يقول المراغي:

شرط غريب للطلاق!

لم يدم زواج فاروق بفريدة أكثر من 10 سنوات، فقد تم الطلاق بينهما في نوفمبر (تشرين الثاني) 1948، وقد أذاع ديوان الملك هذه المناسبة بيانًا قال فيه:

«شاءت إرادة الله أحكم الحاكمين أن تنفصم عرى رابطة مقدسة بين زوجين كريمين، فوجه حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم فاروق الأول، وحضرة صاحبة الجلالة الملكة فريدة مع ما يشعران به من أسف إلى الرغبة في الانفصال بالطلاق، وتحقيقًا لهذه الرغبة فقد أصدر جلالة الملك الإشهار الشرعي بذلك في يوم 16 من المحرم 1368 الموافق 17 من نوفمبر 1948. والراديو إذ يعلن هذا، ليرجو من الله جل وعلا أن يهيئ من فضله وكرمه لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم ما تقر به عين البلاد وتسعد».

وقيل حين أراد فاروق طلاق زوجته استدعى شيخ الأزهر الشيخ مصطفى المراغي والدي، ودار بينهما الحوار التالي:

الملك: أود أن أخبرك أني أريد طلاق الملكة.

شيخ الأزهر: أرجو ألا يكون قرارك هذا عارض غضب مفاجئ قد يزول بعد التروي.

الملك: لا.. لا.. إن أسبابًا خطيرة تدفعني إلى هذا الطلاق وقد انتهى تفكيري في أنه لا مفر منه.

شيخ الأزهر: إن الطلاق حق لكل شخص وحلال حسب الشريعة. ولو أبغض الحلال.

الملك: قلت لك إن دوافع خطيرة دفعتني إلى اتخاذ القرار.

شيخ الأزهر : ما دمت جلالتك مصرًا وقد فكرت طويلًا كما قلت، فلا الدين ولا أحد يمنعك من الطلاق.

الملك: لكن شيئًا مهمًا أريد تحقيقه قبل الطلاق. وأرجو أن تساعدني عليه.

شيخ الأزهر: وما هو هذا الشيء يا صاحب الجلالة؟

الملك: أريد أن تصدر فتوى بأنه لا يجوز لها أن تتزوج رجلًا آخر.

قال الشيخ المراغي وقد فوجئ بالطلب: كيف أصدر فتوى تخالف الشريعة؟ إن المرأة بعد طلاقها وانقضاء العدة تستطيع أن تتزوج من تشاء وهذا نص الشريعة.

الملك: ولكنها ليست امرأة عادية، إنها ملكة.

قال شيخ الأزهر: الدين لا يفرق بين ملكة وامراة عادية من عامة الناس.

قال الملك: ولكني مصر على أن تصدر الفتوى لا بد من معاقبة الملكة.

قال شيخ الأزهر: لا يمكنني يا صاحب الجلالة أن أصدر هذه الفتوى.

قال الملك: إذن سأبحث عن رجل دين آخر يصدرها.

قال شيخ الأزهر: اعتبرني من الآن مستقيلًا حتى أمكنك من أن تجد شيخًا آخر يحل محلي ليعطيك تلك الفتوى.

وخرج شيخ الأزهر. وحاول الملك أن يجد أحدًا من رجال الدين يفتي له بما أراد، ولكن من عرض عليهم الأمر امتنعوا عن موافقته، وبقي شيخ الأزهر في منصبه. وطلقت الملكة.

التعليق

إن الخيال الطاغي الذي سيطر على الأستاذ مرتضى المراغي في وصفه قصة فاروق الأسطورة الوهمية أوقعته في أخطاء تاريخية شنيعة، والأغرب من ذلك أن من ضمن هذه الأخطاء ما قد تمس حقائق خاصة بعائلة المراغي نفسه. فكيف يا رجل تقول إن الملك فاروق عندما أراد أن يطلق الملكة فريدة استدعى الشيخ مصطفى المراغي الذى هو والدك أي (والد الأستاذ مرتضى المراغي) لكي يفتي له فتوى بعدم زواج الملكة فريدة بعد طلاقها منه؟ ألم تشعر عند فبركة هذه الأقاصيص أنك تحاول أن تجعلها متماشية مع الواقع بقدر الإمكان؟ فكيف تقول ذلك يا رجل والشيخ مصطفى المراغي الذي هو والدك توفي قبل طلاق الملكة فريدة بثلاثة أعوام؟ ألا تعرف يا رجل تاريخ وفاة والدك؟ أنا سوف أقول لك تاريخ وفاة والدك، والدك الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر توفي في 22 أغسطس (آب) عام 1945. والملك فاروق طلق الملكة فريدة يوم 17 نوفمبر 1948.

قد يقول قائل من المحتمل أن يكون الملك فاروق قبل طلاقه الملكة فريدة طلب تلك الفتوى من الشيخ محمد مصطفى المراغي قبل وفاته، لكن الشيخ المراغي رفض، وبعد ذلك بفترة طويلة وبالتحديد يوم 17 نوفمبر عام 1948 طلّق الملك فاروق الملكة فريدة، حينها كان الشيخ مصطفى المراغي في ذمة الله منذ مدة ليست بالقصيرة.

وبالطبع هذا الاحتمال غير صحيح بالمرة، والدليل على ذلك أن الأستاذ مرتضى المراغي يقول في الفقرة التالية من هذه المذكرات، والتي هي بعنوان سرقة مذكرات الشيخ المراغي: «فبعد طلاق فاروق للملكة فريدة دخل شيخ الأزهر (الشيخ المراغي) مستشفى المواساة للعلاج من مرض القلب». فهذه الجملة تدلل على أن الأستاذ المراغي كان يقصد بأن الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر كان حيًّا يرزق بعد طلاق الملكة فريدة. والدليل الآخر من الفقرة السابقة وهي جملة: وبقي شيخ الأزهر في منصبه وطلقت الملكة… وهذا الحديث الذي ذكره الأستاذ المراغي غير حقيقي بالمرة وتزييف في الحقائق، فالحقيقة الناصعة في كل المراجع التاريخية أن الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق توفي إلى رحمة الله في 22 أغسطس عام 1945، والملكة فريدة تم طلاقها في 17 نوفمبر 1948؛ مما يدل أن حديث مذكرات الأستاذ المراغي في هذا الموضوع ما هو إلا تزييف وتسويف في حقائق تاريخية ثابتة.

يستكمل الأستاذ المراغي حديث مذكراته قائلًا:

سرقة مذكرات الشيخ المراغي

هناك حكاية خاصة لا بد أن أشير إليها هنا. فبعد طلاق فاروق الملكة فريدة دخل شيخ الأزهر مستشفى المواساة للعلاج من مرض القلب. وأخذ يكتب مذكراته في غرفته في المستشفى. وكان فيها الكثير عن الملك فاروق والسياسة المصرية. وكان مدير المستشفى يعتبر من حاشية فاروق ثم مات شيخ الأزهر فجأة، بعد أن أنهى آخر سطر من مذكراته.

وكنا – نحن أولاده- نعلم بنبأ هذه المذكرات، ولكن كانت هناك مفاجأة لنا أننا اكتشفنا اختفاءها من أوراقه. وقد سألت عنها مدير المستشفى وأطباءه. فأنكروا علمهم بأي شيء عنها. ولكنني علمت أن فاروق حين تم إبلاغه بالوفاة أسرع إلى المستشفى ودخل غرفة والدي بحجة الصلاة والترحم على روحه، وأغلق الباب عليه مع أحد مرافقيه، وخرجا ثم اختفت المذكرات.

وكان والدي أثناء إقامته في المستشفى قد خرج مرة للنزهة، عاد في المساء إلى المستشفى فوجد فناء المستشفى مملوءًا بالممرضات الألمان، وكن كلهن شقراوات يرتدين جميعًا ملابس السهرة بدلًا من ثوب التمريض أزرق اللون، وكان معهن مدير المستشفى الذي تقدم لتحيته، فسأله والدي عن سبب لبسهن ملابس السهرة!

فرد مدير المستشفى باستحياء بأنهن مدعوات إلى القصر الملكي لحضور حفلة ساهرة أقامها الملك. حزت هذه الحادثة كثيرًا في قلب شيخ الأزهر، فكتب استقالته وأرسلها إلى القصر من المستشفى، لكنها ظلت معلقة إلى أن مات.

التعليق

الأستاذ المراغي لم يجد اتهامات كافية لكي يلصقها بالملك فاروق؛ فنسج قصة هزيلة لا تصدر إلا من شخصية لا تتمتع بموهبة حبك الاتهامات. فهل يعقل أن الملك فاروق يترك المشكلات والمنغصات التي تغرق فيها مملكته، وخاصة أثناء المشكلات التي اندلعت في مملكته قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعدها، ويتفرغ لسرقة مذكرات؟ وهل الشيخ المراغي لم يجد مكانًا غير المستشفى لكي يكتب مذكراته؟ وهل الشيخ المراغي لم يجد وقتًا طيلة حياته لكي يكتب مذكراته غير الوقت الذي يتعرض فيه لمرض الموت واقتراب أجله؟ هل الشخص الذي يتعرض لمرض الموت يكون لديه المقدرة الصحية والذهنية والذاكرة القوية لكي يكتب مذكراته أو ذكرياته؟ وكيف عرفت يا أستاذ مرتضى أن الشيخ المراغي انتهى من كتابة مذكراته قبل موته مباشرة؟!

أما عن موضوع تقديم الشيخ المراغي لاستقالته بسبب دعوة ممرضات مستشفى المواساة لحضور حفل بالقصر الملكي، فإني أتعجب بشدة وأستغرب بحدة من أن يصل الأمر بالأستاذ مرتضى المراغي إلى هذه التفاهة في الفبركة واصطناع الأحداث الساذجة. لقد كنت يا رجل، رجل دولة ووزيرًا من أقوى الوزراء في حكومة نجيب الهلالي. فكيف يا رجل تسمح لنفسك بأن يملى عليك أحداث خائبة تنقص من قيمتك وتنال من هيبتك، أستحلفك بالله أن تقول لي ما العيب في حضور ممرضات مستشفى المواساة لحفل في القصر الملكي. وما الضرر الذي يقع على الشيخ المراغي كما تقول لكي يأخذ على خاطرة من هذا الأمر ويتقدم باستقالته، إن الشيخ المراغي بنفسه دعي لحضور مثل هذه الحفلات في القصور الملكية وقصور الأمراء، وفي الأندية والسفارات، والفنادق، ولبى الكثير من تلك الدعوات، إن الشيخ محمد عبده الذي هو أستاذ الشيخ المراغي كان عندما يدعى إلى حفل من تلك الحفلات، وخاصة الحفلات التي كان يقيمها المعتمد البريطاني اللورد كرومر كان الشيخ محمد عبده – يرحمه الله- لا يترك مثل هذه الحفلات، إلا بعد أن يخالط النساء الأجنبيات بل يشاركهن الرقص.

ثم تعالى يا رجل نستقص صحة هذا الحدث الذي تدعيه، ونتساءل أولًا: ألم يجد الملك فاروق مدعوين غير ممرضات مستشفى المواساة في طول البلاد وعرضها، بالإضافة إلى السودان، لكي يدعوهن إلى حفل ساهر بالقصر الملكي؟ وإذا كان الملك فاروق قد فعل ذلك فعلًا فإنه يعد وبحق رجلًا في منتهى النبل والشهامة، ويحق أن نطلق عليه الرجل الديمقراطي.

الشيء الغريب من هذه القصة أن بعض ممن يدعون أنهم من كبار الصحافيين والكتاب يقتبسون هذه القصص المصطنعة والمفبركة لدرجة أنهم يطبعونها في كتاباتهم كما هي، ولا يبذلون أي جهد، حتى لو كان أقل القليل لكي يستوثقوا ويتحققوا من صحة تلك الادعاءات، فهل القوة الخفية الشريرة طالت أيضًا هؤلاء الكتاب؟

«ملحوظة» كما ذكرنا في مقدمة ردنا على تلك المذكرات أننا اعتبرنا – على سبيل المجاز- أن الأستاذ المرحوم أحمد مرتضى المراغي ما زال حيًّا ويستمع لأسئلتنا وتعجبنا.

وينهي الأستاذ المراغي الحلقة السابعة من حديث مذكراته بقوله:

عقد فؤاد والحاشية

ما السبب الذي جعل فاروق يختار حاشيته التي تلازمه في رحلاته وسهراته من الأجانب دون المصريين، وكذلك أصدقاءه الذين يذهب الى منازلهم للعب الورق أو السمر؟!

في رأيي أن السبب يعود إلى البيئة التي نما فيها فاروق؛ لأن موظفي القصر من أيام والده الملك فؤاد كانوا من الأجانب ومن الإيطاليين على الأخص. ولم يكن الملك فؤاد موفقًا مع المصريين؛ لأن الإنجليز جاءوا به لتولي العرش سنة 1919، وهي سنة الثورة ضد الإنجليز، ومع أنه قبل العرش بعد أن رفض جميع الأمراء قبوله، خشية أن ينفذ الإنجليز تهديدهم بإحضار الأغاخان لتولي عرش مصر، فإن المصريين كانوا يهتفون بسقوطه لأنه عميل إنجليزي. وعلى رغم محاولاته الكبيرة للتفاهم مع زعماء ثورة مصر، وعلى رأسهم سعد زغلول باشا، الذي كان رجلًا قوي الشكيمة يأبى الخضوع لإرادة الملك، فإنه لم ينجح في اكتساب ثقة المصريين، وكان يضيق ذرعًا بالحياة الدستورية ويريد إيقاف الدستور، حتى إن نائبًا من حزب زغلول وقف ليقول: إذا حاول أكبر رأس أن يحطم الدستور فإننا سنحطم رأسه.

لقد كان فاروق يسمع في طفولته أباه وهو يصيح بأن المصريين خنازير ولا يصلح معهم إلا الكرباج، فترسبت في نفسه هذه الفكرة عن المصريين، وزاد الطين بلة، أن والده لم يلحقه بمدرسة مصرية، ولم يحاول أن يدخل أطفالًا في سن ولي عهده يخالطونه ويلعبون معه، وحين بلغ الرابعة عشر أرسله إلى إنجلترا. لذلك كان فاروق بعيدًا عن البيئة المصرية، وحين عاد وجد القصر مملوءًا بالأجانب وأغلبهم من الإيطاليين. وكان الملك فاروق مغرمًا بالسيارات وقيادتها، وكان جراج القصر يدار بميكانيكيين أجانب، وكذلك عمال الكهرباء في القصر، والحلاق كان إيطاليًّا، فاختلط بهم فاروق، وكان يطيب له ما يراه فيهم من مرح وحب للفكاهة، بعكس حاشية القصر من المصريين الذين كان يتملكهم الاحترام التقليدي الموروث عن الأتراك، ويفرض عليهم كآبة التزمت وطبع الانحناء المبالغ فيه عند التحية. وفاروق كان ذا روح مرحة لعله ورثها عن والدته. وكان يضيق بالتزمت والانحناء، ويحب النكتة ويضحك من قلبه، وكان الأجانب في القصر يحفظون قدرًا كبيرًا من النكات، وكذلك المصريون، لكنهم لم يكونوا يجرؤون على إلقائها جرأة الأجانب، وأكثر النكات التي كان يحبها فاروق كانت من النوع الذي يبعث الحمرة في وجوه السيدات. ولم يكن يتحرز من إلقاء هذه النكات في حضورهن، وخاصة في نادى السيارات، وكان يحكي بنفسه لأصدقائه النكات التي يطلقها الشعب عليه وعلى تصرفاته، ويسترسل في الضحك.

التعليق

الأستاذ المراغي هنا بدلًا من أن يحلل نفسية الملك فاروق وعقليته بطريقة علمية ومنهجية، شرح وقطع أوصاله في سلخانة الذم والتدني؛ فكل التناقضات أوجدها في شخصية الملك فاروق، وكل العيوب الخلقية والنفسية ألقاها فوق كاهل الملك فاروق، كل ذلك من غير سبب وجيه أو دليل يقيني؛ فالأستاذ المراغي في تحليله لأسباب عقد فاروق أرجعها إلى البيئة الاجتماعية التي نما فيها، والتي تغص بالأجانب دون المصريين؛ مما سبب له كراهية المصريين واضطهادهم، واتهام الأستاذ المراغي للملك فاروق بأنه يعاني من عقد نفسية فهو اتهام خيالي ووهمي،  والثابت حقيقة أن الملك فارق كان يحب المصريين حبًّا شديدًا، ويجلهم، وكان يكره الإنجليز ويبغضهم، ويصنفهم في خانة الأعداء، وكان رجلًا شديد الوطنية محبًا لبلاده، يفخر بتاريخها أينما حل أو وجد، ولكن الأستاذ المراغي يضن عليه حتى بوطنيته وإخلاصه لبلده، لماذا؟ لشيء في نفسه.

يقول الدكتور حسين حسني السكرتير الخاص للملك فاروق في مذكراته: «…  لم يدع (أي الملك فاروق) بابًا للإصلاح إلا وطرقه، ولا وسيلة لعمل الخير لبلده وشعبه إلا حاولها، من رعاية للأزهر والمساجد وشئون الدين، إلى إحياء لتقاليد السلف الصالح، إلى رعاية الهيئات العلمية والفنية في مختلف النواحي والتخصصات، إلى فتح أبواب مصر لكل الطوائف والطبقات، إلى تشجيع كل ما يؤدي إلى رفع مستوى المعيشة والنهوض بالشعب إلى المكانة الجديرة بماضيه المجيد، إلى المطالبة بحق الفقير في حمايته من الفقر والجهل والمرض، إلى الحث على مكافحة الأمية، ومكافحة الحفاء، إلى تشجيع الشباب على التنافس في مجال الدراسة باستقبال المتفوقين سنويًّا في قصره، إلى إبداء عطفه على العمال ومختلف طوائف العاملين، وفوق كل هذا عنايته واعتزازه بالجيش وماضيه المجيد، مما ظهر أثره عند الاحتفال بالذكرى المئوية لإبراهيم باشا، إذ أمر في تلك المناسبة أن سجل على قاعدة تمثاله بميدان الأوبرا أسماء المعارك التي خاضها وحاز النصر فيها، وكانت لم تسجل من قبل مراعاة لكرامة الدولة العلية العثمانية، صاحبة السيادة الاسمية على مصر في وقت إقامة التمثال، فإن أكبر انتصارات الجيش المصري كانت على الجيش التركي في أيام محمد علي باشا على يد القائد إبراهيم باشا».

وفي موضع آخر يصور الدكتور حسين حسني في مذكراته مشاعر الملك فاروق تجاه الوطن في اللحظات الأخيرة لمغادرته مصر، وهو في طريقه إلى الباخرة المحروسة عقب تنازله عن العرش في 26 يوليو (تموز) 1952، فيقول الدكتور حسين حسنى: «… ولكنه (أي الملك فاروق) بعد أن تجاوز الضابط حامل العلم بخطوتين عاد مسرعًا وأشار إليه أي العلم وتناوله من يده، واحتضنه ثم قبله في تأثير بالغ، وكأنما أودع هذه القبلة رسالة حب ووداع لكل من يظلهم علم مصر، والذي حرص على حمله بين يديه وهو يتقدم نحو القارب البخاري حيث وضعه».

ويذكر أيضًا الدكتور حسين حسني في مذكراته تفصيلات مهمة توحي بوطنية الملك فاروق، منذ بداية عهده، وهو ما تجلى على سبيل المثال في اختياره لرحلة عودته من الخارج عام 1938 على متن باخرة مصرية، وليست باخرة أجنبية، بالرغم بما تضمنه الباخرة الأجنبية من الأمان وسائل الراحة والمتعة بأكثر مما هو متاح في الباخرة المصرية.

وأننا نعتقد أن الأستاذ المراغي حين كتب ذكرياته هذه كان خارج دائرة التاريخ، لدرجة أنه يخطئ في معلومات راسخة يعرفها عن ظهر قلب تلاميذ المدارس الابتدائية، فقد أخطأ الأستاذ المراغي في معرفة تاريخ تولي الملك فؤاد حكم مصر؛ فقد ذكر الأستاذ المراغي في الفقرة السابقة أن الملك فؤاد تولى حكم مصر عام 1919، ويؤكد ذلك بأنه عام الثورة، لكن تلاميذ المدارس الابتدائية يعرفون أن الملك فؤاد تولى حكم مصر عام 1917 باسم سلطان مصر خلفًا لأخيه السلطان حسين كامل الذي تولى حكم مصر في ديسمبر (كانون الأول) عام 1914، بعد تحويل مصر من نظام الخديوية إلى نظام السلطنة عقب نفي الخديوي عباس حلمي الثاني.

يتبع مع الجزء الأول من الحلقة الثامنة بالمقال القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد