يقول المراغي:

تحقيق ملكي

ذهب يوسف إلى مكتبه في القصر في اليوم التالي، وكان في انتظاره بعض ذوي الحاجات يرجون وساطة لقضاء مصالحهم. إنه قبل حادث القصاصين كان طبيبًا مغمورًا التحق بالبحرية، لأنه فتح عيادة في القاهرة لم يكن يرتادها إلا الفقراء ممن يرجون خفض  أتعابه إلى الربع وكان طيب القلب لا يساوم، بل كان يدفع من جيبه أحيانًا ثمن الدواء.

وقام يوسف فعلًا باتصالات تليفونية للتوسط لزواره. ونظرًا لما يعرفه المسئولون عن حظوته لدى الملك كان رجاؤه منهم دائمًا محل اعتبار كبير. مرت ساعة ودق جرس تليفونه. وكان المتحدث مكتب الملك يدعوه لمقابلته. فاستأذن زواره وذهب إلى مكتب الملك، حيث أدخل عليه فورًا. وتلقاه فاروق بابتسامة عريضة. لكنه تركه واقفًا أمامه.

قال فاروق: ها يا يوسف. كيف حال ناهد؟

أجاب يوسف: بخير يا مولانا.

قال الملك: وماذا فعلتم بالبط؟

قال يوسف: أقمنا وليمة لبعض الأصدقاء.

سأل الملك: هل أستطيع أن أعرف من هم؟

قال يوسف: إنهم أربعة ضباط في الجيش وضابط مطافئ وموظف يا مولاي.

سأل الملك: أربعة ضباط، هل هم من رتب كبيرة أو صغيرة؟

قال يوسف: اثنان برتبة يوزباشي (نقيب) واثنان برتبة ملازم أول، وضابط مطافئ برتبة ملازم.

سأل الملك: هل تعرفهم من زمن؟

أجاب يوسف: ثلاثة من أيام الدراسة الثانوية أما الرابع فلم أعرفه إلا الأمس.

قال الملك: وكيف كانت الوليمة؟

أجاب يوسف: بصراحة لقد انتهت يا مولاي بغضب ناهد مني.

وروى يوسف للملك ما حدث من عربدة مصطفى.

أغرق الملك في الضحك، لكنه فاجأ يوسف بقوله: تعرف أنا يعجبني هذا النوع من الناس. إن مصطفى هذا شخص خفيف الظل وأنا أكره الثقلاء. ادعه إلى منزلك. وقل لناهد هذه رغبتي.

ثم سكت قليل وقال: على فكرة وطد علاقتك بهؤلاء الأصدقاء وأعطني بيانًا كاملًا بأسمائهم ورتبهم في الجيش والحكومة ثم تمتم بعبارة خافية: لعلي أكون يومًا ما بحاجة إليهم.

التعليق

كالعادة يروي الأستاذ المراغي أحاديث لم يشاهدها أو يكن طرفا فيها، والسؤال كيف علم الأستاذ المراغي ما دار من أحاديث بين يوسف رشاد والملك ولم يكن غيرهما في مكتب الملك، إذا كانت تلك الأحاديث التي ذكرها المراغي بمذكراته صحيحة؟ وإذا كان يوسف رشاد هو الذي قص على الأستاذ المراغي حديثه مع الملك، فهل يعقل أن يذكر الدكتور يوسف رشاد ما دار بينه وبين زوجته للأستاذ المراغي؟ ولكن من المحتمل أن يكون الأستاذ المراغي استشف وتصور أن يكون هناك ثمة حديث بين الملك ويوسف رشاد قد دار على النحو الذي ذكره في مذكراته، وهذا الاستنتاج لا يصلح في كتابة المذكرات أو حتى الذكريات.

يواصل المراغي حديث مذكراته قائلًا:

حشيش في منزل ناهد

أقام يوسف مأدبة عشاء للأصدقاء أنفسهم الستة: مصطفى وخالد وفهمي وحسن وإبراهيم وتوفيق وانتهى تناول الطعام وجلسوا في الصالون يحتسون القهوة ويدخنون وفجأة. أخرج مصطفى علبة من معدن أبيض فتحها وكان فيها دخان وورق للف السجائر. وبدأت ناهد تراقبه وهو يضع الدخان في اللفافة. وزادت دهشتها عندما رأته يخرج من جيبه صرة صغيرة من القماش ويخرج منها حبة بنية غامقة فركها ونثرها على الدخان، وأخذ يلف الورقة ببطء. ثم بلها بطرف لسانه وألصقها وأشغل السيجارة وألقى بعود الثقاب على البساط ثم اجتذب نفسًا طويلًا لم يخرجه وهو مغمض العينين وانبعثت مع الدخان رائحة عطرية.

قلبت ناهد نظرتها بين زوجها ومصطفى. وسمعت فهمي يقول لمصطفى: «باين عليك الليلة دي معمر يا ابن… عمّر لي واحدة معاك»، قال مصطفى صائحًا وهو ينظر إلى يوسف رشاد: وأنت أيضًا يا يوسف، ولكن يوسف هز رأسه معتذرًا، ولدهشة ناهد رأته يقول لها: وأنت يا ست! تدخل زوجها على الفور قائلًا: لا يا مصطفى ناهد ليست من أصحاب هذه الأشياء، قال مصطفى بطبيعته الغريبة: والله لو أخذت نفسًا واحدًا ستنسين الدنيا وما فيها! ونظر مصطفى إلى يوسف زوجها قائلًا: هذا من ماركة فاروق، أحسن صنف حشيش في السوق كله، وأنا أدفع نصف راتبي لأشترى أوقية.

احمر وجه ناهد ونظرت إلى زوجها ولكن نظرة منه أفهمتها أن عليها أن تضبط أعصابها. أخذ الآخرون بعد أن دخنوا الحشيش يصيحون كما يصيح مصطفى ويضحكون ضحكات بلهاء. وفكرت ناهد في أمرهم، وانتهى تفكيرها إلى أن عربدة مصطفى عربدة غير متكلفة بينما دماثة الآخرين ورقة حاشيتهم طلاء ينحسر لهبة بسيطة.

التعليق

الشيء المثير في مذكرات الأستاذ المراغي أن هذه المذكرات تصف الشخصيات وصفًا بديعًا وخاصة الأشخاص الذين يتصفون بالحدة والعنف حتى نعتقد أننا بصدد قراءة رواية بوليسية، نعم فلقد كان الأستاذ المراغي مديرًا للأمن العام ثم وكيلًا لوزارة الداخلية ثم وزيرًا لها، وكانت تلقي عليه الكثير من التقارير السرية عن المطاردات والجرائم الخطيرة وخاصة تجار المخدرات ومتعاطي الحشيش. لذلك فهو متشبع بالثقافة البوليسية وماهر في تصويرها ومجيد في أحاديثها، وبهذه الثقافة التي نجح في توظيفها وتطبيقها خلال كتابة مذكراته حتى خرجت علينا تلك المذكرات ليس كونها مذكرات شخصية بل رواية بوليسية كاملة الأركان، ولكن ينقصها شيء واحد وهو الحبكة الدرامية المتقنة وهذا العنصر لا يحسن الأستاذ المراغي صياغته مما يوقعه في شرك الأسئلة التي نلقيها عليه بين الحين والآخر. ومنها هل كان الأستاذ المراغي من ضمن هؤلاء الضيوف الذين يستضيفهم الدكتور يوسف رشاد لكي يصف سهرتهم بهذا التفصيل؟

قد تكون الإجابة في الحلقات التالية من مذكرات المراغي أو بالأحرى برواية الأستاذ مرتضى المراغي.

يستكمل المراغي حديثه بقوله:

سأكلفهم بمهمة خطيرة

أصبح يوسف يلازم منزله دائمًا. وإذا خرج إلى مكان فعليه أن يترك رقم هاتف المكان الذي يتوجه إليه أو العنوان. وكانت هذه أوامر الملك. وفي عصر يوم كان في منزله عندما تلقى مكالمة تليفونية للتوجه إلى القصر وبصحبته زوجته ناهد. فركبا السيارة ووصلا إلى مكتب الملك الذي قام إلى وسط الغرفة وأخذ بيد ناهد قائلًا: أراك تزدادين جمالًا، واحمر وجهها. شكرته بصوت خافت ثم أشار إليها بالجلوس وسأل يوسف: ها يا يوسف ماذا يقول الناس عني؟

قال يوسف يقولون كل خير. رفع الملك يده معترضًا وهو يقول: بل قل شيئا إلا.. الخير.. على كل حال تعودت ذلك وأصبح لا يهمني أمرهم، لقد طلبتكما للتحدث عن أصدقائكما، لأني كنت طلبت إجراء تحريات عنهم أسفرت عن أنه لا غبار على خمسة منهم أما مصطفى فقد تبين أنه يعتنق المذهب التروتسكي الذي يرى ستالين يخون المذهب الشيوعي. وأنه عضو بارز في جماعة التروتسكيين في مصر. وهو يشرب الخمر بشراهة ويدمن تعاطي الحشيش.

رد يوسف بأنه لا يعلم عن مصطفى اعتناق المذهب التروتسكي، ولكنه يعلم أنه يتعاطى الحشيش من المأدبة التي أقامها أخيرًا. وقص علي الملك قصة لف سجائر الحشيش.

إذن فقد أصبح منزلكم غرزة حشيش. واستمر قائلًا: وعلى كل حال فالتقرير المقدم يقول إنه لا يحضر بانتظام اجتماعات لجنة التروتسكيين، وأنه يعتبر في نظرهم هاويًا أكثر منه ممارسًا، وأنه يحلم بالشهرة وتدور في رأسه خيالات بطولة وزعامة، يمد الحشيش حبالها وآفاقها. وإنه يحب أن يلبس بدلة جميلة التفصيل، ويحب الطعام الجيد والخمر المعتق والنساء.

وهنا صوب الملك نظرة نحو ناهد التي احمر وجهها. ولم تفت النظرة ومعناها يوسف. وقال: إنه لو توفر له المال لنسي تروتسكي. وفوق ذلك فهو ضابط في أحد الألوية المرابطة في الصحراء، ويطيب له الانتقال إلى القاهرة. أما الضباط الثلاثة الآخرون فواحد يريد أن يلتحق بالمخابرات العسكرية، وآخر بسلاح الفرسان والثالث يريد الالتحاق بالحرس الملكي. وضابط المطافئ يريد رتبة ملازم أول. والموظف يريد الترقية إلى الدرجة الخامسة. إنك ترى يا يوسف أن لهم أطماعًا. وسكت فاروق قليلًا ثم قال كأنه أستاذ خبير: وصاحب الأطماع تسهل مساومته. هل تدركين يا ناهد ما أريده؟ إنني أعلم أنك ذكية؟

تذكرت ناهد مبلغ غضبه للإهانة التي لحقته يوم 4 فبراير ودار في خاطرها هل ترى أنه يريد منا أن نطلب من هؤلاء الضباط عملا ضد من أهانوه؟ ولكي تعبر عن هذا الخاطر سألته ببراعة: مولاي! هل تطلب تكليفهم عملا خطيرًا. قال الملك: نعم وخطير جدًا. قالت ناهد إلى أي حد؟

قال الملك إلى أبعد الحدود. إلى حد القتل. سأصارحكما مباشرة وبلا لف أو دوران. أريد قتل النحاس وأمين عثمان انتقامًا من الإهانة التي لحقت بي. وكنت أود قتل السفير البريطاني مايلز لامبسون. ولكن كل الأصابع ستشير نحوي بأنني المحرض على قتله. ولن أنجو من الخلع عن عرشي. أما النحاس وأمين عثمان فكل ما سيفعله الإنجليز أن تقوم جريدة برثائهما وتعديد مزاياهما.

ولكن سأصبر على النحاس حتى أتمكن من إقالته هو وأمين عثمان من منصبهما ليصبحا مقصوصي الجناح يسهل اصطيادهما. ولن تكون أداة التحقيق نشيطة في البحث عن الفاعل كما لو كان على رأس الحكومة.

قالت ناهد: ولكني لا أرى يا مولاي إنهم يصلحون للقيام بهذة المهمة الخطيرة. قال الملك: لماذا لا يصلحون؟ قالت ناهد: لأنهم يتعاطون الحشيش. قال الملك: بالعكس إن المخدر يسلب العقل تقدير مغبة المخاطرة، ويسلب المرء التمييز بين الخير والشر، ألم تسمعي قصة الصباح الذي ألف طائفة الحشاشين أو الإسماعيلية في دمشق. وكان إذا أراد قتل أحد خصومه خدر رجلًا وأرسله إليه؟ اسمع يا يوسف. أمامك وقت لتشكيل أصدقائك في جماعة. فتول هذه العملية ولك مني شيك على بياض بإعطائهم أي شيء يرغبون فيه.

انصرف الزوجان وهما يشعران بثقل المهمة التي يلقيها الملك على عاتقهما وخطورتها البالغة.

إن ناهد نشأت في بيت بسيط يسوده الحب والحنان. كان أبوها أستاذًا جامعيًا لطيف المعشر، وأمها وصيفة في القصر لا تفارق الابتسامة والكلمة الحلوة شفتيها ويوسف كان مغمورًا بحب والده الذي لم يكن يعنفه على سقوطه في الامتحان ومغامراته النسائية. وصبر عليه حتى نال شهادة الطب بعد أن تعدى الثلاثين من عمره. فأي قدر يريد أن يرميهما في هذه المصيبة؟ ولكن الملك يريد ذلك فإذا لم يطيعا أمره فسيعود يوسف الطبيب المغمور وينتقل من مكتب القصر إلى عيادة في أحد الأحياء الفقيرة في القاهرة، وناهد لن تحضر إليها سيارة القصر ولن تلبس اليشمك الأبيض الذي تتميز به سيدات القصر.

هذه الخواطر وغيرها تبادلاها حين عادا إلى البيت ووجد يوسف لنفسه مخرجًا لقبول عرض الملك فقال لناهد: لو رفضنا طلب الملك لتشكيل الجماعة فإنه يستطيع قتلنا حتى لا نفضح سره. وسلمت ناهد بهذا الرأي. لا إيمانًا منها بما قاله زوجها ولكن لأن حبها لحياة القصر كانت أكثر من حبها لحياتها بعيدًا عن الأضواء.

التعليق

رواية جميلة ومسلية التي يقصها علينا أستاذنا مرتضى المراغي في مذكراته بالرغم أنها رواية ليست بحقيقية، ولكن كنت أظن أن يتهم فيها الملك فاروق بتعاطي المخدرات حتى تكتمل الصورة الكاذبة، ولكن فاجأنا الأستاذ المراغي ويا للعجب بان يمتدح الملك فاروق بل يعتبره الناصح الأمين ذا الثقافة الغزيرة الذي يصحح كل أخطاء رجاله وخاصة يوسف رشاد، بالرغم أن الأستاذ المراغي هاجم الملك فاروق من قبل ووصفه بأنه قليل المعرفة وعديم الثقافة.

وموضوع تشكيل الجماعة والذي ذكره الأستاذ المراغي في الفقرة السابقة، وهو المقصود به الحرس الحديدي الخاص للملك فاروق هو موضوع تم تلفيقه وإلصاقه بالملك فاروق.

نعم لقد كان هناك في مصر تنظيم مسلح يدعى جمعية الحرس الحديدي وهو تنظيم خاص بضباط 23 يوليو 1952 على غرار الحرس الحديدي للزعيم الإسبانى فرانشسكو فرانكو والحرس الفولاذي للملك كارول ملك رومانيا أثناء الحرب العالمية الثانية. وهذا التنظيم ليس له أدنى علاقة بالملك فاروق، وقد قام هذا التنظيم بارتكاب الكثير من العمليات المسلحة والتخريب مثل حريق القاهرة والاعتداء على اللواء حسين سري عامر.

ويعود تأسيس الحرس الحديدي لضباط يوليو لاهيريبرت هاييم الضابط الطبيب والكادر الألماني النازي رئيس محطة الخدمة السرية الخارجية الألمانية في مصر خلال ثلاثينات القرن العشرين. ويصف مايلز كوبلاند الذي تولى رئاسة الخدمة السرية الأمريكية بمصر جمعية الحرس الحديدي في كتابه الشهير (لعبة الأمم) بأنها كانت أهم القواعد الثابتة المؤهلة لدعم وتلبية احنياجات أكبر المحطات الألمانية.

وكان هدف جمعية الحرس الحديدي قتل الجنود والضباط الإنجليز والمتعاونين معهم، وكان من ضمن أعضاء هذه الجمعية جمال عبد الناصر وأنور السادات وآخرين، فبعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ترك الجيش النازي جهاز مخابراته (الجستابو) طريدًا في جميع دول العالم، واضطر هيريبرت عند ذلك الهروب إلى أمريكا الجنوبية خوفًا من المحاكمات الدولية. وكان الجستابو يحوي عددًا ضخمًا من الجواسيس والعملاء ذوي الكفاءة العالية، وهنا بدأت دول العالم تتصارع على ضم أكبر عدد من رجال الجستابو إلى أجهزة مخابراتها، وكانت الولايات المتحدة لها نصيب الأسد من رجال الجستابو، وقد نجحت وكالة المخابرات الأمريكية من ضم أمهر رجال الجستابو إليها ومن ضمن هؤلاء هيرببرت هاييم الذي كان يشرف على وحدة جهاز المخابرات الألمانية بالقاهرة.

ويقول الأستاذ طارق المهداوي في مقال له بصحيفة المصريون بتاريخ 16/ 4/ 2015 بعنوان «كيف أنشأت المخابرات الألمانية تنظيم الضباط الأحرار؟»:

«وعقب انقلاب 23 يوليو 1952 بمساعدة المخابرات الأمريكية التي حلت بدلًا من المخابرات الألمانية باستيلائها على مركز نشاطها بالقاهرة، قام ضباط 23 يوليو باستدعاء معلمهم الأول هيريبرت هاييم إلى القاهرة ومنحوه اسمًا مستعارًا وهو طارق فريد حسين، والذي قام بدورة في مساعدة وتعليم ضباط يوليو على كيفية عمل المهام المخابراتية، واستمر هذا الوضع حتى وفاة هيريبرت هاييم عام 1992».

وسوف نقوم بعرض تفاصيل هذا الموضوع عند عرضنا للحلقة الخاصة بانقلاب 23 يوليو 1952 ضمن إطار مذكرات المراغي.

يتبع مع الجزء الأول من الحلقة العاشرة بالمقال القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد