يقول المراغي

كنت معتادًا أن أتوجه كل يوم إلى حلوان، حيث منزل الأسرة لأقضى يوم العطلة، وأنعم بدفء حلوان وشمسها في أيام الشتاء. وفي يوم جمعة من شتاء عام 1947 كنت مديرًا للأمن العام. تأهبت للخروج لا تمشي في الصحراء التي كانت تفصل حلوان عن المنيل، وعند الباب رأيت شخصًا واقفًا تقدم إلي يحييني فسألته من هو؟ فقال إنه يحمل إلىَ رسالة من الشيخ حسن البنا. وسلمني إياها. فتحتها فوجدت أن الأستاذ قد حضر إلى حلوان ليلقي خطابًا في حفل تقيمه جماعة الإخوان، وأنه علم بوجودي في حلوان ويريد مقابلتي الساعة الواحدة بعد الظهر إذا رأيت ذلك مناسبًا. وإلا فلنحدد موعدًا آخر للقاء. أخبرت الرسول أني في انتظار الشيخ الساعة الخامسة. وقد بدأت علاقتي بالمرحوم الشيخ البنا حين حضر لمقابلتي فى وزارة الداخلية ليطلب مني أن أراجع قرار عقوبة وقعها على أخيه رئيسه الذي كان يعمل برتبة كونستابل في البوليس لمخالفة ارتكبها، ولما رجعت أسباب العقوبة، قلت له إن رئيسه محق في توقيع العقوبة. فقال أرجو أن تسامحه، وسأحاول أن أهديه لكي لا يعود إلى مثلها. وأذكر أني قلت له: إنك لا تهدى من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء. فأطرق قائلًا: نعم نعم، قلت له: سأوقف تنفيذ العقوبة ولا أرفعها، فإذا مضى زمن وحسن سلوكه فإني لا أرفعها. وشكرني وانصرف.

وفي الساعة الخامسة حضر الأستاذ البنا، وكان ذا لحية لا هي طويلة، ولا هي قصيرة، خفيف الخطا سريع الحركة والكلام. آية في الذكاء. يركز عينيه اللامعتين على محدثه، ثم يخفض وجهه، ثم يعود إلى التحديق. كان دمث المعشر حلو الحديث لا يمل منه الإنسان. إذ إن طبيعته الدينية خلت من التزمت. وبعد شرب القهوة وتبادل التحية قال: اعذرني إذا قطعت عليك عطلتك. ولكني وددت أن أختلي بك بعيدًا عن مكتبك؛ لأن عندي أشياء أود أن أقولها، وأود منك الإصغاء إليها.

قلت تفضل ومرحبًا بك.

قال عندى رسالة شفوية أرجو أن توصلها إلى القصر لأني أعلم أنك الوحيد الذي ستنقلها بأمانة. لقد كنت صديقًا للمرحوم والدك ( يقصد الشيخ المراغي شيخ الأزهر ) وقصدتك شخصيًا في موضوع، وأوجبت رجائى فارتحت إليك، كما كنت أرتاح لوالدك.

قلت: وما الرسالة؟

قال: إن رئيس الحكومة يريد حل جماعة الإخوان المسلمين. وهذا قرار بالغ الخطورة وقد تكون له مغبة وعواقب وخيمة أخشى منها كثيرًا. إذ إنه لا بد أن يقع بيننا وبين الحكومة أصطدام عنيف، ولا شك أنك تدرك ذلك بوصفك مديرًا للأمن العام. ونحن الإخوان نشعر بأن رئيس الحكومة (النقراشى باشا) قد جر الملك فاروق إلى خصومتنا، بما أرسله إليه من تقارير وضعها له عبد الرحمن عمار وكيل الداخلية تتضمن أننا نريد قتل الملك ونبذ تصرفاته.

قلت: يا أستاذ حسن هل تأذن لي أن أدبر لك مقابلة مع النقراشي باشا لعلك تستطيع فيها بلباقتك وحكمتك أن تصفي الجو بينه وبينكم؟

قال الشيخ حسن وهو يرفع يديه: لا أمل في الوفاق معه، إني أعرف طباعه. إنه عنيد وإذا ركب رأسه فلن يلوي على شيء. ثم إننا نستطيع أن نصبر على رئيس الحكومة؛ لأنه قد يترك منصبه في أي وقت، أما الملك فهو باق. أرجو أن تحمل إليه هذه الرسالة. إن الإخوان المسلمين لا يريدون به شرًا. قل له إننا لا ننبذ تصرفاته. إنه يذهب إلى نادي السيارات للعب الورق، ليذهب. وإلى النوادي الليلية ليسهر، فلسنا قوامين عليه.

الإخوان يقبلون الوزارة بلا شروط

سكت مليًا، ثم نظرت إلى الأستاذ فوجدته يحدق فىَ بنظرة نفاذة ليعرف تأثير كلامه قلت: يا أستاذ حسن إن رسالتك خطيرة وسأبلغها إلى الملك، وسأبلغ رأيك في حل الإخوان وخطورة عاقبته إلى النقراشى.

هز الأستاذ رأسه وقال: إني أعرف أنه عنيد، وسينفذ رآيه، ولكني رجوت أن تخبر الملك عله يقنعه بالعدول عن تلك الجريمة النكراء.

وقدحت عينه شررًا وقال:

نعم إنها جريمة نكراء يريد النقراشي ارتكابها. هل يظن أننا لعبة في يده يستطيع تحطيمها بسهولة؟

وانقلب الشيخ الوديع نمرًا هائجًا، ولكنه عاد إلى طبيعته الهادئة حينما رآني أنظر إليه وضحك قائلًا:

لا تؤاخذني إذا نسيت نفسي.

قلت يا أستاذ حسن: إن الإخوان المسلمين أصبح عددهم كبيرًا، وأصبحوا قوة. وخصومكم يقولون: إنكم انحرفتم عن أن تكونوا جماعة دينية، وأصبحتم حزبًا سياسيًا. لأنكم تقولون: إن الإسلام دين وسياسة، فلماذا لا تتقدمون للانتخاب ليكون لكم نواب يدافعون عن وجهة نظركم؟

قال الشيخ حسن: لقد قدمنا بعض المرشحين من أعضاء الجماعة إلى الأنتخابات، لا، باعتبارهم إخوانًا مسلمين، لأننا نعلم أن الحكومة ستعمل على إسقاطهم، ولكن كمستقلين، ولكن الحكومة عملت جهدها على إسقاطهم أتدري يا أستاذ مراغي متى نستطيع دخول الانتخابات بصفتنا إخوانًا مسلمين؟

قلت: متى؟

قال: حين يقبل الملك أن يكون لنا في الوزارة وزيران أو ثلاثة وزراء، عندئذ نعرف كيف نحظى بعدد من كراسي مجلس النواب.

قلت: هل يعني أنكم تقبلون دخول الوزارة إذا دعاكم الملك دون شروط؟

قال:  بدون شروط؛ لأن وجودنا ضروري لخدمة البلد، إن برنامجنا الاجتماعي إصلاحي يقوم على أسس قوية.

قلت: يا أستاذ حسن، وماذا يصنع وزراؤكم في رخص نوادي الميسر والملاهي والبارات والخمر؟

ضحك الأستاذ وقال: هذه قفشة لا بأس بها، ولكن تتعدل، وعسى أن يستطيع وزراؤنا إزالة ذلك المنكر.

قلت: لعل هذا من باب «والله لنخوضن إليكم الباطل حتى نصل إلى الحق»، أو من باب الضرورات تبيح المحظورات.

قال الأستاذ: نعم لك الحق، لقد فهمتها جيدًا وفسرتها يا أستاذ مراغي.

وفي اليوم التالي قابلت النقراشي باشا، ورويت له الرواية.

فهز رأسه أستخفافًا، وقال: كان أحسن لو لم تقابله.

قلت له: بل كان واجبًا. ثم أخبرته بأني سأرسل تقريرًا إلى الملك عن مضمون رسالته له، فصرخ قائلًا:

إنى آمرك ألا ترسل شيئا إلى الملك.

قلت: لقد وعدته.

قال: كيف تعده دون إذني؟

قلت: قد أكون أخطأت، وأرجوك أن تبلغ الرسالة أنت إلى الملك.

وكنت بالفعل قد كتبت تقريرًا بموضوع المقابلة سلمت النقراشي نسخة منه. فصرخ قائلًا:

هل تريد أن تفرض على رأيك؟

قلت أعلم أني موظف في وزارة الداخلية، وأنت الوزير. ولكني بصفتي مديرًا للأمن العام، أقول لك: إن العواقب خطيرة.

وفي هذه الأثناء دخل عبد الرحمن عمار وكيل الوزارة، وكان النقراشي هائجًا مزبد الوجه. فأشار إليه النقراشى بالجلوس، وقال:

أنظر ما فعله مدير الأمن وقص عليه الرواية.

وإذا بعبد الرحمن عمار يقول:

على كل حال المسألة منتهية يا دولة الرئيس، فقد انتهيت من وضع قرار حل جماعة الإخوان المسلمين، وسأعرضه غدًا عى دولتكم لتوقيعه.

هالني الأمر. فقلت: أرجو يا دولة الرئيس أن تقدر خطورة الأمر، وأن تتمهل في أصدار القرار. إن الإخوان المسلمين يشكلون منظمات وخلايا سرية لا علم لوزارة الداخلية حتى الأن بأسماء أعضائها. وقد يكون بعضهم داخل الوزارة، ومن حراس الأمن. وأنا أعلم أن كثيرين من ضباط الجيش هم من جماعة الإخوان.

قال النقراشى: هل تريد أن نقر الإرهاب، وتريد أن نعترف بشرعيتهم؛ لأنه حكم على بعضهم بالسجن. فهل تسمح لهذه الجماعة بأن تتمادى إلى حد قتل القضاة؟ لابد لي من حل هذه الجماعة.

ثم ضحك وقال: إني أعرف ديتها. إنها رصاصة أو رصاصتان في صدرى.

وصدقت نبوءة النقراشي؛ إذ توجه إلى وزارة الداخلية حوالى الساعة التاسعة صباحًا، وهم بدخول المصعد، تقدم إليه شاب يرتدي ملابس ضابط بوليس، وأطلق عليه رصاصة من الخلف، أصابت القلب، وتوفي على الأثر. وكانت الوزارة من الخارج والداخل محروسة بما لا يقل عن 200 شرطي مسلحين جميعًا بالأسلحة الأوتوماتيكية. والغريب أن أحدًا من الذين كانوا في بهو الوزارة وأمام المصعد لم يحاول أن يطلق على الجان طلقة واحدة أو يحاول إصابته. ولعل هول المفاجئة أذهلتهم، وخرج الضابط المزيف إلى فناء الوزارة محاولًا الهروب، ولكن قبض عليه وتبين أنه من جماعة الإخوان المسلمين.

التعليق

أود بداية أن أسجل  بعض الملاحظات على كلام الأستاذ المراغي في الفقرة السابقة وهى: أن في شتاء عام 1947 لم يكن موضوع حل جماعة الإخوان المسلمين مطروحًا على بساط أعمال حكومة النقراشي الثانية كما ادعى الأستاذ المراغي، لكن هذا الموضوع تم طرحه في أواخر عام 1948، بعدما اتهمت حكومة النقراشي  جماعة الإخوان المسلمين بارتكاب سلسلة من حوادث العنف. كما أن الأستاذ المراغي ادعى أيضًا في الفقرة السابقة أن شقيق الشيخ حسن البنا وهو عبد الباسط البنا كان يعمل بالبوليس، ويحمل رتبة كونستابل (بما يوازي الآن رتبة أمين شرطة)، لكن الحقيقة أن شقيق الشيخ حسن البنا وهو  عبد الباسط البنا كان ضابط بوليس يحمل رتبة يوزباشي (نقيب) في ذلك الوقت.

والأستاذ المراغي يحاول هنا أن يرسل لقراء مذكراته رسالة يقول فيها: إنه كثيرًا ما كان الجسر الممهد بين الملك فاروق وكثير من الشخصيات الكبيرة التي تريد أن تخبر الملك عن أمور هامة خاصة بالدولة، كما ذكر سابقًا في موضوعي الأميرة فايزة وسكرتير السفارة البريطانية، وها هنا يريد الأستاذ المراغي أن يخبرنا بأنه أيضًا كان حلقة وصل بين الشيخ حسن البنا وكل من الملك فاروق  والنقراشي باشا رئيس الحكومة في ذلك الوقت، طبعًا مقصد الأستاذ المراغي من ذلك أن يعطينا انطباعًا أنه كان ذا شخصية هامة ومؤثرة أثناء الحكم الملكي لمصر.

ولكن لم نجد من كتابات المؤرخين أو من الوثائق التاريخية لتك الفترة ما يؤكد كلام الأستاذ المراغي بأنه كان همزة الوصل بين الشيخ حسن البنا والملك أو بين الشيخ البنا وحكومة النقراشى أو الحكومات الملكية الأخرى، وخاصة بالنسبة لموضوع حل جمعية الإخوان المسلمين.

فالكتابات التاريخية تواترات بأنه كانت ثمة اتصالات بخصوص موضوع حل جماعة الإخوان المسلمين بين الشيخ حسن البنا والنقراشى باشا رئيس الحكومة عن طريق عبد الرحمن عمار (وكيل وزارة الداخلية في ذلك الوقت)، أو بين الشيخ حسن البنا وإبراهيم عبد الهادى باشا رئيس الحكومة الذي خلف النقراشي باشا عن طريق مصطفى مرعي (وزير دولة في حكومة إبراهيم عبدالهادي) وأيضًا عن طريق محمد زكي علي (وزير دولة في حكومة إبراهيم عبد الهادي).

وطبقًا للوثائق الخاصة بالنقراشي باشا، والتي أهدتها الدكتورة هدى شامل أباظة حفيدة النقراشي باشا (من جهة الأم حيث إن أمها هى صفية محمود فهمي النقراشي) إلى دار الكتب والوثائق القومية في يناير (كانون الثاني) 2018، نتطلع على خطاب موجه من الشيخ حسن البنا إلى الملك فاروق، يحث فيه الشيخ حسن البنا الملك فاروق إلى عدم التغاضي عن أخطاء النقراشي باشا في إدارة شئون الدولة، وبالذات الأمور الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين ومنها قرار النقراشي باشا المزمع بحل الجماعة.

ففي هذا الخطاب يقول الشخ حسن البنا: «حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول ملك وادي النيل حفظه الله، أحيي سدة جلالتكم المجيدة بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته مشفوعة بأصدق آيات الإخلاص وأخلص معانى الولاء.

يا صاحب الجلالة لقد حرمنا ثمرات جهادنا في فلسطين، أو كدنا، لا لضعف في جيشنا، أو تخاذل في شعبنا، أو نقص في عددنا، أو جهل بواجبنا، ولكن لتحكم السياسة المترددة في الحرب الصارمة، وتدخل رئيس الحكومة في شئون القتال، وتردده في مواجهة المواقف بما تقتضيه.

العالم كله الآن يا صاحب الجلالة تغلي مراجله بالأحداث الجسام، ويبدو في آفاقه كل يوم شأن جديد لا يقوى أبدًا دولة النقراشي باشا على أن يضطلع بأعباء التصرف فيه بما يحفظ كرامة مصر. والنزاهة وطهارة اليد لا تكفي وحدها لمواجهة هذه الغمرات المتلاحقة من أحداث الزمن ومضلات الفتن.

وفي وسط هذه اللجة من الحوادث الجسيمة يعلن دولة النقراشي باشا الحرب السافرة الجائرة على الإخوان المسلمين، فيحل بالأمر العسكري بعض شعبهم، ويعتقل بهذه السلطة نفسها بدون اتهام أو تحقيق سكرتيرهم العام، وبعض أعضاء هيئتهم، ويأمر الوزارات والمصالح المختلفة بتشريد الموظفين الذين يتصلون بالهيئة ولو بالاشتراك في أقسام البر والخدمة الاجتماعية إلى الأماكن النائية والمهاوى السحيقة، ولكن صدور هذه التنقلات في هذه الصورة القاسية تحمل معنى الانتقام والاتهام تجرح الصدور وتثير النفوس وتسيء إليهم في نظر رؤسائهم ومرؤوسيهم، ويصدر الرقيب العام أمرًا بتعطيل جريدتهم اليومية إلى أجل غير مسمى، ويتردد على الأفواه والشفاه قرار حل الهيئة ووعيد الحكومة لكل من اتصل بها بالويل والثبور وعظائم الأمور.

وأخيرًا يحاول دولة رئيس الحكومة أن يلصق بالإخوان تهمة الحوادث الأخيرة، ويلقي عليهم تبعات حادث مصرع حكمدار العاصمة الذي كان المركز العام للإخوان المسلمين أول من أسف له، وتألم منه؛ إذ كان رحمه الله معروفًا بعطفه على حركتهم، ودفاعه عن هيئتهم، ومواقفه الطيبة في ساعة المحن، ويحاول دولة رئيس الحكومة أن يتذرع بهذه الحرب الشعواء لتحقيقات لم ينته أمرها بعد، ولم يعرف البريء من المتهم إلى الآن، وإن كانت وزارة الداخلية في بلاغاتها الرسمية قد خالفت أمر النيابة وسبقت كلمة القضاء وأعلنت على رؤوس الأشهاد اتهام الأبرياء.

يا صاحب الجلالة أسمح أن أتجرأ في هذا المقام الكريم، فأقول إن هذه المجموعة من الإخوان المسلمين في وادي النيل هي أطهر مجموعة على ظهر الأرض نقاء سريرة وحسن سيرة وإخلاصًا للوطن والجالس على العرش.

وإن تحطيم دعوتهم والقضاء عليهم وهو ما تستطيعه الحكومة.. فإن نتائج هذا الموقف في مثل هذه الظروف غير مضمونة ولا معروفة.

يا صاحب الجلالة إن الإخوان المسلمين يلوذون بعرشكم، وهو خير ملاذ، ويعوذون بعطفكم، وهو أفضل معاذ، ملتمسين أن تتفضلوا جلالتكم بتوجيه الحكومة إلى نهج الصواب أو بإعفائها من أعباء الحكم ليقوم بها من هو أجدر بحملها».

 

وأيضًا ضمن الوثائق التي أهدتها الدكتورة هدى شامل لدار الكتب والوثائق القومية، تقرير كتبه عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية مقدم إلى النقراشي باشا رئيس الحكومة ووزير الداخلية يعرض فيه ملابسات حوار دار بين عبد الرحمن عمار والشيخ حسن البنا خلال مقابلة بينهما تمت بديوان الوزارة قبيل صدور قرار الحكومة بحل جماعة الإخوان المسلمين.

يقول التقرير

«حضر الليلة الشيخ حسن البنا إلى ديوان وزارة الداخلية وطلب مقابلتنا بحجة الإفضاء إلينا بأمور هامة يرغب في إبلاغها فورًا إلى حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء، لما قابلناه حدثنا بأنه قد علم بأن الحكومة قد أصدرت قرارًا بحل جماعة الإخوان المسلمين أو هي فى سبيل إصدار هذا القرار، وأنه يريد أن ينهي إلى دولة رئيس الوزراء بأنه قد عول نهائيًا على ترك الاشتغال بالشئون السياسية، وقصر نشاط الجماعة على الأمور الدينية.. وأنه يود من كل قلبه التعاون مع دولة الرئيس تعاونًا وثيقًا مؤيدًا للحكومة في كل الأمور، كما أعرب عن أسفه لكل ما وقع من جرائم ارتكبها أشخاص يرى أنهم اندسوا على الإخوان المسلمين، وراح يترحم على سليم زكي باشا قائلًا إنه كان صديقًا حميمًا، وكان بينهم تعاون وثيق، ثم تكلم مادحًا دولة النقراشى باشا قائلًا: إنه كان على يقين من نزاهته وحرصه على خدمة وطنه وعدالته في كل الأمور.. ثم قال إنه إذا قدر الأمر إلى الحكومة فيما اعتزمته من حل الجماعة فإنه يؤكد أنه ورجاله سوف لا تبدر منهم بادرة تعكر صفو الأمن؛ إذ لا يقدم على مثل هذا العمل إلا مجنون. كما أكد أن الحكومة لو تعاونت معه لضمنت للبلاد أمنًا شاملًا.. وختم حديثه بقوله إنه على استعداد للعودة بجماعة الإخوان المسلمين إلى قواعدها بعيدًا عن السياسة والأحزاب، متوفرًا على خدمة الدين ونشر تعاليمه، بل إنه يتمنى لو استطاع أن يعتكف في بيته ويقرأ ويؤلف مؤثرًا حياة العزلة، ثم جعل يبكي بكاء شديدًا».

وتقول الدكتورة هدى شامل أباظة عن الوثيقتين: إن الشيخ حسن النبا بعدما بعث بخطابه للملك فاروق بتاريخ 4 ديسمبر (كانون الأول) عام 1948 لتحريض الملك ضد النقراشي باشا رئيس الحكومة بسبب تصميم الحكومة على حل جماعة الإخوان المسلمين، ذهب إلى وزارة الداخلية لمقابلة عبد الرحمن عمار وكيل الوزارة  بتاريخ 7 ديسمبر 1948 لأجل استعطاف النقراشي باشا ومنعه من حل جماعة الإخوان المسلمين.

ولكن هناك اتجاه يقول إن الشيخ حسن البنا ذهب أولًا إلى وزارة الداخلية من أجل مقابلة النقراشي باشا، لكن النقراشي رفض فتمت المقابلة مع عبد الرحمن عمار وكيل الوزارة الذي ترجاه البنا بعدم حل جماعة الإخوان، وعندما لم يجد الشيخ البنا أي جدوى من المقابلة بعث خطاب إلى الملك يستعطفه بمنع النقراشي باشا رئيس الحكومة من حل جماعة الإخوان. وعندما لم يتلق ردًا  طلب الشيخ حسن البنا من حامد جودة رئيس مجلس النواب التوسط لدى النقراشي باشا رئيس الوزراء لبدء صفحة جديدة بين الحكومة والجماعة، لكن طلبه قوبل بالرفض، وأصر النقراشي باشا على قرار الحل الذي صدر يوم 8 ديسمبر عام 1948.

ولم تمض أكثر من 20 يومًا من صدور قرار حل جماعة الإخوان المسلمين، وفي يوم 28 ديسمبر تم اغتيال النقراشي باشا على يد أحد شباب جماعة الإخوان المسلمين يدعى عبد المجيد أحمد حسن وهو طالب بكلية الطب البيطرى.

يتبع مع الجزء الثاني من الحلقة الرابعة عشرة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة الرابعة عشرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد