يقول المراغي:

كل هذه القصاصات المتناثرة عندما أجمعها اليوم فماذا تعني غير أن فاروق كان نفسه وراء هذا الحريق الذي دبره للتخلص من حكومة الوفد، ونجح بالفعل في التخلص من حكم الوفد، لكنه في الوقت نفسه وضع اللغم الموقوت تحت عرشه الذي تم نسفه يوم 23 يوليو (تموز) من نفس العام، ثم تكمل المقادير أحداثها فيأتي خروجه من مصر في يوم السبت 26 يوليو. ويوم السبت 26 يناير (كانون الثاني) كان حريق القاهرة. ويوم السبت 26 يوليو من نفس العام كان خروجه من مصر. هل كان يدري؟

هل كان يعرف ماذا تعد له المقادير التي أظن أنه هو الذي كان يخطط لها؟ ثم لماذا أراد التخلص من الوفد ووصل تفكيره إلى هذه الدرجة؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد -وأنا أغلق ملف حريق القاهرة- يجب أن أشير إلى منشور سري تم ضبطه بعد حريق القاهرة كان يوزع داخل القوات المسلحة.

وربما كان أهم ما يعكسه هذا المنشور من تفكير موجود بين حركة الضباط الأحرار في ذلك الوقت يبدو متلاقيًا مع تفكير فاروق ولكن الاختلاف في الأهداف.

يقول المنشور وأنقله بنص عباراته:

من عليه الأمل معقود؟ إنه الجيش. وهو في الدرجة الأولى من الاعتبار ذو الأمل المنشود، يضاف إليه عنصر آخر هو عنصر البوليس. بورك فسادكم أيها الرأسماليون. فقد ساعدتم الخطة على الكمال.

وتنمو العلاقة وتتوثق ربطتها. وتعمل جمعية الضباط الأحرار من شباب الجيش في إخلاص ودقة.

إن جنود الجيش من أبناء الشعب وهم يفهمون الجندية على أنها حكم قاس من أحكام القدر الظالم.

أخانا عسكري الجيش يجب أن تفهم أن الجندية هي حكم رهيب لقدر ظالم جبار. هذا هو ألف باء العلم والتصقيل.

الجندي يقول له الضابط في دروس المعسكر: اسمع يا عسكري أنت وهو، أنا ضابط وأبي ليس باشا. أنا مثلك آكل طعمية وفول مدمس مثلما تأكلون، أهلي استطاعوا التحمل بالقليل مما لديهم ليجعلوني ضابطًا.

ونحن محكومون بطغاة يمصون ثروات البلد، ويأكل الشعب التراب، والإنجليز الكفرة المجرمون يقتلون المصريين في القنال والشرقية لأنهم لا يريدون الجلاء، إن الضباط الأحرار هم ثمرة التجاوب الثوري وانبثاق الأمل الكبير. إن الإنجليز دكوا مدينة الإسماعيلية وقتلوا وأسروا البوليس. البلاد تجتاحها موجة سخط شنيع. فعلى هيئة القيادة أن تسرع وتمهد للتغيير. الخطوة الأولى أن يفر جنود من الجيش وينضموا إلى فدائيي الكتائب. وعند ساعة معينة من صباح يوم السبت تبدأ حركة إرهاب تعد من أخطر ما عرفت مصر من تاريخها. ذلك أن يحضر بعض الفدائيين المزودين بأدوات الساعة أي القنابل الحارقة والخناجر والمسدسات، وتقسم هذه الفرق في أنحاء القاهرة تخرج معها القوى الشعبية لتحرق أماكن من المدينة مما ينشر الذعر. وهنا الثورة في قلب العاصمة التي تدفع النفوس نحو تنفيذ الخطة المدبرة ويفلت النظام مركزيًّا. سنحرق أماكن اللهو ودور القمار والخمر. هذه هي النهاية التي كانت في حسبان أولي الشان ولكننا نرى أنها لم تبلغ بعد.

فيا لخيبة الأمل، ويا لها من خيبة قاتلة جاءت في لحظة رجاء مشرفة في ذمة الله.

لقد رسمت الخطط ودبرت المسائل. ولكن راح أمل الحكومة الانقلابية التي دبرناها لتحل محل حكومة الرأسماليين في سراب الدخان القاتم.

انتهى البيان.

ولا بد أن أعلق هنا بملاحظة بالغة الأهمية، وهي أن ثورة يوليو لم تحاول، حتى مجرد المحاولة على رغم أنها فتحت ملفات كثيرة، إلا أنها لم تقترب من فتح هذا الملف الذي ظل سرًا مغلقا.

إنذار بريطاني للشرطة

ثم أعود إلى السؤال: لماذا دبر فاروق حريق القاهرة؟

إن من السذاجة والتجاوزات معًا تصور أن فاروق كان وراء سيناريو الأحداث الذي وقع منذ كان العدوان الإنجليزي على مبنى محافظة الإسماعيلية وقسم الشرطة هناك وهو الذي جرى يوم الجمعة 25 يناير وأحداث ردود الفعل العنيفة التي أحدثها.

من السذاجة والتجاوز تصور أن فاروق كان له دخل بهذا الحادث بشكل فجائي عندما حاصرت القوات الإنجليزية في مساء الخميس 24 يناير مبنى محافظة الإسماعيلية وقسم أو ثكنات بلوكات النظام التي كانت توجد خلف مبنى المحافظة. وعلى الطريقة الإنجليزية المعروفة فإن قائد القوات الإنجليزية واسمه الجنرال أكسهام وكان يتولى قيادة القوات البريطانية بمنطقة الإسماعيلية (حيث كان الإنجليز في ذلك الوقت قوات وثكنات على امتداد طول القناة)، قام الجنرال أكسهام بتسليم إنذار إلى مسؤول قوات الشرطة يطلب فيها أن تقوم قوات الشرطة بالإسماعيلية بتسليم أسلحتها إلى القوات البريطانية وأن تخرج هذه القوات بعد أن تسلم سلاحها وتغادر منطقة القناة وأنه في حالة عدم تنفيذ أوامر القائد البريطاني فإن مدافع الدبابات التي كانت تحاصر مبنى المحافظة في ذلك الوقت سوف تقوم بهدم المبنى ومقر الشرطة على من فيه.

وكان الهدف من هذا التصرف الإنجليزي هو إهانة السيادة المصرية ممثلة في شرطتها بعد أن نشطت عمليات الفدائيين التي كان يقوم بها المصريون ضد الإنجليز في منطقة القناة. وكان يشارك فيها بعض الضباط المتخفين. وقد نشطت هذه العمليات بعد أن أعلن مصطفي النحاس باشا في 8 أكتوبر (تشرين الأول) إلغاء معاهدة 1936 التي كانت تسمح للإنجليز بحصر وجودهم في منطقة القناة.

ألغى النحاس باشا هذه المعاهدة وكسب رأيًا شعبيًا واسعًا أغاظ بالتأكيد الملك فاروق الذي كان يكره الوفد كراهية بالغة تعود إلى الأيام الأولى من توليه سلطاته بوصفه ملكًا في عام 1937. وعلى رغم صغر سنه في ذلك الوقت فإنه تعلم إقالة الوزارات وكان أول وزارة أقالها هي وزارة مصطفى النحاس!

سراج الدين يرفض

على أثر تلقي قائد الشرطة في الإسماعيلية الإنذار البريطاني أجرى اتصالًا مع وزير الداخلية فؤاد سراج الدين الذي كان أمامه خياران إما أن يقبل استسلام قواته بكل ما يمثله ذلك من خزي، وأما أن يطلب إليها المقاومة وليكن ما يكون.

ورفض سراج الدين الاستسلام.

وللتاريخ كانت الروح المعنوية لقوات الشرطة التي وجدت نفسها محاصرة بالدبابات عالية جدًا، وذهب قائدها اليوزباشي (النقيب) مصطفى رفعت يبلغ القائد الإنجليزي: إذا أردتم استسلامنا فلن تتسلموا منا غير الجثث!

وبكل الوقاحة والغطرسة البريطانية تم تنفيذ الإنذار، وأطلقت مدافع الدبابات طلقاتها على مبنى المحافظة، وبالبنادق المتواضعة التي كانت في أيدي الجنود المصريين ردوا على الرشاشات والمدفعية البريطانية.

كانت معركة قمة في البسالة من جانب المصريين، وقمة في النذالة من جانب البريطانيين، وقد ظل جنود الشرطة يقاومون ببنادقهم أكثر من ساعة ونصف سقط خلالها 50 شهيدًا وجرح 80 ضابطًا وجنديًا.

وإذا كان تاريخ الأمم لا يكتبه غير الأبطال الذين تهون عليهم أرواحهم في لحظات الامتحان الرهيبة التي يتعين على الوطن أن يواجهها. فلقد كتب أبطال الشرطة الذين صمدوا واستشهدوا وجرحوا صفحة من أعظم صفحات مصر. الأمر الذي أصبح فيما بعد وبحق عيدًا للشرطة يتم الاحتفال به في 25 يناير من كل عام.

دوره بدأ بعد الإسماعيلية

لكن فاروق كما قلت لم يكن ولا يمكن أن يكون له أي دور بهذا السيناريو الذي وقع لقد جرى ما جرى صباح الجمعة 25 يناير.

وعندما عرفت مصر بأنباء ما حدث كانت المشاعر كلها لهيبًا متفجرًا بالغضب، وكان جنود بلوك النظام في العباسية هم في مقدمة الذين حركتهم مشاعر الغضب تعاطفًا مع إخوانهم، وكانت مظاهراتهم التي تطورت إلى مشاهد الحريق المدمر.

وهكذا فإنه إذا كان لفاروق دور في كل ماحدث فلقد بدأ هذا الدور في أعقاب حوادث الإسماعيلية التي أراد استثمارها للقضاء على حكم الوفد الذي كانت شعبيته واضحة وخصوصًا بعد إلغاء النحاس باشا معاهدة 36 في أكتوبر 51 كما قلت.

والسؤال الذي لا بد منه: لماذا كانت هذه الكراهية الشديدة بين فاروق وبين الوفد تلك التي جعلته يخطط كما تشير ظواهر الأحداث وبواطنها إلى أنه كان نيرون هذه المدينة العظيمة الجميلة التي كانت في وقتها من أجمل وأنظف مدن العالم؟!

إنها قصة فاروق والوفد.

ولكنها قصة فاروق ومصر،

وبصرف النظر عن تطورات الأحداث بعد 23 يوليو وخروج فاروق من مصر فلقد كان فاروق وسيبقى جزءًا من تاريخ مصر.

وكم كانت فترة حكمه غريبة، وكانت مشاعره تجاه الملايين، وشعوره بأنه لن يعيش طويلًا في مصر، لقد تتابعت السنوات، وقد حان الوقت الذي يمكن كتابة قصة فاروق وقد كنت شاهدًا على كثير من فصولها، بلا عقد ولا حسابات.

التعليق

ونأتي إلى التهمة الكبرى والتي هي أساس حريق القاهرة كما تخيلها المراغي، وهي أن الملك فاروق كان وراء حريق القاهرة لكي يتخلص من حكومة الوفد. وأرجع المراغي اتهامه هذا إلى عدد من الملابسات لخصها في عدة نقاط وهي:

* طلب الملك لرئيس ديوانه بالتدخل لدى المراغي لغلق ملف حريق القاهرة.

* طلب وزير الداخلية بسرعة نزول الجيش ومماطلة الملك.

* تمسك قيادة الجيش بالمساءلة العسكرية للضباط والحنود الذين اشتركوا في مظاهرات 26 يناير يوم حريق القاهرة دون غيرها من الهيئات القضائية المدنية.

* محاولات أجهزة الأمن تلفيق الاتهام للمحامي أحمد حسين رئيس الحزب الاشتراكي.

* الوليمة المفاجئة التي أقامها الملك لضباط الجيش والبوليس يوم حريق القاهرة واستبعاد وزيري الحربية والداخلية منها.

هذه هي الأسباب التي ألقى بها الأستاذ المراغي في وجه الملك لتبرير اتهامه له بحريق القاهرة.

وغالبية هذه الاتهامات قمنا بالرد عليها في الحلقات السابقة غير أن هناك اتهامًا غريبًا من نوعه يورده هنا الأستاذ المراغي وقد ألمح إليه في الحلقة الثالثة وهو أن أجهزة الأمن حاولت تلفيق اتهام حريق القاهرة لرئيس الحزب الاشتراكي أحمد حسين، فكيف يكون ذلك أليس المراغي هو وزير الداخلية حينذاك، فكيف يسمح بذلك؟، ولكن الأستاذ المراغي يحاول في هذه النقطة بالذات أن يتنصل من ذلك الاتهام ويعطي إيحاء بأن الملك هو المسيطر على الأجهزة الأمنية وليس هو بوصفه وزير داخلية، والسؤال هنا كيف بالأستاذ المراغي يقبل على نفسه بمنصب وزير الداخلية وهو يعلم أن الملك هو المهيمن على أجهزة الأمن فيها؟

فكان يجب عليه على الأقل عندما يصبح وزير للداخلية ويعلم مدى سيطرة الملك على شئون وزارته يحاول أن يثبت أنه هو الرئيس الفعلي لهذه الوزارة وأن يمنع أي تدخل يعيق عملها حتى لو كان ذلك التدخل من قبل الملك، فإذا لم يستطيع المقاومة فمن الشهامة أن يقدم استقالته على الفور.

ولكن الأستاذ المراغي بعد أن أهال الاتهامات الصريحة والعلنية على الملك فاروق بأنه هو مدبر ومخطط للحوادث قبل وأثناء حريق القاهرة وأفاض في تعدد أسباب تلك الاتهامات. عاد فجأة إلى الوراء قليلًا وبدون أي مقدمات واتجه باتهاماته هذه إلى منحنى آخر وهو منحى الاتهامات المستترة أو المغلفة.

فقال:

فإذا كان لفاروق دور في كل ما حدث فلقد بدأ هذا الدور في أعقاب حوادث الإسماعيلية التي أراد استثمارها للقضاء على حكم الوفد الذي كانت شعبيته واضحة وخصوصًا بعد إلغاء النحاس باشا معاهدة 36 في أكتوبر 51 19.

والسؤال الذي لا بد منه: لماذا كانت هذه الكراهية الشديدة بين فاروق وبين الوفد تلك التي جعلته يخطط كما تشير ظواهر الأحداث وبواطنها إلى أنه كان نيرون هذه المدينة العظيمة الجميلة التي كانت في وقتها من أجمل وأنظف مدن العالم؟!

 

فالأستاذ المراغي يتراجع هنا عن ما قاله سابقًا بأن الملك فاروق كان هو المخطط للحوادث التي سبقت حريق القاهرة واكتفى بأن تدبير الملك فاروق بدأ بعد حوادث الإسماعيلية فاستغل تلك الحوادث وأحكم مؤامرته بهدف القضاء على الحكومة الوفدية.

وقد سرد الأستاذ المراغي في إطار اتهامه للملك فاروق بعرض ملابسات الحوادث التي وقعت عقب إلغاء مصطفى النحاس باشا لمعاهدة 1936. وجهود الحكومة الوفدية وخاصة وزير الداخلية فؤاد سراج الدين لتفادي مضاعفات هذا الإلغاء ومواجهة الدسائس والمؤامرات. وهدف الأستاذ المراغي من هذا السرد هو إحاطة قارئ مذكراته بالعوامل الظاهرة التي أدت إلى حريق القاهرة ومدى ما يمكن للملك فاروق أن يقوم به من أعمال ومؤامرات في ظل هذا السيناريو.

وأنه من السذاجة أن يقول قائل أن الملك فاروق بدأ ينسج خيوط مؤامرته بحرق القاهرة بعد حوادث الإسماعيلية، لأن المدة بين حادثة الإسماعيلية وحريق القاهرة لا تتعدى الساعات القليلة فمن المستحيل في خلال تلك الساعات القليلة يستطيع الملك أن يخطط وينفذ تلك الحوادث المروعة بالسرعة والاحترافيه الشديدة بحيث لا يترك وراءه أي دليل مادي وملموس.

فمن يقرأ تفاصيل الحريق يتبادر إلى ذهنه مباشرة أن هناك خطة محكمة وضعت قبل إلغاء معاهدة 1936، (كانت هناك تصريحات من حكومة الوفد بإلغاء معاهدة 1936 قبل الإلغاء الفعلي لها بشهور)، فمن قاموا بوضع الخطة يعرفون أنه بعد إلغاء معاهدة 1936. سوف تكون هناك حوادث عنف متبادلة بين المصريين والإنجليز في منطقة القناة ثم تمتد هذه الحوادث بعد ذلك داخل المدن المصرية وخاصة مدينة القاهرة الذي يعيش بها عدد كبير من الإنجليز والأجانب يمارسون حياتهم وأعمالهم، وطبقًا لهذه التوقعات قام راسمو وواضعو الخطة أو من ينوب عنهم بالترتيب والاستعداد وتجهيز مجموعات العمل وانتظروا لحظة ساعة الصفر، وأعتقد أن تلك الاستعدادات والتجهيزات استغرقت فترة طويلة وكافية لإعداد مجموعات محترفة وعلى درجة عالية من الكفاءة في التنفيذ، وعلى ذلك فإن هذا السيناريو مرتبط ووثيق الصلة بينه وبين حريق القاهرة. بل هو سيناريو واحد لا يعقل تجزئته.

وعليه فلا يعقل أن يكون الملك فاروق هو الذي خطط ونفذ هذا السيناريو الطويل والدقيق والمحكم، ولا يعقل أيضًا أنه استغل حوادث الإسماعيلية وبدأ يفكر في تدبير خطة لافتعال الحوادث يوم 26 يناير 1952 لكي يقيل حكومة الوفد، فقارئي التاريخ يعرفون أن الملك فاروق أقال حكومة الوفد من قبل أكثر من مرة دون أن يحتاج لنسج خطط أو تدبير حوادث.

كما أن حكومة الوفد (يناير 1950 – يناير 1952 ) كانت من أكثر الحكومات الوفدية تعاونًا مع الملك فاروق فقد تم التنسيق الكامل بين الملك وحكومة الوفد في إصدار مراسيم وقوانين إلغاء المعاهدة، وفي هذا الصدد يقول حسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكي بالإنابة في مذكراته: «قال أحدهم وهو يفاخر بأن الفضل في إلغاء المعاهدة يرجع إلى الوفد وأن الوزارة ضحكت على الملك وانتزعت منه التوقيع على مراسيم الإلغاء لأنه لم يكن موافقًا على هذا الإجراء، ولي أن أتساءل بعد إيضاح المراحل التي مرت بها تشريعات الإلغاء: -متى وكيف انتزعت موافقة الملك؟ ففي المرحلة الأولى عرض النحاس باشا على الملك يوم 19 سبتمبر (أيلول) مبدأ الإلغاء، وفي المرحلة الثانية يوم 20 منه قمت بعرض التفاصيل فوافق عليها الملك وأبلغت الموافقة إلى رئيس الحكومة، وفي المرحلة الثالثة وقع الملك على مراسيم الإلغاء يوم 7 أكتوبر بإحالتها إلى البرلمان وبعد موافقة مجلس النواب والشيوخ صدق الملك على التشريعات وأصدرها يوم 15 أكتوبر، ففي أي مرحلة حصل الانتزاع؟ وإذا حدث مرة فهل يتكرر مثنى وثلاث ورباع؟ وإذا كان في قولي ما يشبه التحيز فإنني أستشهد بأستاذنا الكبير الدكتور وحيد رأفت وهو عالم لا يرقى الشك في حياده وكان مستشار للرأي في وزارة الخارجية فهو عندما طلب إليه الوزير إعداد مشروعات لقوانين وإلغاء المعاهدة سأله عن موافقة السراي؟ فأجابه الوزير بأن لدينا موافقة الملك على هذا الإجراء».

كما أن الملك كان قمة السعادة بعدما نادت حكومة الوفد بالملك فاروق بملك مصر والسودان وكانت الحكومة لا تستقبل السفراء الجدد بدون أن تكون خطابات اعتمادهم موجهة باسم صاحب الجلالة ملك مصر والسودان.

كما أصدرت حكومة الوفد بعد إلغاء معاهدة 1936 أمر إلى قوة الجيش المصري في السودان بعدم إطاعة أي أمر يصدر إليها بالعودة إلى مصر وبوجوب البقاء في مراكزها والدفاع عنها بالقوة، وقد أعجب الملك فاروق بهذا القرار واستدعى حيدر باشا القائد العام للجيش لتأكيد تأييده شخصيًا لهذا القرار وطلب تعزيز قوة الجيش المصري بالسودان وتزويدها بقدر المستطاع من الإمدادات. (مذكرات حسن يوسف وكيل الديوان الملكي – مركز الأهرام للدراسات السياسية والأستراتيجية عام  1982).

لذلك فإن القول بأن الملك فاروق كان وراء حريق القاهرة 1952 قول بعيد عن الحقيقة،

والغريب هنا أن الأستاذ المراغي يناقض نفسه ففي الوقت الذي يتهم فيه الملك فاروق صراحة بأنه مدبر حريق القاهرة يلمح بل ويصرح بأن هذا الحريق كان وراءه ضباط انقلاب 23 يوليو ويستدل الأستاذ المراغي بمنشور تم ضبطه بعد حريق القاهرة وكان يوزع داخل القوات المسلحة قبل الحريق، والحقيقة أن المنشور الذي نشره الأستاذ المراغي في هذه المذكرات به خطة كاملة لتدبير حوادث الحرق والتدمير يوم السبت 26 يناير 1952، ولكن الأستاذ المراغي لم يذكر الملابسات التفصيلية بكيفة ضبط المنشور؟، ومع من؟، وهل أجريت تحقيقات عسكرية أو غير عسكرية بشأنه أم لا؟، وهل اتخذت أي تدابير فورية أو مستقبلية أم لا؟، فالأستاذ المراغي يطرح علينا هذا المنشور ويحيطه بظروف غامضة.

ويختم طرحه بشأن اتهام ضباط انقلاب يوليو بافتعال حريق القاهرة بتعليق وإلقاء اللوم والاستنكار على هؤلاء الضباط بقوله، إن ضباط نظام حكم يوليو 1952 لم يحاولوا – حتى مجرد المحاولة على رغم أنهم قاموا بفتح ملفات كثيرة إلا أنهم لم يقتربوا من فتح هذا الملف الذي ظل سرًا مغلقًا. (ملف حريق القاهرة 26 يناير 1952).

يتبع مع الجزء الثالث من الحلقة الرابعة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة الرابعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد