حسين سري رئيسًا للوزارة

وكما ذكرت من قبل كانت حكومة الوفد في الحكم عند وفاة فؤاد، وعقب ذلك عاد فاروق الذي كان في الخارج وتولى مجلس الوصاية الحكم فترة شهور قليلة، إلى أن جاءت الفتوى بتولى فاروق سلطات الملك عند بلوغ سن الثامنة عشرة هجرية.

ولم يستطع الوفد أن يعمل مع فاروق طويلًا، وكانت الإقالة الشهيرة بالغة الوقاحة التي وجهها فاروق قبل أن يبلغ سن الثامنة عشرة من عمره إلى رئيس أقوى حزب في مصر.

وعندما قامت الحرب بين إنجلترا وحليفتها من جهة وألمانيا وإيطاليا من جهة أخرى، كانت إيطاليا تحتل ليبيا المجاورة لمصر وتهدد مواصلات إنجلترا في البحر الأبيض المتوسط، وفي خلال ذلك كان علي ماهر قد عاد إلى موقعه رئيسًا لديوان الملك، وهو الذي أوضح له طريق إقالة النحاس، ولكن علي ماهر كان يطمح في الوصول إلى رئاسة الوزراء، وقد حاول ذلك بالفعل، ولكن فاروق اختار لرئاسة الوزراء صهره حسين سري باشا، وكان مهندسًا.

أزمة بسبب خطبة!

أخذت القوات الألمانية تجتاح أوروبا واحتلت بلجيكا وهولندا وفرنسا، وتحطمت القوات الإنجليزية في دنكرك، واستولت إيطاليا على إريتريا والصومال، ودخلت اليابان الحرب واستولت على ماليزيا وبورما وسنغافورة. ولم يبق مجال للشك في خاطر علي ماهر مستشار الملك في أن الحرب وشيكة الانتهاء بانتصار محور ألمانيا – إيطاليا على إنجلترا وحلفائها.

وكانت ميول الملك فاروق واضحةً، وكان يردد في النوادي التي يرتادها ملاحظات كلها سخرية من بريطانيا وحلفائها، وزاد الأمر سوءًا أنه كان بالقصر حاشية كبيرة من الإيطاليين قيل إنهم يعملون جواسيس للمحور، ويرسلون رسائل لاسلكية بالشفرة إلى إيطاليا عن مواقع قوات الحلفاء وتحركاتها. وقد طلبت الحكومة البريطانية من الملك فاروق إبعاد الإيطاليين عن القصر، ولكنه رفض وازدادت بذلك العلاقة معهم سوءًا. ولكن كانت هناك أيضًا وجهة نظر أخرى من رجال بارزين ذوى نفوذ لهم كلمة مسموعة لدى القصر. هؤلاء الرجال كانوا يرون أن الوقت قد حان لمطالبة الحكومة البريطانية بأن تعلن رسميًا الاعتراف باستقلال مصر على أثر انتهاء الحرب، وجلاء القوات البريطانية عنها، وقام شيخ الأزهر في ذلك الوقت الشيخ مصطفي المراغي (والدي) بأول حملة، إذ أعلن من منبر الأزهر عقب صلاة الجمعة، أن مصر لا تستطيع الدخول في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، وطلب أن تعلن القاهرة مدينة مفتوحة لكثرة الأماكن المقدسة فيها، فهى تغير عليها طائرات المحور.

ولقد استجاب المحور فورًا لذلك النداء، وأعلن راديو برلين وبارى موافقة الحكومتين الألمانية والإيطالية على جعل القاهرة مدينة مفتوحة، وفي اعتقادى أنه وإن كان المحور قد تلقى كسبًا سياسيًا من هذا الإعلان. إلا أن تصديقها كان يعد سذاجةً تامةً. فقد كانت القاهرة المركز الرئيس لتلقي الإعدادات العسكرية التي تصل إلى ميناء السويس تفاديًا من دخول قوافل التموين البحر الأبيض المتوسط. وكانت محطة القاهرة تتلقى ليل نهار القطارات الناقلة للدبابات والمدافع والذخائر والمؤن، وترسلها إلى جبهة القتال في الصحراء الغربية، ولو أن محطة سكة حديد القاهرة ضربت وعطلت للقي البريطانيون عناءً شديدًا من تمويل جيش الصحراء الغربية.

وعلى الرغم من كل ذلك ذهب السفير البريطانى مايلز لامبسون إلى رئيس الوزراء سري باشا يحتج على خطبة شيخ الأزهر وطلب رئيس الوزراء مقابلة شيخ الأزهر وعاتبه على الخطبة التي قيلت دون عرضها على الحكومة المصرية، ودار بينهما الحوار التالي:

قال حسين سري: يا سيدنا الشيخ، هل تعلم أن السفير البريطانى حضر اليوم إليّ محتجًا على خطابك في الجامع الأزهر؟

قال سيخ الأزهر: لا أعلم ولكن لم يحتج؟

قال رئيس الوزراء: لأنك قلت: إن مصر يجب ألا تدحل حربًا لا ناقة لها فيها ولا جمل.

يطلب إليه الاستقالة

قال شيخ الأزهر: وماذا كان ردك عليه؟

قال رئيس الوزراء: قلت له: إني سأستوضحك في هذا الخطاب.

قال شيخ الأزهر: اسمع يا سري باشا، إنك مارست السياسة منذ عهد قريب جدًا، ولم تعركها وتسبر أغوارها، ولكن بدلًا عن أن تقول للسفير البريطانى إنك ستستوضحني، أما كان الأولى بك أن تقول له: (آه باسم الحكومة المصرية، إن مصر لا مصلحة لها في إعلان الحرب على المحور من غير إعطائها تعهدًا بالاستقلال عن بريطانيا، ووعدًا بجلاء القوات البريطانية).

قال رئيس الوزراء: يا سيدنا الشيخ، أنت تعلم أن الحلفاء في مأزق، وهم في حالة تقترب من الهزيمة، فهل من اللياقة أن نحرجهم وهم في هذه الحالة السيئة؟

قال شيخ الأزهر: قلت لك إنك لم تعرك السياسة.

قال رئيس الوزراء: إننى لا أسمح بهذا الكلام.

قال شيخ الأزهر: تسمح أو لا تسمح سيان. يجب أن أقول لك إن السياسي الذي في يده مصير أمة يجب ألا يكون عاطفيًا يرعى شعور المحتل الذي يجثم على صدره. وإنما يجب أن يكون واقعيًا ينتهز الفرصة الملائمة ليحصل على ما يريد لأمته، بل ليحصل على أقصى ما يمكن. إن البريطانيين حين كانوا أقوياء طالبناهم مرارًا باستقلال مصر باسم العدالة وحرية الشعوب، فلم يأبهوا لنا ولم يعطونا شيئًا. وهذه الأن هي الفرصة الوحيدة التي يجب الضرب فيها على الحديد الساخن للحصول على استقلالنا، اذهب اليوم إلى السفير البريطاني، واطلب منه تعهدًا باستقلال مصر. فإذا أعطاك إياه فقل لي، وستجدني ذاهبًا إلى الجامع الأزهر واقفًا على منبره لأقول للمصلين وشعب مصر: إن لنا في هذه الحرب ألف ناقة وألف جمل. وادخلوها على بركة الله.

قال حسين سرى: إنني لا أستطيع أن أطلب منه ذلك.

قال الشيخ المراغي: وماذا تريد مني إذًا؟

قال رئيس الوزراء: أن تنفي أنك تريد إحراج الإنجليز.

قال شيخ الأزهر: وهو يقوم من مقعده ويتكئ على عصاه: لن أفعل ذلك أبدًا، وإذا أردت أن تقيلنى من وظيفتى فافعل، ولكن لي نصيحة لك، وهى أن تترك رئاسة الحكومة لشخص يستطيع أن يطلب التعهد من بريطانيا بإعطاء مصر استقلالها.

التعليق

لا يوجد دليل يقينى على صحة الحوار الذي دار بين الشيخ المراغي ورئيس الحكومة حسين سري باشا على النحو السابق. ولكن مقولة الشيخ المراغي أن ليس لمصر ناقة ولا جمل من دخول الحرب.. هذه مقولة قالها بالفعل الشيخ المراغي.. أما حوار الشيخ المراغي مع رئيس الحكومة حسين سرى باشا فإننا نشكك في صحته؛ لأنه لا يستقم مع الأمور المتعارف عليها.. فهل يعقل أن الشيخ المراغي يتدخل بهذا الشكل الصارخ في عمل الحكومة، ويطالب، بل يأمر رئيس الحكومة بفعل أشياء ليس من اختصاصه (أى ليس من اختصاص الشيخ المراغي).. وهل من اللياقة أن يتحدث شيخ الأزهر وهو العالم الجليل مع رئيس الحكومة بهذا الشكل المنافي لكل أدبيات الأحاديث.

نحن نعرف عن الشيخ المراغي أنه مولع بالسياسة، وله الكثير من الأحاديث، والآراء السياسية، وخاصة اشتغال شيوخ الأزهر بالسياسة.. ففي مذكرات حسن يوسف وكيل ورئيس الديوان الملكي بالنيابة يقول:

بقيت مسألة الاشتغال بالسياسة، قال المفتي الشيخ عبد المجيد سليم: إن الأزهر ينبغى أن يكون بعيدًا عن السياسة.. وقال الشيخ المراغي: إن للأزهر تاريخًا طويلًا في الانضمام إلى الحركة الوطنية، وكان له دور بارز في ثورة 1919، ثم في انتفاضة 1935، فكيف يتسنى إبعاد تلك الجماعات المثقفة عن الاهتمام بما يجرى في البلاد من أحداث؟ وقد صمم المفتى على رأيه، وقال الشيخ المراغي: إن الاشتغال بالسياسة لا يعنى الانتماء إلى حزب من الأحزاب أو الولاء لهيئة دون أخرى.

ويواصل المراغي حديث مذكراته بقوله

واستقال حسين سري بالفعل، وبدت الفرصة كبيرة لعلي ماهر الطامع في رئاسة الوزراء، فشكل وعين صالح حرب باشا وزيرًا للحربية، وكان يكره بريطانيا، وقام بتصرفات أثارت ثائرتهم.

التعليق

أعتقد أن الأستاذ المراغي في السطرين السابقين سرد بعض الموضوعات التاريخية دون تركيز ذهني، أو التحقيق والتأكد من صحة تلك الموضوعات؛ مما أوقعه في الخطأ.. فالمعروف تاريخيًا أنه بعد استقاله وزارة حسين سرى في فبراير (شباط) 1942 شكل مصطفي النحاس الوزارة المعروفة بوزارة 4 فبراير.. أما وزارة علي ماهر التي تولى فيها صالح حرب وزيرُا للحربية، فقد تم تشكيلها بعد استقالة وزارة محمد محمود في أغسطس (آب) عام 1939.

ويستكمل المراغي حديثه فيقول:

تقدم يا روميل

كانت المعارك بين القوات الإنجليزية وقوات المحور في الصحراء الغربية في ذلك الوقت على أشدها، وقد بدأت تسير في غير صالح الإنجليز.

وكانت مصر اعتبارًا من نهاية عام 1940 قد بدأت تعيش حالة حرب، وتتعرض للغارات الجوية التي اشتدت على مدينة الإسكندرية والقاهرة، وقد اضطر الألوف للهرب منهما إلى الريف في الوقت الذي قامت فيه الحكومة بإنشاء عدد كبير من المخابىء في القاهرة والإسكندرية؛ ليلجأ إليها المواطنون عند الغارات، ولأن الموقف العسكرى قد بدأ يتطور لصالح قوات الألمان بقيادة روميل فقد شهدت القاهرة في الأسبوع الأخير من يناير (كانون الثاني) 1942 مظاهرات نادى فيها المتظاهرون بسقوط الإنجليز، وترددت هتافات تعلن: تقدم يا روميل.. تقدم يا روميل. ولم تكن هذة النداءات حبًا في روميل أو الألمان، وإنما كراهية الذين يحتلون مصر، والذين بسببهم واجهت البلاد حالة الحرب والغارات.

النحاس يرفض

أزعجت هذه المظاهرات الإنجليز، وقرروا اتخاذ إجراءات تؤمن لهم ظهرهم في داخل مصر، وانتهى رأيهم إلى إسناد تشكيل الوزارة إلى رئيس وزراء له شعبية تحبه الجماهير حتى تستقطب مشاعرهم المشتتة.

وبالطبع لم يكن هناك من يملك هذا غير مصطفي النحاس رئيس حزب الوفد.

وقام السفير البريطانى سيرمايلز لامبسون (وقد اشتهر باسم لورد كيلرون) بإبلاغ فاروق رغبة بلاده في أن يتولى النحاس رئاسة الوزاراء. وفي يوم 3 فبراير (شباط) 1942 استدعى فاروق النحاس على أساس أن يطلب منه تشكيل الوزارة، ولكنه بدلًا عن أن يطلب إليه رئاسة وزارة وفدية، فإنه طلب إليه تشكيل حكومة ائتلافية تضم مجموعة الأحزاب الموجودة في ذلك الوقت. ولكن النحاس رفض عرض فاروق، وخرج من القصر معلنًا رفضه أن يرأس وزارة تضم عناصر غير وفدية.

وفي اليوم التالي استدعى السفير البريطانى رئيس الديوان الملكي أحمد حسنين وسلمه إنذارًا جاء فيه: إذا لم أسمع قبل الساعة السادسة مساءً أن النحاس باشا قد دعا لتأليف الوزارة، فإن جلالة الملك فاروق يجب أن يتحمل ما يترتب على ذلك من نتائج.

لم يحدد الإنجليز في الإنذار ما إذا كانت الوزارة وفدية أم لا، وإنما ذكروا كلمة وزارة، فالمهم هو أن يكون النحاس رئيس هذه الوزارة.

وأمام هذا الإنذار استدعى الملك رؤساء الأحزاب وكبار الشخصيات السياسية لاجتماع تم في الساعة الرابعة مساء نفس اليوم (الأربعاء 4 فبراير) وعرض عليهم الإنذار، فأعلنوا أحتجاجهم وطلبوا إلى النحاس باشا الذي كان حاضرًا اجتماع قبول تأليف وزارة قومية، ولكنه أصر على موقفه بعدم قبول تشكيل أية وزارة غير وفدية. فما كان منهم إلا أن كتبوا احتجاجُا أعلنوا فيه أن توجيه الإنذار البريطاني إلى فاروق يمثل اعتداءً على استقلال البلاد، وأنه يجب على الملك ألا يقبل ما يمس استقلال البلاد.

التعليق

ينظر بعض السياسيين إلى حادث 4 فبراير 1942 على أنه كان السبب الرئيس لكثير من الأحداث التي وقعت بعده، ومنها انقلاب 23 يوليو (تموز) 1952. ولأننا نريد الحقيقة التاريخية ونبحث عنها أينما وجدت فسوف نعرض شهادات بعض السياسين الذين شاهدوا حادث 4 فبراير عام 1942. وأيضًا أراء وتحليلات المؤرخين والباحثين لنعرف من المسئول الحقيقى عن ذلك الحادث، الذي اجتهد فيه الأستاذ المراغي بأن يلقي بتبعيته على كاهل الملك فاروق، الذي اتهمه المراغي بالاعتداء على الدستور، وتجاهل الأغلبية النيابية، بالرغم من دخول الأستاذ المراغي وزارة الهلالى التي تعتبر من الوزارات المستقلة.. ولكن بالشهادات والأدلة نتبين الحقيقة.

أولُا: شهادة حافظ رمضان (رئيس الحزب الوطني – قبل إلغاء الأحزاب) أثناء محاكمة فؤاد سراج الدين باشا أمام محكمة انقلاب 23 يوليو عام 1953، والتي نشرتها جريدة الأهرام يوم 30 ديسمبر (كانون الأول) 1953. الصفحة الرابعة.

رئيس المحكمة: هل تعتقد أن تولي النحاس الحكم يوم 4 فبراير كان إنقاذًا للموقف أو إرضاءً لشهواته الحزبية؟

حافظ رمضان: (كان فيه اتفاق سابق مع كليرن بطريق أمين عثمان. لأن معاهدة سنة 1936، وديه النكبة اللي نكبت بها البلد، أخد النحاس وأمين عثمان بسببها نيشان الساق، وأصبحوا السير مصطفي النحاس والسير أمين عثمان. وأنا أعلم أن هذا الوسام لا يعطى إلا لمن يقدم للإمبراطورية البريطانية خدمات جليلة).

رئيس المحكمة: (مين مصريين أخدوه تاني؟

حافظ رمضان: أظن أسماعيل سري.

رئيس المحكمة: النيشان دا مش دليل على الاتفاق؟

حافظ رمضان: قبل الإنذار كانت الحرب على الحدود الغربية. وكانت تكاد تكون مباراة في كرة القدم والحالة مضطربة. وأنا أعلم أن كيلرن صديق النحاس. وهو وثب الوثبة دى وأخد مركزه في مجلس اللوردات. لأنه عمل معاهدة سنة 1936.

رئيس المحكمة: مش قالوا عليها معاهدة شرف واستقلال؟

حافظ رمضان: أعوذ بالله.. دا أخبث مشروع. واحنا عارفين نخلص منه. وأنا أعتقد أن الشيوخ والنواب اللى قبلوا المعاهدة، لازم يحرموا من حقوقهم الوطنية فترة من الزمن.

رئيس المحكمة: نرجع إلى 4 فبراير.

حافظ رمضان: في 4 فبراير الحرب كانت دايرة، يا ترى إذا اقترب الألمان والطليان من الحدود، كان يجوز إن دا يعمل حركة في البلد. وكان فيه جمعيات في البلد بس مفيش تنظيم. مين اللى يقدر يكبح جماحهم وعنده الغالبية.. مفيش غير النحاس.

رئيس المحكمة: كان معاه الغالبية بحق؟

حافظ رمضان: لا.. لمصلحة الإنجليز. وهم عملوا مظاهرات أشك أنها تكون جدية. وكان الهتاف (إلى الأمام يا روميل). مش كان لازم يقبض عليهم ويحققوا معاهم.. ولا حاجة أبدًا. وأنا في البيت فطلبوني في السراي، ووجدت كل رؤساء الوزرات السابقين، ووروني الإنذار. ما خرجش من دماغي أبدًا وهو: إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة مساءً أن النحاس باشا قد دعي لتأليف الوزارة، فإن الملك فاروق يجب أن يتحمل تبعة ما يحدث. المناقشة كانت دائرة أن النحاس يشكل حكومة من جميع الأحزاب، فأنا خيل إلي أن دا إذعان للإنذار فكان الإنذار ما قالش إن النحاس يشكل حكومة وفدية، فكان من رأيى إن إحنا نلهلبها؛ لأن كان فيه حرب، فقلت لهم بلاش نقبل الإنذار، فماحدش وافقني، ولكن اللي ساعدني النحاس نفسه؛ لأنه رفض تشكيل وزارة من جميع الأحزاب، ودا دليل غريب، لازم كان معتمد على قوة، في أنه لا يقبل إلا تاليف وزارة وفدية، أو على الأقل قرينة).

رئيس المحكمة: يمكن كان في فكرته إنه ما يقدرش يتعاون مع حد من غير حزبه.

حافظ رمضان: هو قال أنا لا أشكل وزارة إلا وفدية.

رئيس المحكمة: مبدأ تشكيل الوزارة نفسه قبله؟

حافظ رمضان: أيوه، وبعد ما تداولوا رجعوا لفكرتي قلت الحمد لله، وكتبنا كلمتين، أن الإنذار مخالف لاتفاقية 1936 وللدستور، وودوها لأحمد حسنين والنحاس مضى، أنا مافهمتش الحكاية ديه، نهايته روحت، وبالليل استدعوني إلى السراي، فوجدت الدبابات محاصراها وحصل كيت وكيت. أنا فلتت مني كلمة، قلت فين الحرس بتاع السراي كان فين، دا وقته. فقالوا لي دول جم لووا ذراع النجومي وأخدوا المسدس بتاعه. فقلت لهم لازم نجيب لهم كلبين أرمنت علشان يشيلوا الحرس كله (ضحك في قاعة المحكمة) قال بعدها يقبل الحكم وبعدين يروح كيلرن يزوره، فينشال على الأكتاف.

رئيس المحكمة: لما لقيت الدبابات حصل إيه؟

حافظ رمضان: الملك نادى النحاس وقال له أنا باكلفك بتأليف الوزارة، قال له أمرك يا أفندم.

رئيس المحكمة: كيلرن اترفع على الأكتاف فين؟

حافظ رمضان: في مجلس الوزراء.

رئيس المحكمة: ومين اللي شالوه؟

حافظ رمضان: الجماعة أنصار النحاس.

رئيس المحكمة: منين الشعب يقول تقدم يا روميل، وفي نفس الوقت يشيلوا كيلرن على الأكتاف؟

حافظ رمضان: ما أنا قلت إن المظاهرات ديه كانت مصطنعة، وهو دا حادث 4 فبراير، وأنا باكتب مذكرات، وبينت فيها كيف تشكل الوفد؟ والسياسة المصرية كانت إيه قبل مجيء الوفد، ثم الانشقاق اللي حصل فيه).

ثانيًا: شهادة حسين حسني سكرتير الملك فاروق أثناء محاكمة أحمد عبد الغفار باشا (وزير زراعة في أكثر من حكومة بالعهد الملكي) أمام محكمة الانقلاب عام 1953، والتي نشرتها جريدة الأهرام يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني؟) 1953 في الصفحة الرابعة.

(رئيس المحكمة: كنت موجود يوم 4 فبراير؟

حسين حسني: أيوه

رئيس المحكمة: تعرف القصة كاملة؟

حسين حسني: اللي حصل أن جه إنذار للملك عن طريق أحمد حسنين من السفير البريطاني، أنه إذا لم يبلغه قبل الساعة السادسة مساء أن الملك كلف النحاس بتأليف الوزارة. فإنه سيتحمل مسئولية ما يحدث.

رئيس المحكمة: يعنى الإنجليز كانوا عايزين النحاس بالذات؟

حسين حسني: أيوه.

رئيس المحكمة: ليه؟

حسين حسني: سمعنا أن فيه اتصالات بين الإنجليز والنحاس. وكانوا عارفين أن وراءه الأغلبية، وأن مصالحهم حتمشي إذا كان النحاس في الوزارة؛ لأنه هو اللي عمل المعاهدة.

رئيس المحكمة: هما كانوا ضامنين أن النحاس بيجى على أسنة الرماح؟

حسين حسني: ما قدرش أعرف.

رئيس المحكمة: افرض أن النحاس رفض، يكون موقف الإنجليز إيه؟

حسين حسني: الناس كانت بتقول إن فيه اتفاق سابق، ولكن إذا كانت تكتلت كل الأحزاب، كان لازم الإنجليز يتراجعوا.

رئيس المحكمة: مين اللي أفسد هذا التكتل؟

حسين حسني: النحاس.. لأنه صمم على أن تكون الوزارة وفدية صرف، وكان الزعماء السياسيين قد دعوا جميعًا إلى القصر وسمعنا أن كل الموجودين حاولوا يقنعوا النحاس بأن يشترك في وزارته الأحزاب ولو بشكل رمزي، ولكنه رفض).

يتبع مع الحزء الثاني من الحلقة الثامنة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة الثامنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد