يقول المراغي

شيء طبيعي أن يخشى الملوك الشيوعية ويحاربونها.. فالشيوعية والملكية بصورة عامة وجهان متناقضان.. والشيوعية هي حلم الفقراء المطحونين الذين فقدوا الأمل، فأصبح سهلًا ميسورًا خداعهم بسراب الأماني.. وقد كره فاروق الشيوعية.. واستطاع خدمه وهم يعرفون هذه الصفة فيه أن يتقربوا إليه بواسطة تقارير يحصلون عليها من أجهزة الداخلية عن نشاط الشيوعية في مصر، وكان فاروق يتصور أن هذه التقارير التي تصله من خدمه هي تقارير خاصة لا يعرف بها المسئولون عن الأمن في بلده، وكان يحلو له أن يصف نفسه أمام هؤلاء المسئولين بأنه الحاكم الذي يعرف كل شيء في بلده ويتابع بنفسه سير الأحوال فيها بكل همة ونشاط.

والواقع أنه كانت هناك أكثر من منظمة شيوعية موجودة في مصر معروفة لأجهزة الأمن في خلال سنوات الأربعينات. وأستطيع أن أحصر هذه المنظمات كما يلي:

  1. اللجنة المركزية للمنظمة الشيوعية المصرية، وكانت تقوم بإصدار عدة نشرات تخاطب العمال.
  2. منظمة المقاومة الشعبية، التي كان يرأسها أبو سيف يوسف خلف. وكانت مهمتها توزيع كتب الشيوعية على الطلبة والعمال.
  3. نواة الحزب الشيوعي المصري، وكانت تتولى طباعة تقارير ونشرات شيوعية على آلة طباعة أقامتها في مكان سري. ومن أعضائها بكر عبد الفتاح الشرقاوي، ومنصور نسيم منصور، وزكي فريد إسكندر، وسمير توفيق حنا، وجوزيف يوسف (يهودي).
  4. منظمة (نحو حركة ديمقراطية تقدمية وطنية) وكان يختصر اسمها بكلمة (حدتو). ويرأسها صهيونيان، أحدهما مليونير يدعى كوريل، والآخر يدعى دويك. والأول كان ينفق بسخاء على منظمته، ويعمل تحت ستار التجارة مع إسرائيليين هما: أرنولد ريشفيلد، واسمه الأصلي هارون ريشفيلد. وسيمون سيتون. وقد قدما من تل أبيب حيث كانا يعملان عام 1946 سائقي سيارة، ولهما زميل ثالث هو روبرت روبنسون. وكان حضور الثلاثة إلى مصر بتكليف من متزعمي الحركة الصهيونية في فلسطين لإمدادهم بما يحتاجون إليه من معلومات من مصر.

وكتغطية لمهمته أنشأ روبنسون الشركة الدولية للنقل والهندسة، وشرع في العمل بالاشتراك مع زميليه ومساعدة المنظمة الصهيونية ومراقبتها. ولكي تضمن الشركة سير عملها الأساسي أخذ مديرها يوطد علاقته مع اثنين من ضباط القسم المختص ومع موظف في مصلحة الجمارك. واستهلوا عملهم بإنشاء مكتب في الشقة 380 في عمارة الأيموبيليا.

ومنذ سنة 1947 ظهرت في مصر ظاهرة غريبة. وهي قيام عدد من أبناء الباشوات وكبار الملاك بالانضمام إلى المنظمات الشيوعية. وأحدهم كان والده رئيسًا للوزارة واسمه ن. أ. والآخر كان والده وزيرًا واسمه أ. ب. ج. س. أ. وآخر كان والده محافظًا لإحدى المحافظات الكبيرة أسمه م. ع. س. أ!

وتأصلت في أنفسهم العقيدة الشيوعية تأصلًا صادقًا. وكانت دراستهم الشيوعية دراسة أكاديمية عميقة. وأصبحوا من أكبر دعاتها حتى أن ابن رئيس الوزراء كان يذهب إلى المطبعة جهارًا في النهار ويطبع المنشورات الشيوعية ويضعها في سيارته ويتولى توزيعها بنفسه، وقد ضبط مرة ثم أفرج عنه، لكنه مضى في النشر والتوزيع. وابن الوزير ضحى بحياته من أجل المذهب الشيوعي. إذ اعتقل في عهد مركز القوى، وهرس عظم ظهره الفقري، ومات في السجن.

والسؤال المطروح: كيف تمكنت العقيدة الشيوعية من شباب مرفه يعيش في القصور؟ هل هواية مارسوها ضيقا بحياة الترف التي كانوا ينعمون فيها؟

إن حديث الترف أحيانًا يكون مصدر للتبرم بالحياة؛ لأن الإنسان الذي يجد كل ما يريده في متناول يديه بغير كد ولا جهد، لا يرى لذة في ذلك. وكم من مرة سمعنا بانتحار أصحاب الملايين لأنهم ضاقوا بالحياة حين استنفدوا رصيد البهجة منها. ولم يغنهم رصيدهم المتكدس في المصارف عن تعويضهم ما فقدوه من لذة الحياة. أو لعل في الأمر تأنيبًا للضمير. إذ إن هؤلاء الشباب يرون بأعينهم حين يخرجون من قصورهم كيف يلتقط بعض الفقراء الخبز من صناديق القمامة، وكيف يعيشون في الشوارع يلبسون أسمالًا لا تستر العورة، وخير لي أن أترك تحليل الظاهرة إلى علماء النفس.

التعليق

الحقيقة أن الشيوعية كانت خطرًا داهمًا يؤرق مضاجع الحكومات المختلفة قبل انقلاب يوليو وبعده، وكانت خطرًا حقيقيًا يهدد الدولة المصرية لدرجة أن الوزير الذي يتم اتهام أحد أفراد أسرته باعتناق الشيوعية يقدم استقالته من الحكومة فورًا، ففي فبراير (شباط) عام 1949 أثناء حكومة إبراهيم عبد الهادي استقال رياض عبد العزيز سيف النصر وزير الموصلات لاتهام ابن أخته في قضية شيوعية، وعين بدلًا عنه إبراهيم دسوقى أباظة وزيرًا للمواصلات.

كما اتهم ابن الوزير أحمد حمدي سيف النصر (وزير الحربية بحكومة الوفد التي تشكلت يوم 4 فبراير 1942) باعتناقه الشيوعية، أبو بكر حمدي أحمد سيف النصر مع مصطفي كمال صدقى والراقصة تحية كاريوكا زوجة مصطفي كمال صدقي في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1953وتم محاكمتهم عام 1954.

إن كلام المراغي عن الشيوعية، لا لبس فيه، ولا مأخذ عليه وإن كان حري بالأستاذ المراغي أن يبرز في هذه المذكرات خطر الشيوعية الحقيقي على مصر في ذلك الوقت، ولكن أستاذنا المراغي أبى أن يوصف الشيوعية بالخطر.. ولكنه اكتفي بسرد بعض حالات اعتناق الشيوعية وتنظيماتها وبعض صورها وأسماء بعض قياداتها. وقام بتشريح هذه الحالات من الناحية الأجتماعية وإن كان أظهر في مذكراته هذه زعر الملك فاروق من تفشى الشيوعيين وانتشار الماركسيين في صفوف المتعلمين والمثقفين المصريين. ففي هذه المذكرات يريد الأستاذ المراغي إظهار زعر ورعب الملك فاروق فقط من الشيوعية، دون أن يظهر كيفية علاج هذه الظاهرة، أو أن يوضح جهود الملك فاروق في مقاومتها، واكتفى فقط بأن يشيع أن الملك فاروق كان يستقي معلوماته عن الشيوعية من الخدم، وهو أي الأستاذ المراغي هو وحده العالم بأسرار الشيوعيين، وأنه الوحيد الذي يمكنه مجابهة والوقوف أمام تحركاتهم وتنظيماتهم.

ولكن تعليق الأستاذ محمد جلال كشك عن الشيوعية في مصر كان محددًا، وأكثر وضوحًا كما جاء في كتابه ثورة يوليو الأمريكية الصادر عن دار الزهراء للإعلام العربي عام 1988 حيث يقول:

والمعروف أن الحركة الماركسية ظهرت في مصر خلال الحرب على يد اليهود وبتشجيع من المخابرات البريطانية لمواجهة العطف الذي انتشر نحو ألمانيا.

ورغم أن الحركات انحصرت في قطاعات شديدة الخصوصية من المثقفين وبعض الطلبة وحلقات محدودة من العمال، ولم يكن لها أي وجود في الريف، ولا عامة المدن، إلا أن المد الوطني الذي تعالى في عام 1946 بالذات مكن الشيوعيين من الظهور في حجم أكبر بكثير من حقيقتهم؛ إذ تسلقوا فوق أكتاف الجماهير والتاريخ معًا.. كانت الحركة الشيوعية تضع قدمًا فوق رفض الجماهير للنظام الاستعماري بأكمله، والقدم الأخرى فوق السمعة الأسطورية التي خرج بها الاتحاد السوفيتي من الحرب، فبدا القزم عملاقًا، وأخفت ملامحه المشوهة عن عين قطاع من المثقفين.

وفي الداخل كان الشيوعيون مثل الإخوان يستثمرون يأس الجماهير من قدرة الأحزاب على تغيير الواقع الذي دام ربع قرن منذ ثورة 19 التي أنبتت هذه الأحزاب.. التي بدت ـ بدورها – بموجب دستور 1923 كجزء من النظام، مع تفاوت في المعارضة أو الشعبية أو أحترام حقوق الشعب، ولكن في إطار النظام والشرعية والدستور.. وكلها مصطلحات أصبحت مرفوضة من الجيل المتعطش لصدام ثوري غير قانوني.

غير أن هناك اتجاهًا يلقى على الشيوعيون بالمسئولية في حادث حريق القاهرة الشهير.

لكن هذا لا يعنى أن النظام الملكي كان بعيدًا عن حقوق العمال والفلاحين، فقد صدر في العهد الملكي العديد من القوانين التي تتصل بحياة العمال والفلاحين والفقراء والمعدمين وتحسين مستوى معيشتهم، بالإضافة لصدور الكثير من القرارات لمواجهة غلاء العيشة ومكافحة الفقر والمرض والجهل، هذا بجانب المنادة بالمساواة والعدالة وحرية أكثر للرأي وتنوع الفكر، فكانت كتابات سلامة موسى وعزيز فهمى وأبو الخير نجيب وغيرهما.

وعن تاريخ القضايا الشيوعية في عهد الملك فاروق فقد ذكر الأستاذ كامل القاويش أتناء محاكمته أمام محكمة انقلاب يوليو (تموز) عام 1953 بتهمة أنه أتى أفعالًا مفسدة لإدارة الحكم خلال عامي 1951 و1952 بوصفه أحد رجال الهيئة القضائية.. حيث قال: إنه منذ تخرج في كلية الحقوق عام 1927 وظل يتدرج في وظائف القضاء حتى وصل إلى وظيفة رئيس نيابة الصحافة، وأن من أعمال هذه النيابة تحقيق قضايا الشيوعية والمرافعة فيها، ولما جاء لهذه النيابة درس كتب الشيوعية وقرأها وانتهى بالاقتناع بأن هؤلاء الشيوعيين ليسوا مصريين، وأنهم خونة. ذلك لأنهم لا يهمهم من أمر بلادهم شىيء، وإنما يدينون بالإخلاص والحب لبلد آخر.

ومضى يقول:

بأنه آمن بأن النظام الشيوعي نظام يجعل جميع أفراد الشعب عبيدًا لحفنة من الرأسماليين.. رأيت شيوعيين يتشدقون بمنشوراتهم.. رأيت واجبًا علي كمصري لا كموظف أن أحاربهم حربًا لا هوادة فيها. وقبل أن أجيء إلى نيابة الصحافة، قبل أن أجند لمحاربة الشيوعيين لم يكن قد صدر في أحكام القضاء من تاريخ إنشاء المحاكم إلى سنة 1948، إلا حكم وحد بالحبس سنة مع الشغل، أخذت أحقق هذه القضايا وأترافع فيها بنفسي، والبت للقضاء بأن هؤلاء خونة. واقتنعت المحاكم بذلك فأخذت تصدر أحكامها متوالية ووصلت إلى السجن والأشغال الشاقة. وبقيت في نيابة الصحافة سنتين وقدمت للمحاكم ما لا يقل عن مائة قضية في ثلاثة أشهر.

وجاءت الحركة القضائية وكان دوري أن أعين مستشارًا فإذا بوزير العدل يتقدم لمجلس القضاء، ويقول لهم: «إنني أقرر ترك كامل في الترقية ليه؟ لأن في حكم قضية 6 مايو (حزيران) لم يقدم هذا الحكم لمجلس القضاء. ارجعوا حضراتكم إلى ملف خدمتي، وإذا شئتم فارجعوا إلى حكم المحكمة في تلك القضية تجدوا أن المحكمة أشادت بكامل القاويش، فأنا الذي كشفت أسرار هذه القضية، ثم سلمتها للأستاذ الوشاحي قاضي التحقيق؛ لأنها كانت تشتمل على التآمر على الملك.

وأضاف الأستاذ كامل القاويش قائلًا: كنت في زيارة صديق في شارع فؤاد بالإسكندرية وحين نزلت في هذا المنزل مررت في طريقى بجريدة الجورنال ديجبت وكنت أعرف رجال الصحافة وعلاقتي بهم على أحسن ما يكون حتى أنني لم أقدم قضية مراقبة واحدة للمحاكمة.. أحمد حسين يشتم في الملك، فتحي رضوان يشتم في الملك، إحسان عبد القدوس يشتم في الملك، لم أحبس صحافيًا، ولا قدمت قضية واحدة إلى محكمة الجنايات.. قضية واحدة اضطررت فيها أن أقدمها لإحسان عبد القدوس كانت تهمته أنه نشر في مجلة روزاليوسف أن الدكتور أحمد حسين الذي كان وزير للشئون الاجتماعية وهو سفير لنا في أمريكا، هو جاسوس للسفير الأمريكي. فحبسه ثلاثة أيام، ثم أفرج عنه أمام قاضي المعارضة.. هذه هي الواقعة الواحيدة.

نشرت المصري في يوم حديث للمرحوم حسن البنا، وقيل إن هذا الحديث أخذ منه قبل وفاته، وإذ برجال وزارة الداخلية يصادرون المصري، ويطلبون أن أؤيد هذه المصادرة، فرفضت، وذهب المراغي يشكوني إلى النائب العام، ولكنني أبيت أن أتزحزح عن موقفي.

واستطرد القاويش قائلًا: إن أبو الخير نجيب نشر مقالًا عنوانه (التيجان الهاوية) في جريدة الجمهور المصري تكلم فيه عن الملوك الذين هووا. هذه القضية حققت فيها، ثم حفظتها وأفرجت عن أبو الخير نجيب.

فمن خلال أقول الأستاذ كامل القاويش أثناء محاكمتة عام 1953: يتبن أنه حقق في العديد من قضايا الشيوعية، حيث أثبت إدانة المتهمين فيها وأمر بتقديمهم للمحاكمة. كما حقق في قضية 6 يوليو (تموز) الخاصة بالمؤامرة على الملك. أما القضايا الخاصة بالرأي والتي قام بالتحقيق فيها فقد حفظها جميعًا، ولم يقدم غير قضية واحدة للمحكمة خاصة بالأستاذ إحسان عبد القدوس وقررت المحكمة بعد ذلك بإخلاء سبيله.. وذكر الأستاذ القاوش مخاطر الشيوعية والاضطرابات التي تسببها في البلدان المستقرة ديمقراطيًا.

ومن ذلك يتضح مدى تمتع مصر بالديمقراطية، وخاصة حرية الرأي، أما مكافحة الشيوعية فكانت كل الدول الديمقراطية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، وما زالت تحارب الشيوعية.

يتبع مع الجزء الثاني من الحلقة الثالثة عشرة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة الثالثة عشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد