية عن الملك فاروق، ومنها أن الأستاذ المراغي يريد أن يطعن في انتماء الملك فاروق لمصر وللغة الدولة المصرية، التي هي اللغة العربية؛ فالمعروف للمصريين أن الملك فاروق كان يشهد الكثير من حفلات المطربين المصريين، وخاصة أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، وكان يتغنى بقصائد شوقي وحافظ إبراهيم.

أما أن يقول المراغي إن الملك فاروق كان يبغض اللغة العربية، وكان يولي اللغة الفرنسية الاهتمام الأكبر ليس صحيحًا، مع الاعتراف بأن اللغة الفرنسية كانت هي اللغة البروتوكولية للقصر. فقد كان الملك فاروق يتحدث العربية بطلاقة، وقد سمعناه وهو يلقي الخطب عبر الإذاعة (توجد بعض من هذه الخطب الآن على شبكة المعلومات الدولية «الإنترنت»)، كما رأينا كريمات الملك فاروق في أيامنا هذه (الآن) عبر التلفاز (خاصة الأميرة فريال رحمها الله) يتكلمن العربية بمهارة نتعجب منها، رغم أنهن خرجن من مصر في سن صغيرة، ومنهن من لم يتعلم النطق بعد.

لكن هناك عبارة عجيبة في حوار المراغي المزعوم مع الملك فاروق، قلما تصدر عن المراغي في حق الملك فاروق، وهي الأشادة بمدى حرية التحدث مع الملك فاروق دون قيود في كثير من الموضوعات، والمقارنة بينها وبين ما لو كان ذلك الحوار أجراه المراغي مع أحد رؤساء جمهوريات القرن العشرين المستبدين. إذ قال: «لقد فسح صدره (أى الملك فاروق) لملاحظات لو قيلت لأحد ديكتاتوريي القرن العشرين لخرجت لجهه لا يعلم أحد من أهلي أين تقع.

وإن كنت سعيد الحظ بهذه الجهة من دون شك ستكون سجن القناطر أو طرة أو القلعة».

وهذه العبارة من الأقوال القليلة جدًّا الواردة بمذكرات المراغي، والتي أشاد فيها المراغي بالملك فاروق وديمقراطيته في الحوار، بالرغم من شكوكنا بصحة الحوار السابق.

غير أن الأستاذ المراغي يريد في الفقرة السابقة أن يخبرنا أن الملك فاروق كان يعتمد على الخدم في إدارة أمور الدولة، وفي الاتصال بالوزراء، وذلك بهدف التقليل من شأن الملك فاروق، وبالطبع هذا الأمر غير صحيح، فالديوان الملكي كان يكتظ بالموظفين الرسميين ذوي الكفاءة العالية، وهؤلاء الموظفون هم المنوط بهم معرفة كيفية سير أمور الدولة في مسارها الطبيعي وطبقًا للدستور، كما أن قناة الاتصال الأساسية والرسمية بين الملك وكبار موظفي الدولة هو الديوان الملكي، وليس كما يدعي الأستاذ المراغي أن حلاق الملك هو المصدر الأساسي لمعلومات الملك عن شئون الدولة.

وفي ذلك يقول حسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكي بالإنابة: «في أثناء مقابلة تمت في 11 أكتوبر 1951 بقصر رأس التين بالإسكندرية بين الملك والنحاس باشا، وقد تمت ليقدم الملك فيها الشكر للنحاس باشا على إعادته لقب ملك مصر والسودان، وقبيل موعد المقابلة بنصف ساعة تقريبًا وصل النحاس باشا وشرفني بزيارته في مكتبي، وبعد حديث عابر عن الشئون الجارية قال: إنه يرغب في تثبيتي في رئاسة الديوان استمرارًا للتعاون المثمر بين الوزارة والقصر، قلت لرفعته: إنى أعتز بهذا التقدير، ويكفيني أنه جال بخاطره، وإنما رجوته أن يؤجل اقتراحه إلى مناسبة أخرى وأمامنا متسع من الوقت، قال النحاس: إن هذا لصالح العمل، فقلت إني قائم بالعمل، وإني أعرف طبائع الملك، ولي في خدمته نحو عشر سنوات، وكنت موضع ترشيحات أخرى لم يوافق عليها، فقال النحاس باشا: إن الأمر يختلف والظروف مناسبة للغاية، فقلت بصراحة وصدق إن مولانا مع تقديره العظيم لرفعتكم لا يستسيغ الوساطة بينه وبين كبار موظفيه، ولم يقتنع الباشا وظن أني أقول هذا من باب التواضع، وصمم على رأيه وقابل الملك مقابلة طويلة وتحدث في الموضوع وأعتقد أنه نجح في مسعاه».

وفور انتهاء المقابلة استدعاني الملك إلى مكتبه، وكان بادي المرح والانشراح، وقال إن المقابلة كانت طيبة وأنه أعطى التوجيهات اللازمة لرئيس الحكومة بشأن ما قد يجد من أحداث بعد إلغاء المعاهدة، وأنه تحدث عن مقابلته الأخيرة للسفير البريطاني.

ثم قال وهو يبتسم: «النحاس باشا عاوز يعينك رئيس ديوان، وسكت الملك ولم يعقب».

ولم أدهش لرفض الملك طلب النحاس باشا، فتلك هي المرة الخامسة التي لا يوافق فيها الملك على ترشيحي لمناصب في القصر أو خارج القصر، وأنما أحزنني أن يكون قد جال بخاطر الملك أن مقابلته للنحاس باشا كانت بتدبير من عندي لكي يعرض أمر ترقيتي، على أن الملك لم يغير من طريقة معاملتي، وكان كالعادة متلطفًا وكريمًا، وظللت أقوم بأعباء المنصب إلى أن عين فيه حافظ عفيفي باشا يوم 24 ديسمبر 1951.»

من حديث حسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكي بالإنابة يتضح أن الديوان الملكي هو همزة الوصل بين الحكومة وإدراتها وبين الملك، ويتضح أيضًا أن الملك كان ينتقي بعناية موظفي الديوان الملكي من حيث الكفاءة والمهارة، وليس للشفاعة أو الوساطة لهما محل عند الملك فاروق في هذا الأمر، وفي كثير من الأمور الخاصة بشئون الدولة.

يتبع مع الجزء الأول من الحلقة الثالثة عشرة بالمقال القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد