يقول المراغي

كريم ثابت يحرضني على كتابة تقرير

ولم يكن الانتقاد الذي سمعته من الأميرة فايزة شقيقة فاروق هو الانتقاد الوحيد الذي سمعته من أحد المقربين إلى فاروق. فقد حدث في أثناء وزارة نجيب الهلالي الأخيرة قبل قيام الثورة – وكنت وزير الداخلية والحربية في هذه الوزارة– أن جاءني كريم ثابت، وكان يشغل منصب المستشار الصحافي لفاروق، وكان معروفًا إلى جانب ذلك أنه واحد من أقرب المقربين إليه، ولكنني فوجئت بكريم ثابت يتحدث طويلًا عن سوء الأحوال التي تمر بها مصر ويسألني في النهاية: كيف تسكت على كل هذا؟

قلت له: وماذا تريدني أن أفعل؟

قال: أرسل تقريرًا للملك بكل ما يجري. بكل ما تسمع بكل ما تحس، بكل الأوضاع «الزفت» التي نلمسها؛ فهي تدل على أن المصريين يتحدثون عن: «الأوبرج» الذي يمضي فيه الملك كل وقته، وكذلك عن التعليقات التي تقال عن مكتبه في نادي السيارات خلف موائد القمار!

قلت وأنا أحاول استكشاف أسباب حماسته: وهل أنت مستعد أن توقع معي هذا التقرير؟

قال متحمسًا: مستعد جدًّا.

وبالفعل قمت بكتابة كل ملاحظاتي في تقرير ضمنته كل الأخطاء التي يتحدث عنها المصريون.

ومنها سلسلة الوزارات المتعاقبة منذ حريق القاهرة، والتي لم تكن تسمح لوزير بأن يستقر بالهدوء، الأمر الذي انعكس على الأوضاع العامة للدولة.

ووقع كريم ثابت التقرير معي، ثم أرسل التقرير إلى الملك بعد أن أخبرت نجيب الهلالي، الذي قال لي مشفقًا: يا مرتضى يا ابني ابعد عن الحكاية دي دلوقتي.

ولكني قلت له: إن هذا واجب يجب أن أقوم به.

ولم يمض يومان على إرسال التقرير حتى اتصل القصر يحدد موعدًا للقاء الملك فاروق في قصر القبة، في الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم نفسه.

وذهبت إلى الموعد وأخذت مكاني في الصالون أنتظر دخولي إلى مكتب الملك، وإذا بي أجد كريم ثابت يجتاز الصالون مسرعًا وقد قدم من الخارج في طريقه إلى مكتب الملك. ولا أعرف هل كان كريم ثابت هو الذي ترك باب المكتب مفتوحًا عن قصد، أو أن فاروق هو الذي أشار إليه بألا يغلق الباب. ذلك أنني عن طريق باب المكتب المفتوح سمعت صوت فاروق يقول لكريم ثابت في غضب وثورة. اسمع يا ابن (…) إزاي تتجرأ وتبعت لي تقرير بالشكل ده؟

كان واضحًا أن الحديث لم يكن موجهًا إلى كريم ثابت فقط، وإنما إلى الذي اشترك معه في توقيع التقرير وينتظر في الصالون مقابلة الملك.

وبعد دقائق خرج كريم ثابت ونظر لي وهو يغمز بعينه ويضحك.

قلت لفاروق: اعتبرني مستقيلًا الآن.

كان من عادة فاروق عندما أدخل عليه أن يقول لي: اتفضل، فأجلس، لكنه في هذه المرة عندما دخلت عليه لم يقل لي هذه الكلمة فأذنت لنفسي بالجلوس.

قال وهو لا يزال منفعلًا: إيه اللي عملته ده؟

قلت: أنا سمعت كل كلمة قلتها جلالتك لكريم ثابت، وأرجو أن المناقشة مع جلالتك لا تدور على هذا الأساس.

قال: لماذا أرسلت التقرير؟

قلت: إنني كوزير أعتبر نفسي مستشارًا للملك ومن واجبي أن أوضح له حقائق الأمور.

قال: وهل تخاطب الملوك بهذه الطريقة؟

قلت: الملوك يا مولاي تنصح، وهذه نصيحة.

قال: ولكنني لا أسمح بذلك.

قلت هذا رأيك يا مولاي وهو يعني أنني أخطأت: ولهذا فإنني أعتبر نفسي مستقيلًا.

قال في انفعال: أنت فاهم أني مالاقيش 30 واحد غيرك، أنا دلوقت هاكلم رئيس الوزراء يشيلك ويجيب واحد ثاني.

قلت: أرجو أن تعتبرني مستقيلًا منذ هذه اللحظة.

وخرجت من قصر القبة، وذهبت إلى نجيب الهلالي ومعي خطاب استقالة؛ فقد رأيت من واجبي على رئيس الوزراء ألا أرسل له الخطاب دون أن أقابله، وخصوصًا أنه لا ذنب له في ذلك. ولكن نجيب الهلالي أخذ مني الاستقالة بعد أن رويت له ما حدث ومزقها.

قلت: ألم يتصل بك فاروق؟

قال الهلالي: لا، ولو كان اتكلم ما كنتش هقبل.

قلت: لكني مصرٌّ على الاستقالة.

قال رحمه الله: وأنا أيضًا مصرٌّ على عدم قبول الاستقالة، ولازم يفهم أنه لا يستطيع بطيشه أن نحني له رؤوسنا.

التعليق

ألاحظ في كثير من مذكرات المراغي، أن الأستاذ مرتضى المراغي يحاول أن يفهمنا أن رئيسه المباشر في العمل هو الملك وليس رئيس الوزراء، فهل يجوز قانونًا أن وزيرًا ما يكتب تقارير للقصر الملكي لكي ترفع للملك دون مراجعة رئيس الوزراء؟ ولماذا يرضى الأستاذ المراغي على نفسه هذا الأمر إذا كان هناك مخالفة دستورية؟ على الرغم من تكرار لعبارات الاعتزاز بنفسه، وعدم الحيدة عن الحق والقانون في مذكراته هذه.

لكن نشكك كثيرًا في صحة أقاصيص المراغي المدونة في مذكراته، وخاصة في الفقرة السابقة، والدليل على ذلك أن الأستاذ المراغي ذكر عبارة في الفقرة السابقة تدل دلالة قاطعة على أن حوار المراغي مع كريم ثابت وأيضا مع الملك فاروق ليسا بحقيقة، بل هما من مزاعم المراغي ومن صناعة خياله.

وهذه العبارة هي: «وبالفعل قمت بكتابة كل ملاحظاتي في تقرير ضمنته كل الأخطاء التي يتحدث عنها المصريون. ومنها سلسلة الوزارات المتعاقبة منذ حريق القاهرة، والتي لم تكن تسمح لوزير بأن يستقر بالهدوء، الأمر الذي انعكس على الأوضاع العامة للدولة». فهذه العبارة الطويلة تفضح مزاعم المراغي. وهنا نتساءل كيف عرف المراغي في ذلك الوقت «أثناء وزارة نجيب الهلالي الأولى» أنه حدث سلسة من الوزرات المتعاقبة بعد حريق القاهرة؟ فالأستاذ المراغي يتحدث هنا عن حواره مع كريم ثابت وأيضًا مع الملك فاروق، واللذين تضمناه الفقرة السابقة أثناء الفترة الزمنية التي كان يشغل فيها وزير الداخلية والحربية في حكومة أحمد نجيب الهلالي الأولى. وهذه الوزارة (أي وزارة نجيب الهلالي الأولى) تعد الوزارة الثانية بعد حريق القاهرة. إذن لم يكن في ذلك الوقت أن حدثت سلسلة من الوزرات المتعاقبة.

لكن لو احتسبنا عدد الوزارات بداية من حريق القاهرة في 26 يناير (كانون الثاني) عام 1952 حتى انقلاب 23 يوليو (تموز) 1952 نقول نعم لقد حدثت سلسة من الوزرات المتعاقبة. وهي كالتالي: وزارة علي ماهر الثالثة، ثم وزارة نجيب الهلالي الأولى، ثم وزارة حسين سري الأخيرة، ثم وزارة نجيب الهلالي الثانية، وجميع تلك الحكومات قدمت استقالاتها نتيجة لأسباب خاصة بكل وزارة، ولم يكن هناك أي دخل للملك في استقالات تلك الحكومات، وهذا الأمر ما سوف نتحدث عنه باستفاضة في الحلقات القادمة ضمن مذكرات مرتضى المراغي.

كما أن الأستاذ المراغي هنا يناقض نفسه أيضًا في تلك الأقصوصة: فقد دأب وأجهد تفكيره طوال كتابة هذه المذكرات مدعيًا أن المعية الملكية هي التي أفسدت الملك فاروق، ولكي ينصلح حال الملك لا بد من استبعاد تلك المعية، ومن ضمن هذه المعية كريم ثابت، وإلياس أندراوس، ومحمد حسن، وغيرهم، وفي هذه المرة يغير الأستاذ المراغي عقيدته هذه ويقول إن كريم ثابت تضامن معي في كتابة مذكرة لجلالة الملك نخبره فيها أننا أي أنا (المراغي) وكريم ثابت نتبرم من تصرفاته العبثية، ونلقي عليه اللوم والعتاب، بل نطالبه بأن يتقبل منا النصيحة والموعظة الحسنة، وعضدنا مذكرتنا هذه بما يقال عن سوء أحوال البلاد وتعليقات المصريين عن الأفعال الشائنة للملك.

يا الله، كيف يا أستاذ مراغي تقنعنا بوجهة نظرك هذه، ألم تقل في أكثر من موضع أن كريم ثابت من ضمن الأشخاص الفاسدة في المعية الملكية. وأن كريم ثابت كان يحرض الملك على الفسوق والفجور، وأن كريم ثابت هو رأس الأفعى في السراي! هل أصبح كريم ثابت من يوم وليلة رجل ورع تقيًّا ونقيًّا وناصحًا أمينًا، ليس إلا أنه فقط عندما شاهدك تكتب مذكرة للملك تنصحه فيها، فسارت في شرايينه الدماء الطاهرة والحماسة الباهرة، فتعطف وتتطوع وتقدم وتضامن معك في سبيل إصلاح اعوجاج الملك وتقويمه.

ليس هكذا يا أستاذ مراغي تورد الإبل، إن كتابة المذكرات قبل أي شيء لها قواعد ونظم وليس ما يشاع يكتب، ولكن ما يكتب هو الحقيقة واليقين.

والحقيقة أن النفوس والضمائر السيئة هي التي أطلقت الشائعات والأقوال الضالة ضد الملك فاروق، وارتكبت الحماقات والأعمال المتدنية لأجل أحقاد دفينة وأغراض زائلة.

لذلك قد تبين لنا من دراستنا الحقيقية للتاريخ، أن الملك فاروق كان ملكًا ديمقراطيًّا، وإن مسلكه كان مسلك رجل الدولة الذي يكون الدستور والقانون هو منهجه، وإن كان الملك فاروق قد ارتكب بعض الأخطاء، فإن كل النظم السياسية في العالم، ملكية كانت أم غير ملكية، معرضة لارتكاب مثل تلك الأخطاء، أما الحماقات التي أشيعت عن الملك فاروق، فهي ليست لها محل في عهد ما قبل انقلاب يوليو 1952.

أما عن مسلكه الشخصي فقد تبارت الأحقاد والضغينة في توجهه سهام الكذب والتلفيق والتجريح إلى مسلك الملك فاروق من غير دليل أو برهان، أو حتى شواهد حقيقية. فإن الذين وجهوا تلك السهام لم يأتوا ولن يأتوا بأي قرينة حقيقية على ادعائهم.

فكل من زعموا تلك الأفعال والأعمال على الملك فاروق شهدوا في المحاكم، أو على أوراق الصحف، أو على صفحات الكتب، أنهم لم يروا تلك الأشياء التي قيلت على الملك فاروق، ولكنهم شهدوا بأن قالوا سمعنا، أو كان يقال كذا وكذا.

والحقيقة أن الملك فاروق بصفة خاصة، والملكية المصرية بصفة عامة، كانتا لهم خصوم وأعداء في الداخل والخارج، وفي مقدمة هؤلاء العدو الصهيوني، الذي دأب على تدمير الملك فاروق لموقفه الشجاع من الصهيونية وحرب فلسطين عام 1948.

أما المعية الملكية، فلم يكن لها تدخل فعال في توجيه الملك إلى أعمال غير قانونية، فلم يثبت فعليًّا أن الديوان الملكي تدخل في أي من أعمال الدولة، إلا في الأوجه الصحيحة والقانونية. أما المستشارون غير الموظفين رسميًّا فلم يكن لهم أي بصمة رسمية تدل على تدخلهم في أي عمل من أعمال الحكومة، أو أي شأن من الشئون الرسمية للدولة.

أما الحقيقة في كلام الأستاذ المراغي بالفقرة السابقة أنه كانت هناك علاقة نفعية ربطت الأستاذ مرتضى المراغي وكريم ثابت، فقد كان الأستاذ المراغي يتمنى أن يكون رئيسًا للوزراء بعد استقالة وزارة أحمد نجيب الهلالي الأولى، فطلب من كريم ثابت السعي لتحقيق تلك الأمنية على أن تكون وزارة الخارجية مكافأة له. وفي هذا الأمر يقول صلاح الشاهد: (صلاح الشاهد- ذكرياتي في عهدين- ط2 دار المعارف- القاهرة 1976- الجزء الأول).

«بعد استقالة وزارة نجيب الهلالي باشا الأولى في 30 يونيو (حزيران) 1952 كان أحمد مرتضى المراغي يسعى حثيثًا لرئاسة الوزراء، وهنا ظهر كريم ثابت واتصل به المراغي وأخبره أنه مستعد لأن يعين كريم ثابت وزيرًا للخارجية، فيما لو نجح في إقناع السراي عن طريق إلياس أندراوس ليتولى رئاسة الوزراء».

وهنا نقول لو كانت المعية الملكية، وخاصة المستشارين غير الرسميين أمثال كريم ثابت وإلياس أندراوس لها تأثير على الملك فاروق كما يدعي مزورو التاريخ، لكان كريم ثابت نجح في مسعاه لتحقيق أمنية الأستاذ المراغي برئاسة الوزراء. ولكن هذا الأمر لم يحدث، مما يدل على أن تلك الأقوال ما هي إلا ترهات وإشاعات.

إن القوة الخفية التي أمليت عليك با أستاذ مراغي هذا الكلام لم تكن قد عملت حيلًا وألاعيب كافية في كيفية تزييف التاريخ، مثلما فعلت هذه القوة الخفية مع مذكرات كريم ثابت؛ فجاءت مذكراتك هذه مشوهه متناقضة عابثة تثير فينا الضحك والعجب، بل الأسف.

يتبع مع الجزء الأول من الحلقة الرابعة عشرة بالمقال القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد