يقول المراغي

حديث غريب مع شقيقة الملك

في يوم من شتاء عام 1949 حصر إلى مكتبي أحد أصدقائي من أساتذة الجامعة. وكانت زوجته إحدى زعيمات الحركة النسائية في مصر وعلى درجة كبيرة من الثقافة، إذ تحمل درجة الدكتوراة في الآداب من جامعة باريس. قال لى إنه يرجو أن أحضر مأدبة عشاء سوف يقيمها بعد ثلاثة أيام أعتذرت إليه بمشاغلي.

فقال: ولكن شخصية كبيرة ستحضر العشاء. وقد ألحت علينا في دعوتك.

قلت: من هي هذه الشخصية؟

فاقترب مني، مع أن الحجرة كانت خالية وهمس في أذني: إنها شقيقة الملك الأميرة فايزة.

قلت: هل تعلم لماذا ألحت في دعوتي؟

قال: لا أعلم ولكن قد تكون راغبة في التحدث إليك.

قلت: لا أظنك تأخذها مأخذ الجد؟

قال: أعلم أن انطباع الناس عنها أنها تتمادى في اللهو وحياة العبث، ولكنها ذكية جدًا. وحكمها على كثير من الأمور يميل إلى الصواب ويتميز بالنقد المرير.

قلت: وحكم الناس عليها يتميز أيضًا بالنقد المرير.

قال صديقي: وما يضرك أن تقابلها وتستمع إليها؟

فكرت قليلاً وقلت: معك حق فليس هناك ضرر.

كان العشاء بسيطًا في ألوانه. مما يدل على أنه ليست هناك كلفة كبيرة بين صاحبة البيت والأميرة وكانت الأميرة ترتدي ثوبا بسيطا يضيف رونقا ساحرا إلى جمالها الأخاذ. عيناها زرقاوان مع شيء قليل من السواد يضفي على الزرقة كتلة من السحاب تعبر السماء، وشعرها الناعم الأسود يجلل رأسها الجميل، ووجهها عاجي اللون وصوتها دافئ وناعم يعبر عن أنوثة صارخة.

مر العشاء في صمت إلا كلمات خافتة وبعض الضحكات على نكات كان يطلقها زوج الأميرة المخمور. وكانت أحيانا توجه إليه نظرة تأنيب على بعض نكاته الثقيلة التى كان يعقبها ضحكات عالية صارخة وكنا نضحك تأدبًا. انتهى العشاء وتوجهنا إلى الصالون لاحتساء القهوة. جلست الأميرة على ديوان وأشارت إليّ بأن أجلس إلى جوارها. فجلست. وحضرت القهوة لاحظت أن يدها ترتجف وهي ترشف فنجان القهوة. ولما انتهت منه وضعته على المائدة وتنهدت ثم نظرت إلي قائلة:

– كيف الحال؟

قلت: الحمد لله.

ضحكت ساخرة وقالت: الحمد لله على ماذا؟

قلت: على الحال.

قلت غاضبة: هل تحمد الله على المصائب التي تجرى في هذا البلد؟

قلت: يا سيدتى في العلم كله مصائب وليس في هذا البلد وحده.

قالت: هل تظن أنك تكون سعيدا إذا انتهى الآمر إلى الخراب الشامل والخراب لنا جميعا؟

– أى خراب تعنين يا سيدتى؟

نظرت الأميرة غاضبة، وعبس وجهها الجميل وصاحت ولكن بصوت منخفض: ألا تعلم أن هذا الرجل يقودنا جميعا إلى الخراب؟

قلت: ومن هذا الرجل؟

قالت: أرجو الأ تتظاهر بعدم الفهم فأنت تعرف أنني أقصد أخي فاروق.

فتحت فمي من الدهشة. ولكن لم أتكلم.

قالت: نعم إنه أخي فاروق.

لم تقل أبدا الملك فاروق. وعجبت كيف تتكلم أخت عن أخيها بمثل ما تقوله تلك الأميرة. ولاسيما أن الأخ ملك؟ لو كانت سيدة أخرى تقول عن الملك ذلك لما كان الأمر مثار غرابة ولكنها شقيقة الملك. واستوقفنى خاطر طارئ. هل هذا شرك موعز به من الملك يريد أن ينصبه لي ولغيري من رجال الدولة ليعرف حقيقة رأينا فيه؟

وما كدت أنتهي من ذلك الخاطر حتى رأيتها تبتسم ابتسامة رثاء وإشفاق ثم قالت وهى تحدق في:

– إنى أعلم فيم تفكر. إنك تظن أني مدسوسة عليك لكي يعرف الملك ما تضمر. ولكني لست من ذلك النوع. إني صريحة حتى معه. وقلت لك اليوم. ولكنه لم يعبأ بشيء ويمضى في عبثه. إنى ألمس الخطر المحدق بنا جميعا. إن أخي غير طبيعي. وأنا أعلم ذلك من يقين، لأني أقرب الناس إليه ووالدتي تعلم ذلك.

ونعلم أن نصحنا له لا يجدي، لأنه غير طبيعي.إن تصرفاته حتى الخاصة منها نحو أمه وعائلته تدل على أنه مختل العقل.

أوقفوا فاروق عن حده!

لذت بالصمت لأنى لم أجد ما أقوله لها. لقد عقدت الأميرة الجميلة لساني من هول المفاجأة، إلى حد ما. لكن شيئا من الشك راودنى. لا من صدق ثورتها على أخيها، ولكن من الدوافع لهذه الثورة. لانى أعلم أن أخاها الملك يضعها تحت مراقبة دقيقة من بوليسه الخاص لعلاقات شخصية بينها وبين أحد الشبان الأجانب المقيمين في مصر.

وبعد تفكير قلت لها: يا سمو الأميرة لماذا لا تجتمعون أنتم أفراد الأسرة المالكة. وتتوجهون إليه شارحين له الأمر وخطورة الموقف.

قالت – هم أسوا منه. وأنهم جبناء يخافون بطشه، إنه يستطيع أن يحرم أى واحد منهم من لقب الإمارة.

قلت: ألا تخشين أن يحرمك أنت؟

قالت: لايهمنى لقب الأمارة ليته يفعل ذلك. ولكنه لن يفعل لأنه يخشى أن أذهب إلى الخارج وأشنع عليه.

قلت: وماذا تطلبين منى أن أفعل؟

قالت: إنك شاب تشغل منصبا كبيرا في الدولة. وتستطيع أنت وأمثالك أن تعملوا على إيقاف أخى عند حده.

قلت: ليس الأمر بالسهولة التى تتصورين. ولكن الأمور إذا تفاقمت كونت عاصفة قد تزيل من أمامها المساوىء. لأن المساوىء هشة لاتقدر على تحمل العواصف. أما المحاسن فتبقى لأنه في صلابة الجبل. وهنا حضر زوجها التركى وكان يترنح من السكر وهو يقول ما هذه الخلوة، وددت لو أعرف ما يقوله أحدكما للأخر؟ وبعد أن ترنح مرة أخرى، أخرج من جيبه فنجان من قهوة فارغا وقدمه إلى قائلا: إقرأ ما في داخله. تطلعت إلى الفنجان وقرأت هذة العبارة: إذا كانت لك زوجة جميلة فيجب أن تكون لك سبع عيون أعدت إليه الفنجان فصاح متعلثما: مارأيك فيما قرأت؟ قلت له: لا داعى ياسيدى للعيون السبع يكفي يا سيدى أن يكون الزوج رجلا.

عدت إلى منزلى. وأستلقيت على سريرى مفكرا في ما قالته الأميرة عن أن أخيها مختل العقل. وخصوصا أنها لم تستعمل العبارة بالمعنى المجازى، ولكنها أستعملتها على أنها أمر واقعى. وكانت تعيد العبارة وتشدد النطق، لقد تعود الناس أن يقول أحدهم عن الأخر إنه مجنون إذا تصر ف تصرفا غير مقبول من المجتمع. وهذا كما قلت تعبير مجازى أما عبارة مختل العقل والتشديد عليها وخصوصا من شخص قريب جدا إلى من ينسب إليه اختلال العقل. فإنها إذا أضيف إلى تصرفات الملك فاروق غير الطبيعية، فيجب أن نأخذها على محمل الجد. أن الأميرة فايزة كانت موتورة من أخيها. لأنه كان يستخدم بوليسه الخاص في مراقبتها، ولكنى علمت أيضا أنها تعرضت قبل زواجها لازمة أخلاقية ونفسية عنيفة من أخيها. ولم تأبه بتهديداته على رغم أن زوجها كان يكبرها في السن كثيرا، وهذا نوع من هروب النفس من حالة سيئة إلى حالة أخرى قد تكون أسوأ؟

التعليق

هذه رواية درامية أخرى من دراما الأستاذ المراغي في صورة أقصوصة رشيقة ولكنها غامضة وغير مكتملة فلم تدلنا القصة عن موضوع المشكلة وتحديد نوعها، هل مشكلة القصة تخص الأميرة فايزة فقط وتصرفات الملك حيالها؟، أم المشكلة هى تصرفات الملك فاروق عامة وما هى تلك التصرفات وما ضررها إذا كانت ضارة؟، أم هى تصرفات الملك فاروق حيال الأحداث التى توجهها البلاد، وما هى تلك الأحداث، وأيضا ما هى تصرفات الملك فاروق تجاة تلك الأحداث؟

ولكن إذا أنتقلنا بتفنيد القصة فسنجد بأن حاكيها لم يدلى بأسم حضرة الدكتور وحضرة الزعيمة النسائية اللذان أستضافا هذا اللقاء فلماذ ا لم يبوح الأستاذ المراغي بهوية المضيفان؟ هل ذكر شخصيتهما من الأسرار العليا للدولة؟ أم أن أستضافتهما لهذا اللقاء قد يعرضهما لاخطار لاسبيل من نجاتهما منه؟ ولكن أعتقد أن القارىء العزيز يفطن الغرض من إخفاء هوية المضفين للقاء الأستاذ المراغي والأميرة فايزة إذا كان هناك لقاء حقا..

والحقيقة القاطعة أنه لم يكن هناك لقاء من هذا النوع ولا أى شىء.. لان الأستاذ المراغي لم يتعطف علينا بسرد أى دليل يفهم منه بوقوع مثل هذا اللقاء… فمن ظاهر هذا الحديث يتضح أنه من الأحاديث المصطنعة.. والهدف منه هو ليس فقط الطعن في محارم العائلة المالكة. ولكن التأكيد من جانب أحد أفراد العائلة المالكة على وجود السلوك الغريب للملك فاروق. كما أن الأستاذ المراغي بهذا الحديث المصطنع يريد إظهار الأميرة فايزة بأنها فتاة مستهترة وأن زوجها شخص مقامر، لاهى، سكير، دائما، وأنه طاعن في السن لا يليق أن يكون زوج الأميرة ذات الشباب والجمال وإن هذا السلوك هو السلوك المعتاد للعائلة المالكة..

والأميرة فايزة ولدت عام 1923 تزوجت من الأميرالتركى بولنت محمد على رؤوف عام 1945. والأمير بولنت محمد على رؤوف ولد عام 1911 بأسطنبول أى كان عمره عندما تزوج الأميرة فايزة 34 عاما. فلم يكن طاعن في السن كما يقول الأستاذ المراغي.

والمعروف عن الأميرة فايزة أنها سيدة كانت تسعى كثيرا إلى القيام بأعمال الخير من تبرعات وأعانات للأسر المصرية الفقيرة والمحرومة. كما قامت بحملة تبرعات في الولايات المتحدة لصالح الجيش المصري أثناء حرب أكتوبر 1973. غير أن الأميرة فائزة أثناء حكم الملك فاروق كانت رئيسة الهلال الأحمر المصري بل تطوعت للعمل ممرضة في جمعية الهلال الأحمر المصري.

وكان للأميرة فائزة نشاط أجتماعى ودبلوماسى كبير في العهد الملكى. ويقول الأستاذ عادل ثابت في كتابه (فاروق الأول – الملك الذى غدر به الجميع) ص 155: وكانت فائزة بصفتها رئيسة للهلال الأحمر المصري لديها جدول عمل حافل يتطلب قدرا معينا من المشاركة في النشاط الأجتماعى والدبلوماسى. وكان عليها في أحد الأيام أن ترد زيارة للزوجة الأنجليزية للسير فردريك ليث روس رئيس البنك الأهلى، في وقت لم تكن هناك أى من وصيفاتها في متناول يدها، وتطوعت إحدى صديقاتها، وهى ليدى مارجريت فورتسيكيو، التى كان والدها إيرل فورتسيكو وأمها وصيفة المخدع للملكة اليزابيث (اليزابيث الأم زوجة الملك جورج السادس)، لتقوم بعمل وصيفتها في ذلك اليوم، مما أثار فزع الجالية البريطانية، وبصفة خاصة الأعضاء البورجوازيين بالسفارة البريطانية، وصحبت مارجريت فورتسيكيو الأميرة فائزة إلى ليدى روس وقامت بالعمل الروتينى.

وقيل إن هذا العمل أستقبل بالأسى في بعض الأوساط البريطانية، التى يفترض أنها أحست بأن ليدى مارجريت قد تخلت عن كرامتها بخدمتها الأميرة ” من أبناء البلد “، وكانت مارجريت في الواقع تقوم بعمل طيب من العلاقات العامة لبلدها، بإدراكها أن الأسرة المالكة المصرية جديرة بمكانة تمائل تلك التى تحظى بها الأسر المالكة الأوروبية.

يتبع مع الجزء الثالث من الحلقة الثالثة عشرة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة الثالثة عشرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد