يقول المراغي:

يقتحم مكتب الملك

حمل أحمد حسنين باشا رئيس الديوان نص الاحتجاج إلى السفير البريطاني فأجابه السفير بعد أن نظر إليه بأنه لا يعتبر ذلك ردًا. وأنه سيحضر لمقابلة الملك في تمام التاسعة مساء.

وقبل دقائق من وصول السفير البريطاني اخترق شوارع القاهرة طابور من الدبابات البريطانية اتجهت إلى ميدان عابدين -حيث يقيم فاروق- وأحاطت بالقصر.

ومن بين الدبابات التى تولت عملية الحصار اقتحمت دبابة أحد أبواب القصر المغلق وخلعته، وانساب وراءها عدد آخر من الدبابات أخذت مكانها داخل فناء القصر.

وبعد قليل دخلت من البوابة المخلوعة عربة السفير البريطاني مستر مايلز لامبسون يصاحبه مستر ليتلتون وزير الدولة البريطاني والجنرال ستون قائد القوات البريطانية.

وبسرعة بالغة انطلق الثلاثة إلى حيث مكتب الملك، وبقدمه اليمنى ضرب السفير البريطاني باب غرفة المكتب في عملية اقتحام واضحة.

أرجوك أعطني فرصة أخرى

كان فاروق واقفًا في الحجرة يطل من نافذة على فناء القصر يشاهد تحركات الدبابات وعلى صوت الباب الذي اقتحمه السفير البريطاني وضربه بقدمه التفت فاروق ليجد مستر لامبسون يتقدم نحوه قائلا:

– لقد كلفتنى الحكومة البريطانية أن أطلب منك التخلى عن العرش فورًا وأن تجمع حقائبك للسفر.

قال فاروق في خوف: إلى أين؟

قال السفير: إلى جنوب أفريقيا!

كان فاروق في ذلك الوقت في سن الثالثة والعشرين، وقد فوجئ بما حدث، بل لعله صعق لهول المفاجأة وانعقد لسانه، ومضت لحظات صمت لم يستطع أن يقول فيها شيئًا، وأخيرًا نظر إلى السفير البريطاني قائلا:

سير لامبسون: إننى مستعد لإقالة علي ماهر وسأجمع الزعماء المصريين على الفور لاختيار رئيس جديد للوزارة.

قال لامبسون بكل كبرياء: إن المسألة الآن ليست تعيين رئيس وزراء، إنها مسألة تخليك عن العرش.

عاد فاروق إلى الصمت.. وأخذ ينظر إلى رئيس ديوانه أحمد حسنين متوسلا إليه أن يجيبه، ولكن الأخير ظل صامتًا.

وبعد نحو دقيقة نظر فاروق إلى مستر لامبسون في توسل بالغ يقول له: سير لامبسون، إنني أرجو التنازل عن طلب التخلي عن العرش، وأن تعطيني فرصة أخرى وسأجيب جميع طلباتك.

قال لامبسون: لا، ليس هناك فرصة أخرى يجب أن توقع الآن ورقة التنازل عن العرش.

وظل فاروق واجمًا، ومرت عليه لحظة رهيبة لم يلاحظ فيها أن المستر ليتلتون تقدم نحو السفير وأخذ بيده إلى ركن الحجرة وتبادلا الكلام همسًا.

وكما أصبح معروفا فإن ليتلتون أمام مشهد فاروق طلب إلى السفير البريطاني إعطاء فاروق فرصة أخرى ما دام سيجيب طلباته. وأجابه مستر لامبسون بأن مثل هذا القرار يجب أن يعود فيه إلى رئيس وزراء بريطانيا مستر تشرشل الذي كان واضحًا أنه طلب إلى السفير إقصاء فاروق عن العرش.

وتم الاتفاق بين السفير والوزير البريطاني على إرسال برقية لرئيس الوزراء تشرشل وجاءت موافقة تشرشل مؤيدة رأى ليتلتون.

ونجا فاروق من التنازل عن العرش وعين النحاس رئيسًا للوزارة وفي نفس اليوم ذهب فاروق إلى زوجته الملكة فريدة فروى لها ما جرى مع السفير البريطاني، وأخذ يبكي بكاء شديًدا.

قالت له الملكة: خلاص، لم يعد لنا مجال للبقاء في مصر وخير لنا أن نرحل عنها.

قال فاروق أبدًا. إنك سوف ترين غدًا كيف ستكون ثورة الشعب ومظاهراته ضد الإنجليز.

وعندما جاء الغد فوجئ فاروق بقيام المظاهرات. ولكنها بدلًا من أن تثور على الإنجليز راحت تهتف بحياة النحاس وحياة مستر لامبسون.

وعندما ذهب السفير البريطاني إلى مجلس الوزراء لتهنئة النحاس باشا حمله المتظاهرون على الأكتاف!

التعليق

قبل أن نتكلم عن ملابسات حادث 4 فبراير عام 1942، أكرر أن الأستاذ مرتضى المراغي لم يراع أبسط قواعد السرد التاريخي وهو التسلسل الزمني للأحداث بل تمادى في ذلك لدرجة الخلط بين أحداث بينما فترات زمنية متباعدة بالإضافة إلى ذكر تواريخ غير صحيحة لتلك الأحداث، ففي الفقرة السابقة يصر الأستاذ المراغي على أن الذي سبق النحاس باشا قبل 4 فبراير عام 1942 في تولي الوزارة (الحكومة) هو علي ماهر باشا، مع أن الصحيح هو أن الذي سبق النحاس باشا قبل 4 فبراير عام 1942 في تولي الوزارة هو حسين سري باشا.

غير أن الأستاذ المراغي ذكر في الفقرة السابقة عبارة (ولكن النحاس لم يكن قد نسي الجرح الكبير الذي وجهه له فاروق عندما أقاله بخطاب وقح قبل 6 سنوات) فعدد السنوات في هذه العبارة خاطئ، والصحيح أنها أربعة سنوات وشهر وخمسة أيام تقريبًا، منذ إقالة مصطفى النحاس في 30 ديسمبر 1937 وحتى 4 فبراير 1942.

كما أن الأستاذ المراغي ذكر أن عمر الملك فاروق أثناء وقوع حادث 4 فبراير عام 1942 كان 23 عامًا، مع أن الصحيح أن عمر الملك فاروق في ذلك الوقت كان 22 عامًا، إذ أن ميلاده كان في 11 فبراير 1920.

وأيضا كيف عرف الأستاذ المراغي أن الملك فاروق ذهب إلى زوجته الملكة فريدة يروي لها ما حدث مع السفير البريطاني وأخذ يبكي بكاءً شديدا؟ هل كان الأستاذ المراغي مع الملك فاروق والملكة فريدة بغرفة المعيشة بالحرملك أثناء حدوث ذلك؟

والحقيقة أن حادث 4 فبراير 1942 يعتبر وقفة مثيرة من وقفات التأمل الطويلة في التاريخ المصري الحديث فقد كتب الصحفيون عنه مئات المقالات وألف عليه الكتاب عشرات الكتب وأفاض المؤرخون والباحثون في الحديث عنه في الأبحاث والدراسات، وما من شك أن حادث 4 فبراير أزال القناع عن وجه الاستعمار المتخفي وراء معاهدة 1936. معاهدة التحالف والصداقة والاستقلال، وظهرت بريطانيا بوجهها الحقيقي، وجه الاحتلال البغيض.

وبالرغم من أن بعض الكتاب والمحللين فسروا هذا الحادث غالبًا بما لا يتفق مع المنطق والعقل.. ولكن الأستاذ المراغي تفوق عليهم تضليلًا في تحليل حادث 4 فبراير من ناحية ذكر الكثير من الوقائع المغلوطة، والتمادي بوصف سيناريو غير واقعي والتركيز على سرد ملابسات مختلقة.

ومن أكثر الوقائع غير الحقيقية والتي ذكرها الأستاذ مرتضى المراغي في مذكراته عن حادث 4 فبراير، هى واقعة اقتحام السفير البريطاني لغرفة مكتب الملك فاروق وأيضًا حوار السفير البريطاني مع الملك فاروق.

فقد ذكر الأستاذ المراغي أن السفير البريطاني مستر مايلز لامبسون يصاحبه مستر ليتلتون وزير الدولة البريطاني والجنرال ستون قائد القوات البريطانية، وبسرعة بالغة انطلق الثلاثة إلى حيث مكتب الملك، وبقدمه اليمنى ضرب السفير البريطاني باب غرفة المكتب في عملية اقتحام واضحة. كما ذكر الأستاذ المراغي سيناريو لحوار خيالي للسفيرالبريطاني مع الملك فاروق يدور حول نفي الملك فاروق لجنوب أفريقيا.

ولكل قارئ ذي عقل وبصيرة عندما يقرأ هذا الكلام في مذكرات الأستاذ مرتضى المراغي يجول بخاطره عدة أسئلة يريد الاستفهام عنها ومنها: ألم يكن للقصر حراس من ضباط وجنود وأيضًا حراس خصوصيون يقفون أمام باب كل غرفة من غرف القصر فماذا كان موقفهم؟ وما هو رد فعلهم؟ كيف يستقيم تصرف السفير البريطاني هذا والذي ذكره الأستاذ المراغي في مذكراته مع المتعارف عليه في بروتوكولات القصور الملكية في العالم كله وخاصة إنجلترا ومصر من وجوب اتباع نظام معين عند مقابلة الملوك وعند الدخول عليهم في غرفهم الخاصة؟ غير أن موضوع الحوار الذي دار بين الملك فاروق والسفير البريطاني والخاص بنفي الملك فاروق لدولة جنوب أفريقيا لم يرد في أي من كتب التاريخ أو في أي من كتابات المؤرخين أو مذكرات السياسيين وإنما هو خاص بالأستاذ المراغي وحده.

ففي كتابه المعنون بحادث 4 فبراير 1942 والحياة السياسية المصرية الصادر عن دار المعارف عام 1985 يذكر الدكتور محمد صابر عرب عدة روايات ليس من بينها رواية الأستاذ مرتضى المراغي عن ملابسات اقتحام السفير البريطاني لمكتب الملك فاروق بقصر عابدين مساء يوم 4 فبراير 1942 وهي كالتالي:

ووفق رواية المسؤول عن أمن القوات البريطانية في مصر (الماجور سانسوم) حيث قال: لقد كانت الحكومة البريطانية قد أصدرت أوامرها إلى (سير مايلز لامبسون) بأن يوجه إنذارًا إلى الملك وكنت مرتبطًا بهذه العملية عن طريقتين:

الأول: كان استشاريًا، فوفق معلوماتي عن الوضع داخل الجيش المصري ما هي الخطوات التي يجب اتخاذها لتحول بين الجيش المصري والتدخل المسلح في العملية المزمع القيام بها؟ وبصدد هذا الإجراء فقد اقترحت أن توصد كل الطرق والشوارع المؤدية إلى قلب القاهرة، إن الضباط الصغار لا يحبون الملك ولكنهم يكرهوننا أكثر وسيكون رد الفعل عندهم عنيفًا لمثل هذه الإهانة، وبالفعل أغلقت جميع الطرق الموصلة بين ألماظة والقاهرة، وقبل ساعة الصفر مباشرة قامت فصيلة من قواتنا بالهجوم على ثكنات الحرس الملكي في ميدان عابدين وقبضت على كل الموجودين وكذلك ثم القبض على الحراس الذين كانوا يقفون عند باب القصر وحل محله جنود بريطانيون، ثم دخل لامبسون بسيارته إلى داخل القصر وكانت تصحبه مجموعة من العربات المصفحة والدبابات.

ويمضي سانسوم في روايته قائلا ولم تكن القاهرة تعلم شيئا عن الحادث، وكان عدد من المارة يحملقون في الجنود البريطانيين الذين احتلوا مكان الحرس الملكي، وكان المارة ينظرون إلى العربات المصفحة التي دخلت إلى فناء القصر دون استغراب أول الأمر، غير أن البعض بدأ يدرك أن ثمة شيئا غير طبيعي يحدث وأخذ الناس يتجمعون، حتى اضطر الجنود البريطانيون إلى إقامة كردون من أنفسهم لإبعاد الناس عن القصر في الوقت الذي كان السفير يقدم إنذاره لفاروق.

أما المهمة الثانية: هي التأكد من أن السفير لن يصيبه ضرر، وكنت أعتقد أن الخطر الرئيسي قد يصدر من ضابط ثائر من ضباط الحرس الملكي الذي قد يدفعه غضبه إلى إطلاق رصاصة على السفير، ولذلك قبضنا على جميع الضباط المصريين داخل القصر إبان عقد المؤتمر بين السفير وفاروق.

ووفق رواية السفير والتي ضمنها أحد تقاريره إلى حكومته قائلا: لقد وصلت إلى قصر عابدين في التاسعة تمامًا، وفي الطريق مررنا بطوابير المصفحات وناقلات الجنود والدبابات والتي كانت تبدو كأشباح في الشوارع المظلمة وهي تأخذ مواقعها حول القصر، وكنت أستطيع وأنا بالطابق العلوي داخل القصر أن أسمع أصوات الدبابات والمدرعات مما أحدث جوا مثيرا وأنا أنتظر الدخول على الملك.. وشعر رجال الديوان أنني غير مستعد للانتظار أكثر من ذلك. لذلك تأخر استدعائي إلى غرفة الملك لمدة خمس دقائق وعندما دعيت للمثول أمام الملك، حاول كبير الأمناء أن يمنع الجنرال ستون (قائد القوات البريطانية) من الدخول إلى القاعة التي تم فيها لقائي مع الملك ولكني نحيته جانبًا ودخلت والجنرال ستون معا إلى الملك.

وثمة رواية أخرى تقول: ألقت القوات البريطانية القبض على حراس القصر وجردتهم من سلاحهم مما اضطر بعض أفراد الحرس إلى المقاومة، ولكن البريطانيين تكاثروا عليهم بعد أن صدرت التعليمات الملكية بعدم المقاومة حتى لا تحدث مذبحة أمام قصر عابدين، وكان قد أصيب بعض أفراد الحرس بكسور في العظام وبجروح مختلفة، وفي نفس الوقت كانت الطائرات البريطانية تقف على أهبة الاستعداد للتحليق فوق ثكنات الجيش المصري ومعسكراته وقذفها بالقنابل إذا ما بدت من الجيش أية مقاومة، وحاصر الجنود الإنجليز أقسام البوليس في القاهرة وقطعوا جميع الأسلاك التليفونية بين قصر عابدين وخارجه، كما حاصروا محطة الإذاعة المصرية لكي يحولوا دون وصول الخبر إلى الشعب المصري.

إلا أن هناك بعض الروايات التي لم نجد لها سنًدا في أي رواية أخرى، حيث يذكر صاحب هذه الرواية أن السفير وهو في طريقه إلى مكتب الملك وبصحبته الجنرال ستون قد فتح غرفة الملك ضاربًا إياها بقدميه.

وهناك رواية أخرى تقول: إن السفير قد قدم إلى الملك وثيقة التنازل عن العرش وطلب إليه توقيعها وبعد أن قرأ الملك نظر إلى قائد القوات البريطانية (المصاحب للسفير) وقال له «كنت أود لو أنك ما زلت في خدمة جيشي» ثم قال للسفير: أنني مستعد لتوقيع هذه الوثيقة إلا أنك توافقني على أنها وثيقة تاريخية خطيرة ولا يجوز أن تكتب على ورق عادي ومن اللائق أن أكلف من يقوم بكتابتها على ورق يليق بشخصي وعجب السفير لهذا الهدوء والذي يبدو على الملك ثم أضاف الملك فاروق: هل لي أن أسالك عن السبب الذي دعا إلى كتابة هذه الورقة؟ أنا من ناحيتي موافق على أن يشكل النحاس باشا وزارته كما يراها».

فمن خلال تلك الرويات اليى ذكرها الدكتور محمد صابر عرب في كتابه المنوه عنه سابقا (مع تحفظنا على بعض ماء جاء بها)، يتضح أن رواية الأستاذ المراغي بعيدة كل البعد عن العقل والمنطق.

وثمة رواية أخرى عن حادث 4 فبراير عام 1942 رواها الأستاذ عادل ثابت وهو ابن خالة الملكة نازلي (أم الملك فاروق)، في كتابة ( فاروق الأول – الملك الذي غدر به الجميع) كتاب مترجم إلى العربية من إصدار مؤسسة أخبار اليوم عام 1989 ص 119، ص 120 يقول فيها:

«ودخل السفير البريطاني، الذى ربما كان يرتعش في داخله من الأبواب المفتوحة على مصراعيها لقصر عابدين. وألقى بالعادات الدبلوماسية المتحضرة في الهواء، ليزيح اثنين من الأمناء تقدما نحوه لاستقباله بأدب وتقدم على مكتب الملك واندفع داخلا لكي يستقبله ملك يبتسم متسائلا: ما هي المسألة يا سير مايلز؟ هل تخاف شيئا؟ لا تقلق فأنت هنا في أمان تام.

وتبع ذلك موجز للكلمات، تضمنت حديثا متعقلا تمامًا من الملك مضمونه أنه لما كانت القوة في جانب بريطانيا، فإنه لن يكون من الحماقة بحيث يتخذ موقفا يمنع البريطانيين من أن ينقضوا مرة أخرى أحكام معاهدة 1936 التى يعد احترام السيادة المصرية ضمانها الأساسي.

وكان رد الملك على هذه المظاهرة هو «أنت تريد النحاس؟ خذه!».

هذه الحكاية عن حادث عابدين مؤسسة على شرح فاروق الشخصي للحدث كما أبلغني إياه في وقت تال.. وأضاف فاروق قائلا:

«كنت أعرف تماما، أنه لما كان لامبسون مشهورا بالحمق، فإنه سيبحث عن ذريعة لإبعادي، ولو أننى أظهرت نوعًا من المقاومة كنت قد حققت هدفه ومن ثم أصدرت أوامر صارمة للواء حرسي بالبقاء في ثكناتهم، اليى تقع عبر ميدان عابدين. وأصدرت أوامر للحرس الذين يغطون مداخل القصر مباشرة بأن يتصرفوا بطريقة عادية ويستقبلوا السفير بالمجاملة المعهودة. وأعطيت تعليمات للأمناء بأن يفعلوا ما يفعلونه دائما عندما يأتي سفير صديق للزيارة. والحادث الوحيد الذي وقع كان عندما عجز اللواء النجومي ياوري السوداني من ضبط نفسه عند رؤية المسدسات المصوبة من جانب البريطانيين، فسحب مسدسه الخاص، وعندئذ أطلق كولونيل بريطاني من أنصار اللجوء للقوة النار على يده قبل أن يتمكن من استخدامه.

وحتى اليوم يبدو أنه ليست هناك أي رواية محددة عن هذا الحادث المثير للسخرية.. وهناك حقيقة ثابتة تمامًا، وهي أنه لم يكن كل البريطانيين يتفقون مع السفير، ولم يكن أقلهم شأنا الجنرال ستون قائد القوات في القاهرة، الذي رفض الاشتراك في المهزلة، وعارضها بقوة ولم يقبل اشتراك قواته إلا بعد أن طلب السفير أمرًا مباشرًا من لندن».

ومع ذلك نود أن نعلق على بعض العبارات الواردة في رواية المسؤول عن أمن القوات البريطانية في مصر (الماجور سانسوم) عن حادث 4 فبراير 1942 والواردة في كتاب محمد صابر عرب السالف الذكر.. ومن ضمن هذه العبارات عبارة (أن الضباط الصغار لا يحبون الملك ولكنهم يكرهوننا أكثر وسيكون رد الفعل عندهم عنيفا لمثل هذه الإهانة) إن هذه العبارة لم ترد في أقوال الميجور سانسوم وأعتقد أنها أضيفت عند الترجمة والدليل على ذلك أن الضباط وخاصة الصغار منهم كانوا يجلون الملك فاروق.. ويشير حسن يوسف رئيس الديوان الملكي بالنيابة إلى هذا الأمر في مذكراته فيقول:

«وإثر حادث 4 فبراير 1942 قدم إلى الديوان الملكي وفد من ضباط الجيش وقابلوا حسنين باشا رئيس الديوان وأعربوا له عن شديد استنكارهم لما وقع من محاصرة قصر عابدين بالدبابات البريطانية. ثم أبدوا استعدادهم للثأر من المسؤولين. وقد أثناهم رئيس الديوان عن ذلك كما أن الملك حرص على أن يزور الضباط في ناديهم يوم 4 فبراير من كل عام تقديرا منه لمشاعرهم الوطنية».

من هذه الآراء والشهادات السابقة يتضح أن الأستاذ المراغي يكتب مذكراته للأميين فقط وإن تصوراته ما هي إلا خيال في خيال وإن استعراضه لحادث 4 فبراير ما هو إلا استعراض لقوة الأوهام.. فكيف يلقي الأستاذ المراغي بتهمة حادث 4 فبراير على عاتق الملك فاروق والكثير من الشهود ينفون ذلك؟ وكيف يصور سيناريو اقتحام مكتب الملك فاروق بهذا الأسلوب المهين بالرغم أن الأستاذ المراغي يعد من أكثر الناس التي تعرف أن الحقيقة غير ذلك؟ وكيف يدعي الأستاذ المراغي مطالبة السفير البريطاني للملك فاروق بمغادرة البلاد والنفي الإجباري بجنوب أفريقيا. مع أن الثابت تاريخيا أن هذا الأمر لم يحدث؟

لكن الأمر الذي يثير انتباهنا حقا في موضوع حادث 4 فبراير 1942 يدعونا للتأمل في شخصية الملك فاروق! إن هذا الحادث وقع عندما كان الملك فاروق شابا صغيرا بعمر 22 عامًا، وبالرغم أن هذا الحادث كان يهدد عرش الملك فاروق إلا أننا نجده (أي الملك فاروق) بهذا السن الصغير يتصرف بهدوء واتزان في احتواء ذلك الحادث، وكما سبق للملك فاروق عام 1939 وكان بعمر 19 عامًا احتواء قضية دخول مصر الحرب العالمية الثانية وإقراره بحيادية مصر في تلك الحرب بالرغم من اعتراض بريطانيا، وهو ما يحسب للملك فاروق. وهذا الأمر يعد دليلًا على أن الملك فاروق قد تم إعداده جيدًا بواسطة أبيه الملك فؤاد لتولي حكم مصر من بعده (أي بعد الملك فؤاد). وهو ما نعتبره ردًا على الشكوك التي تدعي عدم نضوج الملك فاروق عندما اعتلى العرش في تحمل تبعات حكم مصر.

بتبع مع الجزء الأول من الحلقة التاسعة بالمقال القادم إن شاء الله

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر