يقول المراغي

قتل رئيس محكمة الجنايات

انعقدت محكمة جنايات مصر برئاسة المستشار الخازندار وكان قاضيًا يتميز بالعلم الغزير ونزاهة لا يرقى إليها الشك، لمحاكمة جماعة من الإخوان اتهموا بحيازة متفجرات وأسلحة. وكانت القضية التي عرضت على دائرة أخرى تلقت تهديدات عديدة بالقتل إذا حكمت على المتهمين وأخذت القضية تؤجل حتى انتهت إلى الدائرة التي يرأسها الخازندار. وطلب محامو المتهمين التأجيل ولكن الخازندار رفض التأجيل وأصر على النظر في القضية (على رغم تهديده بالقتل سواء برسائل أم مكالمات هاتفية) لصلابته المعهودة عنه. وحكم في القضية بحبس المتهمين مدة طويلة بالأشغال الشاقة. وهنا صدر عليه حكم الإعدام من محكمة الإخوان ونفذ كما يأتي:

خرج المستشار الخازندار من منزله صباح يوم مشمس من أيام الشتاء بعد أن ودع زوجته وقبل طفليه وأخذ يمشي على مهل من منزله في الجهة الشرقية من المدينة متجهًا إلى محطة السكك الحديدية ليستقبل القطار. ولم يبتعد عن منزله أكثر من 50 مترًا حتى انقض عليه شابان أحدهما في التاسعة عشرة والثاني في الثامنة عشرة وأطلقا عليه ست رصاصات سقط على أثرها قتيلًا، وفر الشابان صوب الجبل المحيط بحلوان. رآهما المارة فأسرع بإبلاغ البوليس الذي انطلق وراءهما. وسمعت زوجة المستشار صوت الطلقات. وأحس قلبها بأن شيئًا أصاب زوجها.

فخرجت حافية القدمين، ونظرت إلى بعيد لترى جثمانًا على الأرض وأشخاصًا ينحنون عليه، فخرجت إليه لتجده غارقًا في دمائه. وآخذت تحضنه وتناديه وتبكى وتنديه وتصرخ صراخ اليأس، ولحق رجال الشرطة بالشابين وقبضوا عليهما وبدأ التحقيق معهما في قسم حلوان، وأسرعت بحكم وظيفتي إلى القسم لحضور استجوابهما.

رأيتهما هادئين باسمين: كان أحدهما ضخم الجثة طويلًا وكان الآخر قصيرًا نحيفًا. وبدأ وكيل النيابة التحقيق، وسأل أولهما عن اسمه فأجاب ولماذا تريد معرفة اسمي؟ وسأل الثاني فأجاب اسأل زميلي يقل لك اسمي. وضحك، فنهرهما وكيل النيابة وأعاد السؤال. فذكر كل منهما اسمه، وسألهما هل أطلقا الرصاص على المستشار الخازندار؟ فردا بكل برود: ومن هو الخازندار، ثم امنتعا عن الرد على أي سؤال. فتوقف وكيل النيابة عن التحقيق. ولكن أحد رجال البوليس حاول التكلم معهما فضحكا ولم يردا عليه. فسكت وبعد ذلك مال الصغير النحيف على أذن الضخم وأسر إليه شيئًا استغرق بعده في ضحك مكتوم حتى دمعت عيناه.

فقلت له: هل أستطيع أن أعرف ما الذي أضحكك؟

فرد مبتسمًا: لأن صاحبي هذا خفيف الدم، وقال نكتة حلوة، وهو دائمًا يسليني بإلقاء النكت.

تملكني غضب وحنق لا حد لهما. قاتلان يقتلان مستشارًا على درجة ممتازة من العلم والخلق ويرملان زوجة شابة. وييتمان طفلين ولا يأبهان بشيء ولا يحسان بفداحة الجرم الذي ارتكباه، ثم يتماديان في الاستهتار بالمحقق ورجال الأمن، ويتبادلان النكات بدلًا من الرد على أسئلة وكيل النيابة. لا بد أن يكون في الآمر شيء، إنهما لا يتصرفان كأشخاص عاديين لهم عقل وتفكير. هل هما مجنونان؟ لم أجد دلالة واحدة على هذا الافتراض، هل تناولا شيئًا من المخدر؟

قنبلة زمنية لقتل كل القضاة

بعد موت النقراشي، عين الملك إبراهيم عبدالهادي، وهو عضو بارز في حزب السعديين الذي كان يرأسه النقراشي – رئيسًا للوزراء. وكان في عزمه شيء واحد، وهو أن ينتقم لزعيمه وأن يقضي على جماعة الإخوان. فجرت الحكومة عليهم حملة لا هوادة فيها. وقبض على عدد كبير منهم اودعوا السجون، وادعى الكثير منهم أنهم لاقوا معاملة وحشية تناولت تعذيبهم وضربهم وحرمانهم من الطعام وزيارة الأقارب. ولم ترهب الحملة الإخوان فأرادوا أن يعملوا عملًا يحدث دويًا مروعًا يدل على أنهم أقوياء، وأن حكومة عبدالهادي لم تقدر على قص جناحهم. وكان ذلك العمل سيحدث دويًا مروعًا حقًا بل خرابًا شاملًا وضحايا كثيرة لو تم تنفيذه. ولولا المصادفة الحسنة لوقع ذلك الخراب.

فقد كان أحد الجنود ممن انتهت خدمته اليومية يسير في فناء محكمة الاستئناف العالي. وجد سيارة جيب فيها صندوقان خشبيان كبيران وعلى بعد منها سيارة جيب فيها شخصان جالسان وشخص آخر قادم إليهما من ناحية السيارة الجيب. وتذكر رجل الشرطة أنه رأى وجه الشخص القادم من الجيب. وأنه يعرف ذلك الوجه. وعصر فكره قليلًا ليتذكر أنه عضو في جماعة الإخوان المسلمين. فجرى وراءه ليسأله هو ومن يركبون الجيب عن هويتهم. وعند اقترابه منهم أدركا أنه عرفهم فقفزوا من السيارة وركض الثالث وضاعوا وسط زحام الجماهير. وأسرع الجندي إلى مركز الشرطة ليلقي إليهم باشتباهه. ولم يتردد ضابط المركز في طلب خبير بالمفرقعات. وانتقل الجميع إلى عربة الجيب المحملة. ووجدوا أن الصندوقين متصلان بقنبلة زمنية، وفيها كمية من الديناميت لو انفجرت لدمرت دار القضاء العالي بما فيه من قضاة يبلغ عددهم مائتين ومتقاضين يبلغون الألوف، بل وكانت دمرت جزءًا كبيرًا من الحي.

أما الصيد الثمين الذي لا يقدر بثمن لحكومة إبراهيم عبدالهادي فقد عثر عليه في أحد المنازل عند تفتيشها. حين وجد سجلًا كاملًا يحوي التنظيم والخلايا السرية لجماعة الإخوان المسلمين وأسماء أعضائها كاملة. ومن المصادفات العجيبة أن هذا الكشف الذي أودع في أضابير إدارة الأمن العام أيام حكم إبراهيم عبد الهادي، وكان أثمن هدية تلقاها المرحوم جمال عبد الناصر من حكومة ما قبل الثورة، لأن هذا الكشف للتنظيم السري ساعد عبدالناصر في القضاء على الإخوان المسلمين، بعد حادث الاعتداء عليه وهو يخطب في ميدان المنشية في الإسكندرية. إذا أطلق عليه أحد جماعة الإخوان النار ولم يصبه. وكان عبدالناصر معهم بالغ القسوة. إذ شنق 12 من كبار زعمائهم ونكل بأعضاء التنظيم السياسي تنكيلًا شنيعًا إذ اودعوا بالآلاف في السجون والمعتقلات وعذب بعضهم حتى الموت، وحرمت أسرهم من معاشهم.

ولعلها مفارقة عجيبة أن إبراهيم عبدالهادي حكم عليه في عهد الثورة بالإعدام لأنه عذب الإخوان المسلمين. ثم خفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

مصرع الشيخ حسن البنا

كان الشيخ حسن البنا يعلم أن أيد كثيرة تتربص به لقتله. فكان يحتاط لنفسه كثيرًا ويسير دائمًا بصحبة حرس. ولكن الأيدى المتربصة كانت وراءها عيون تراقب تحركه ليل نهار وتتبع خطاه أينما سار. وكانت الأيدي المتربصة أيدى قوية تدعمها رؤس كبيرة تخشى من الشيخ حسن البنا أن يطيح بها كما أطاح حسب اعتقادها بالخازندار والنقراشي وأحمد ماهر وكان الحرس الحديدي قد عجز عن قتل النحاس مرتين، ولم يعد هناك صبر على تجربة ثالثة لو فشلت فقد تجد ردًا صارمًا.

لقد وجد الراغب في القتل له من ينفذ جرائمه فلم لا يجرب؟ إنه ضابط بوليس كبير. كان يقتل المجرمين أو ذوي الشبهة، وأصبح الإقليم الذي يديره نظيفًا منهم واستحق على ذلك ثناء ومكافأة. لقد تنبه رجال الحاشية. فعهدوا إليه أمر الشيخ حسن البنا، ولم يردد هو بدوره في القيام بالمهمة الموكولة إليه.

وذات ليلة خرج الشيخ حسن البنا لزيارة أحد أصدقائه ولم يصحبه حرسه لأن صديقًا له استعجل لقاءه. وطلب الشيخ البنا حرسه ولم يكن موجودًا، فخرج بغير صحبتهم. ولم يدر أن سيارة كانت في انتظاره وأنها أخذت تتبع سيارته. ويشاء سوء حظه أن يكون منزل صديقه في جهة غير آهلة بالسكان وغير محروس بالشرطة. وهم الشيخ بالنزول فتقدم أحد الذين كانوا في السيارة الثانية وأطلق النار، أصيب الشيخ إصابة بالغة ولم يمت. وأسرع المارة إلى مركز البوليس يخطرونه بالحادث وانتقل البوليس. ولكن الإسعاف لم يحضر إلا بعد مرور ساعة على إصابة الشيخ حسن البنا، وكان دمه قد نزف كله. فهل أبطأ البوليس في إخطار الإسعاف أو أبطأ الإسعاف الذي نقله إلى المستشفي في حال ميئوس منها؟ الجواب عند الحرس الحديدي الثاني والرؤوس الكبيرة، وقد حدثت ليلة قتل الشيخ البنا قصة طريفة. فقد كان يوسف رئيس الحرس الحديدي يسمع الراديو في آخر نشرته الإخبارية. فسمع خبر الاعتداء على المرحوم الشيخ البنا. فذهب إلى التليفون وطلب جناح الملك في القصر. فرد عليه أحد أتباع الملك فأخبره أنه يريد التحدث إلى الملك. وعاد رجل الحاشية يقول:

قال لي ماذا تريد لأن الملك مشغول.

فقال له: أرجو أن يكون جلالته مسرور منا؟

رجل الحاشية: مسرور على ماذا؟

قال يوسف: على قتل حسن البنا.

فضحك رجل الحاشية وذهب وأخبر الملك. وعاد يقول: مولانا يقول لك اتلهي على عينك ما شأنك أنت… أنهم غيرك!

التعليق

بالنسبة لإشارات الأستاذ المراغي لموضوع جماعة الإخوان المسلمين، فإنه لم يأت بجديد وإن كانت هذه الإشارات إشارات عامة وغامضة، وليست وقائع محددة وواضحة غير أن بها الكثير من الأخطاء، وأعتقد أن شخصية بحجم مرتضى المراغي لا تقع فيها بسهولة ومن غير قصد.

 

كما أن سيناريو مقتل الشيخ حسن البنا والذي ذكره الأستاذ المراغي في مذكراته هذه يخالف عما متعارف عليه من أن الشيخ حسن البنا تم اغتياله أمام جمعية الشبان المسلمين بشارع الملكة نازلي (شارع رمسيس حاليًا) بعد لقائه مع الأستاذ محمد الناغي المدير الإداري بجمعية الشبان المسلمين. أيضًا ذكر الأستاذ المراغي سيناريو لأقصوصة يقول عليها هو أنها طريفة، وهي عن حوار تليفوني دار بين يوسف رشاد رئيس الحرس الحديدي (كما زعم المراغي) وسكرتير الملك لأجل إبلاغ الملك بحادث قتل الشيخ حسن البنا… ونوجه نفس السؤال الذي كررناه كثيرًا في الرد على هذه المذكرات وهو: كيف عرف الأستاذ المراغي بأمر تلك المكالمة التليفونية؟ وهل يعقل أن يكون تليفون الملك مراقب، لقد اغتيل الشيخ حسن البنا في 12 فبراير عام 1949 وفي ذلك الوقت لم تكن رقابة التليفونات منتشرة، لأن تكنولوجيا رقابة التليفونات كانت في مهدها وتتسم بالضعف الشديد، بل كانت محدودة جدًا وفي نطاق طيق للغاية، وقد بدأت رقابة التليفونات تظهر على استحياء مع بداية عام 1950.

غيرأن سيناريو محاولة نسف محكمة الاستئناف الذي عرضه الأستاذ المراغي في مذكراته تخالف تمامًا عما دون في تحقيقات النيابة أو عما قيل في محاكمات أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المتهمين في حوادث عنف.

والأستاذ المراغي يتهم هنا الملك فاروق بتدبير عملية اغتيال الشيخ حسن البنا، وبالرغم من نفي المتهمين الذين تم القبض عليهم صلتهم بالقصر الملكى وأيضًا نفي الحكم الصادر على المتهمين في إعادة محاكماتهم عام 1954 بتورط الملك في حادث الاغتيال، إلا أن آراء الباحثين والكتاب اختلفوا حول المحرض لعملية الاغتيال، فمنهم من زعم أنه الملك فاروق وذلك لقلق الملك من قيام الإخوان بعملية انقلابية ضده، ومنهم من اتهم الحزب السعدى وذلك انتقامًا من الإخوان لقيامهم بعملية قتل رئيسه النقراشي باشا، ومنهم من أشار إلى المخابرات الإنجليزية والأمريكية لاستشعارهم بخطورة الإخوان على مصالحهم ونفوذهم، ومنهم من قال باحتمالية أن تكون إسرائيل وذلك لوقف المتطوعين والفدائيين القادمين إليها من الإخوان أثناء حرب فلسطين، ومنهم من ألمح إلى أحفاد الأمام يحيى حميد الدين بسبب تورط الإخوان في محاولة الانقلاب التي حدثت باليمن عام 1948 والتي أدت إلى مقتل الإمام يحيى حميد الدين حاكم اليمن.

ولكن من المعروف أن جماعة الإخوان المسلمين ومواقفها تناولتها العديد من الكتابات سواء الكتابات الصحفية أو ما سطر عنها في المذكرات والمراجع، وجميع هذه الكتابات أو المذكرات أو المراجع استمدت ما بها من معلومات حول موضوع جماعة الإخوان المسلمين وخاصة ملابسات مقتل الشيخ حسن البنا من محاضر جلسات إعادة فتح التحقيق الخاص بحادث اغتيال الشيخ حسن البنا ومحاكمة المتهمين المتورطين في هذا الحادث أمام محكمة جنايات مصر، وهو الموضوع الذي دونته الصحف في نهائيات عام 1953 وبداية عام 1954.

لكن كل كاتب من هؤلاء أخذ تلك المعلومات واتجه بها إلى الاتجاة السياسي الذي يؤمن به، فجماعة الإخوان المسلمين وكتابهم اتجهوا بتلك المعلومات التي اقتبسوها من تلك المحاكمة إلى الاتجاة الذي يتوافق مع آرائهم، والطرف الآخر الذي يخالف الإخوان المسلمين أخذ معلوماته من تلك المحاكمة بما يتفق مع اعتقاده السياسي.

ولكي نتفادى الوقوع في تلك الشبهة فإننا سوف نعرض تلك المحاكمة كما دونتها صحيفة الأهرام نهائيات عام 1953 وبداية عام 1954. ولن ندلى برأينا في هذا الموضوع وليكن تدخلنا فقط لتوضيح النقاط الغامضة أو التعريف بالشخصيات غير المعروفة، وليكن القارئ هو الحكم الوحيد في هذا الموضوع.

وقد استمعت هذه المحكمة لعدد من الشهادات التي تبين طبيعة وأهداف جماعة الإخوان المسلمين ومواقفها من الأحداث التي واجهتها الدولة المصرية قبل عام 1950. ومن تلك الشهادات الهامة شهادة الأستاذ مصطفى مرعي السياسي الشهير والوزير السابق.

واللواء صالح حرب (وزير سابق) والأستاذ محمد زكي علي (وزير سابق)، الذين أدليا بشهاداتهم أمام محكمة جنايات مصر في قضية مصرع المرحوم الشيخ حسن البنا والشروع في قتل صهره الأستاذ عبدالكريم منصور المحامي والمتهم فيها كلا من: الأميرالاي (عميد) محمود عبدالمجيد والبكباشي (مقدم) حسين كامل والبكباشي (مقدم) محمد محمد الجزار واليوزباشي (نقيب) عبده أرمانيوس والأمباشي (رقيب شرطة) أحمد حسن جاد والصول (مساعد شرطة) محمد محفوظ والمخبر محمد سعيد أسماعيل والجندي حسنين محمدين رضوان والترزي مصطفى أبو الليل. وكانت المحكمة برئاسة المستشار الأستاذ كامل أحمد ثابت وحضور الأستاذ على نور الدين الوكيل الأول في نيابة أمن الدولة وعضوية المستشارين أحمد مختار وكامل البهنساوي وذلك بجلستها المنعقدة في صباح يوم 17 فبراير 1953.

ولكي نتعرف من قرب على جماعة الإخوان المسلمين من حيث طبيعة تلك الجماعة وأحوالها وأهدافها ومواقفها من الأحداث السابقة عن العام 1950 وملابسات اغتيال الشيخ حسن البنا. فسوف نعرض شهادة كلا من الأستاذ مصطفى مرعي والأستاذ محمد زكي على واللواء صالح حرب… في المحاكمة السابق ذكرها والتي نشرتها جريدة الأهرام يوم 18 فبراير 1953 ويوم 19 فبراير 1953 وهي كالتالي:

وعلى أثر عقد الجلسة دعى الأستاذ مصطفى مرعى المحامي لأداء الشهادة فلبى وحلف اليمين وسأله رئيس المحكمة عن معلوماته فقال:

في الأسبوع الأول من وزارة إبراهيم عبدالهادي، اتصل بي صالح حرب وأفهمني أن الشيخ البنا يطلب مقابلتي لأشياء يريد أن يصارحني بها، ولم أكن أعرف عن الشيخ البنا إلا ما أسمعه عنه ولم أكن أعرفه شخصيًا، ومع ذلك استجبت لطلب صالح حرب ولما كان منزله بجواري فقلت له إن شئت سأوافيكم اليوم الساعة السابعة مساء فوافق.

وقدرت في هذا أن الشيخ كان معه فذهبت في الموعد ولم أشأ أبدًا الحديث وتركت ذلك للشيخ لأنه الطالب فإذا به يشكو من موجات في القبض على الإخوان، فقلت له أريد أولًا أن أعرف هل الذي قتل النقراشي من الإخوان ولما كان رده بالإيجاب، فقلت له إذن المسوغ قائم للحكومة في القبض على بعض الإخوان.

وأضفت إلى ذلك أن هناك حوادث أخرى أصارحك بها لأنها آلمتني أشد الألم، ومن بينها حادث قتل المرحوم الخازندار، وما دام في الجماعة مجرمون فإذا كانت الحكومة قد رأت اعتقال بعضهم صونًا للأمن فهذا واجب وعلى الفرض أن القبض تناول أبرياء فهذا مقبول أيضًا.

وقال الشيخ البنا أن الجريمة دخلت علينا دون أن يعلم بها وأقسم بالكعبة.

وقال الشيخ أيضًا، ولقد فكرت جديًا في حل الجماعة قبل أن يحلها النقراشي، لولا أنني قلت أن هذا قرار خطير وأنني آسف أن أهدم بيدي ما بنيته في عشرين عامًا.

وما أن سمعت أنا هذا الكلام من الشيخ البنا حتى فكرت وقلت له إذا كانت هذه المعاني في خاطرك، فهل تسجلها في بيان ينشر على الناس وعنئذ سيهدأ مريدوك وأنصارك لأنهم يعرفون أن الحكومة إذا كانت قد حلت الإخوان فتديها الأسباب.

وستهدأ الحكومة أيضًا وعلى ذلك أرى أن تكتب فورًا هذه المعاني ونصدر بها بيانًا ينشر حالًا. وقلت له نحن في حرب مع اليهود، وأني لا أسمح لنفسي بأن أبوح لك بسر بأن اليهود كادوا يدخلون حدود مصر وأعتقد الذي يحارب نفسه لا يملك أن يحارب عدوه. وقد أقرني الشيخ على هذا الرأي، وأقررته أنا على المعاني الجميلة التي ذكرها. ثم طلب مني إمهاله بعض الوقت وانصرف على أن نتلاقى في نفس المكان غدًا. وفيه أوافيه، وقرأت بيان الشيخ حسن فاذا به يتضمن بعض المعاني، وليست كلها، فلم يسعني إلا أن أقول أنه فكر في حل الإخوان قبل الحكومة، وإن الجريمة وقعت دون علمه، وأنا رأيت من الخير أن ينشر هذا البيان وكانت غايتي أن يهدأ الحال، لأن البلاد كانت مهددة وأنا لا أستطيع أن أذكر أكان ذلك في المجلس الثاني أو المجلس الأول والذي أذكره أننا اتفقنا على صيغته.

وكنت قد ذكرت لإبراهيم عبدالهادي فحوى الحديث الأول الذي دار بيني وبين الشيخ رحمه الله، فأقرني على هذا السعي وعلى إصداره بيانًا بعنوان «بيان للناس» ولما اطلعت عليه الأستاذ عبدالهادي اغتبط ونشر البيان في اليوم التالي.

يتبع مع الجزء الثالث من الحلقة الرابعة عشرة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر نهاية الحلقة الرابعة عشرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد