يواصل المراغى بقوله:

ولم أكن في ذلك الوقت قد أكملت 42 سنة.. فأنا من مواليد 14 يوليو (تموز) عام 1910. وقد عملت فور الحصول على ليسانس الحقوق معاونًا للنيابة. ثم محاميًا بقضاء الحكومة. ولصلة ببن والدي الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق ومحمد باشا محمود رئيس الوزراء. فقد عملت سكرتيرًا له لكنني استقلت من الوظيفة ورشحت نفسي عام 1938 لمجلس النواب عن دائرة المراغة بلدتي في محافظة سوهاج مستقلًا عن جميع الأحزاب، وكنت واحدًا من أصغر الذين عرفوا طريقهم إلى البرلمان.

كان من المفروض أن أعمل بالمحاماة، لكن القدر اختار أن أعود إلى الوظيفة، وأن أنتقل للعمل وكيلًا لمحافظة القناة وكانت تضم بورسعيد والإسماعيلية، ثم وكيلًا لمحافظة الإسكندرية، ثم محافظًا للسويس، فمديرًا لمديرية بنى سويف ثم القليوبية ثم قنا. وفى عام 1947 عينت مديرًا للأمن العام ثم وكيلًا لوزارة الداخلية حتى عام 1950 حيث عينت محافظًا للإسكندرية.

ومن الإسكندرية وصلت إلى القاهرة يوم الأحد 27 يناير  (كانون الثاني) 1952 لأدخل وزارة على باشا ماهر وزيرًا للداخلية.

وكان أمامي أن أحاول الإجابة عن هذا السؤال اللغز! من الذي أحرق القاهرة؟!

هل كان يمكن أن يحدث في الإسكندرية ما وقع في القاهرة؟

كتيرًا ما فكرت في ذلك.

ولا أعرف هل هو الحظ  أو هو الحرص الذي جعلني ـ وكنت المسئول عن الإسكندرية فى نفس يوم حريق القاهرة ـ أتخذ ما اتخذت من احتياطيات وإجراءات.

كان يوم 25 يناير 1952 يوافق يوم جمعة.. يوم الإجازة.

وبعد الظهر وكنت في منزل بحى زيزينيا بالإسكندرية أحسست برعشة خفيفة جعلتني أسارع إلى تناول فنجان شاي حبة أسبرين.

وربما نمت ساعة، أو ألأكثر.. وعندما استيقظت وكانت الساعة تقترب من السادسة مساء، مددت يدى إلى جهاز الراديو الكبير الذى يوجد إلى جوار السرير على مائدة خاصة، فلم تكن أجهزة الراديو الترانزستور قد ظهرت بعد.. حولت مؤشر الراديو إلى محطة لندن وكان أول خبر أسمعه عن وقوع صدام بين قوات الشرطة المصرية أو ما يسمى (بلوك النظام) والقوات الإنجليزية في مدينة الإسماعيلية، وأن القوات الإنجليزية بدباباتها ومدافعها الثقيلة اشتبكت مع رجال الشرطة المسلحين ببنادق من طراز (رمنجتون) القديمة وهاجمت ثكنتهم وأنهم لم يستسلموا إلا بعد أن نفذت ذخيرتهم ودكت القنابل ثكنتهم. ويلغ عدد ضحاياهم 60 جنديًا.

كان الخبر مثيرًا.. وقد تركت على أثره سريري ونسيت رعشة الحمى التي كانت قد انتابتني قبل أن أغفو.. بدأت أفكر في بلدي.. فى الإسكندرية التى أجلس على قمة المسئولية عنها.

إن في الإسكندرية عدد كبير من قوات بلوك النظام، ورجال البوليس مثلهم مثل المدنيين.. بشر.. ومن المؤكد أنهم حينما يسمعون عن مقتل زملائهم فى الإسماعيلية لن يسكتوا..

ثم إن الجماهير والطلبة فى مقدمتهم لابد أن يعبروا عن غضبهم من هذا العدوان الكبير على جنود مصريين لم يكونوا يملكون إلا أقدم الأسلحة وأمامهم عدو تحمله الدبابات والمصفحات ويختفي خلف مدافعها.

من المؤكد أمام من يشتغل بالأمن أن يتوقع قيام المظاهرات والاحتجاجات.. وعندما بدأت أحصر حدود الإسكندرية بخيالي وجدت احتمالات كثيرة.. فالإسكندرية مركز تموين للبترول، فماذا لو اندست عناصر التخريب بين الجماهير وحاولت إثارة المشاعر وأشعلت النار فى تلك المستودعات؟

لم أكن نبيًا حتى أفكر في هذه الاحتمالات، وإنما كنت أفكر بحكم طبيعة رجل الأمن المختفى داخلي من خلال خبرة سنوات عملى مديرًا للأمن العام ووكيلًا للداخلية.

وهكذا قررت العمل فورًا.

طلبت من قائد شرطة الإسكندرية فى تلك الوقت اللواء يسرى قمحة. وقلت له ما سمعته فى راديو لندن وما فكرت فيه.

قال اللواء قمحة: وماذا تستطيع عمله؟

قلت: ضع الإسكندرية  فى منتصف الليل تحت نظام طوارئ وأرسل جنودك لكي يحتلوا جميع المستودعات وصهاريج البترول.

قال: هل ستستعين في ذلك بجنود  بلوكات النظام.

قلت: أبدًا.. جنود بلوك النظام أجمعهم وأرسلهم في لوريات عند الفجر إلى صحراء العامرية.

قال: إن معنى ذلك أنك تريد إبعادهم عن المدينة.

قلت: بالضبط.

قال: ولكن الذى أريد أن تعرفه  أن لهؤلاء الجنود بالذات مشكلة خاصة لأن لهم علاوة طوارئ لم تصرف.

قلت: تصرفها لهم فورًا.

قال: نصرفها أزاى، ونحن فى السابعة مساء، واليوم جمعة؟

قلت: أستدع المسئول عن الخزانة، وأطلب إليه بأسمى أن يفتح الخزانة ويصرف مستحقات كل هؤلاء الجنود.

لم تكن الحكاية بسيطة، فالرئيس المالى أعتبر ذلك تدخلًا، لأن الصرف لا يكون إلا بأمر وزارة المالية، ولكننى استطعت حلها بإرسالي إليه تعهدًا كتابيًا بمسؤوليتي.

ولم تتوقف الإجراءات التى طلبتها عند رجال الشرطة، بل اتصلت بقائد حامية الإسكندرية العسكرية. وطلبت منه إنزال جنود الجيش لحراسة المرافق العامة كالماء والكهرباء والبريد ومحطة السكك الحديدية.

وقد اتصل قائد الحامية بقائد الجيش (الفريق محمد حيدر) الذى تردد كثيرًا ولكن أمام إلحاحي وافق أخيرًا.

وهكذا.. قبل أن تشرق شمس يوم السبت السادس والعشرين من يناير 52 على الإسكندرية كان الجيش والبوليس يسيطرون على مواقع الحراسة وعلى جميع مرافق الإسكندرية.

التعليق

نلاحظ أن الأستاذ المراغى قال: ومن الإسكندرية وصلت القاهرة يوم 27 يناير لادخل وزارة علي ماهر وزيرّا للداخلية. أى أنه تولى أمور الوزارة يوم 27 يناير ، على الرغم أن وزارة الوفد أقيلت مساء يوم 27 يناير كما قال الأستاذ المراغي بنفسه في فقرة تالية.. فكيف يكون ذلك؟ هل تم إبلاغ المراغي بالوزارة قبل إقالة حكومة الوفد؟ وهل تم اختيار علي ماهر رئيسًا للحكومة قبل إقالة حكومة الوفد؟ فمن المعروف أنه عند تشكيل حكومة جديدة في العهد الملكي فرئيس الوزراء الذي تم اختياره يقوم بالعديد من المشاورات والاتصالات بالشخصيات المرشحة لتولي الوزارات وقد تستغرق في بعض الأحيان أيامًا.. كما أن الملك فاروق لم يكن ينوى إقالة حكومة الوفد قبل يوم 27 يناير.. فمتى تم اختيار علي ماهر رئيسًا للوزراء؟ ومتى اختار على ماهر وزراءه الذين يشاركونه في الحكومة؟ فهل تم اختيار كل ذلك قبل إقالة حكومة الوفد طبقًا لكلام المراغي؟

لكن علي ماهر باشا قال إن أول يوم له في رئاسة الحكومة كان يوم 28 يناير 1952.

ونحن نريد لفت نظر القارئ في الفقرة السابقة لأهميتها، ففي حياة الدول تكون أقل فترة زمنية لها ضرورتها ، فمرور دقيقة واحدة بدون استغلال في الأحوال الحرجة في حياة بعض الدول فمن الممكن  أن تسقط أثناءها أنظمة سياسية قائمة وتقام خلالها أنظمة أخرى.. فهل كانت حكومة النحاس مازالت ولم تراوح مكانها يوم 27 يناير أم حلت بدلًا عنها حكومة على ماهر حسب كلام المراغى؟ وهل القرارات الوزارية التي صدرت في ذلك اليوم أصدرتها حكومة النحاس أم حكومة على ماهر؟

لكن الحقيقة التاريخية تقول أن حكومة على ماهر تشكلت في الساعات الأولى من صباح يوم 28 يناير عام 1952.

والغريب أيضًا من كلام المراغي أنه عندما كان محافظًا للأسكندرية وهو بالطبع منصب كبير وهام يقول إنه عرف بأمر مذبحة الإسماعيلية في 25 يناير 1952 عن طريق راديو لندن وليس عن طريق تقارير أو تلغرافات وزارة الداخلية أو من رئاسة الحكومة.. بالرغم ان الحكومة الوفدية أذاعت بيانًا بما حدث في الإسماعيلية مساء يوم 25 يناير 1952 الساعة السادسة مساءً!

الأمر الآخر كيف بالأستاذ المراغي أن يقوم بفرض بعض الإجراءات التي هى ليست من اختصاصه مثل فرض حالة الطوارئ التى هى من اختصاص الحاكم العسكري ويمثله رئيس الوزراء. أيضًا تدخل في اختصاصات وزارة الداخلية المعنية بحالة جنود وضباط الشرطة.. ولم يتوقف المراغي  بفرض إجراءات ليست من اختصاصه إلا في أحوال أمور وزارة المالية فهل يستقيم هذا الأمر مع الأعمال الإدارية والتي تنظمها القوانين والمتعارف عليها بين الموظفين الكبار، أن كل موظف يقوم باختصاصه فقط ولا يتعدى اختصاصه بالاعتداء على اختصاص الآخرين إلا في حالة واحدة وهى حالة التفويض، بأن يقوم الموظف الأعلى مرتبة في تفوض الموظف الذي يماثله مرتبة أو الأدنى منه مرتبة بكل أو ببعض اختصاصاته بسبب ظروف خاصة، وهذا الأمر لم يحدث مع الأستاذ المراغي كما يتبين من مذكراته وخاصة أن تلك الاختصاصات التي تعدى عليها المراغي منوط بها لوزراء وموظفى حكومة الوفد، ومن المعروف تاريخيًا أن حكومات الوفد دخلت في صراع قاس ومرير مع العديد من الجهات النافذة في البلاد من أجل الاستقلال بقرارتها واختصاصاتها، فكيف يفعلها المراغي دون احتجاج من حكومة الوفد؟

كما يتضح لنا من كلام المراغى حسبما جاء في مذكراته أن الفريق حيدر القائد العام للجيش وافق بنزول حامية الإسكندرية العسكرية لحماية المرافق العامة بالإسكندرية دون إذن الملك، بخلاف القاهرة التي احتاج فيها  الوزير فؤاد سراج الدين إذن الملك لنزول الجيش لمواجهة المخربين أثناء حريق القاهرة 1952. وهذا أمر لم يقم الأستاذ المراغي بتفسيره أو بتوضيح ملابساته حتى يتبين لنا إذا كان حقيقة أم لا.

لكن هدف الأستاذ المراغي من الفقرة السابقة هو أن يقول لقارئ مذكراته: إننب مسئول من الطراز الأول ورجل أمن ممتاز، فقد نجحت فيما أخفق فيه غيرى، فقد استطعت حماية الإسكندرية ، بينما فشل حزب الوفد في حماية القاهرة، لذلك تم اختياري وزيرًا للداخلية بناءً على هذا النجاح وتكليلًا للجهود التي بذلتها فى حماية مدينة الإسكندرية

وهنا يتجه الأستاذ المراغي بنظره إلى المشككين في قدراته العلمية والعملية ويقول لهم: لقد تم اختياري وزيرًا للداخلية عن جدارة.

يواصل المراغي فيقول:

أما جنود بلوك النظام فقد كانوا في العامرية فيمضون عند البحر أجازة سعيدة بعد أن صرفوا علاوة الطوارئ المتأخرة لهم، وقد تصوروا  أن احتجاجهم عن تأخر صرف هذه العلاوة هو الذي جعلنىٍ آمر بفتح الخزانة لهم مساء يوم الجمعة لكي يصرفوا علاوتهم المتأخرة.

في مساء الأحد 27 يناير 1952 أقال الملك فاروق حكومة مصطفى النحاس باشا آخر وزارة وفدية حكمت مصر، وكانت قد تولت الحكم في أكتوبر (تشرين الأول) 1950، ولعلها من المرات القليلة التي استمرت فيها هذه المدة الطويلة.

وعهد الملك فاروق إلى علي ماهر بتشكيل الوزارة.

وضمنى على ماهر وزيراً للداخلية.

وعندما وصلت من الإسكندرية إلى القاهرة انسابت إلى أنفى وعلى بعد عدة كيلو مترات رأئحة الحرائق المروعة التي عاشتها القاهرة في يوم من أسود أيام تاريخها.

وعلى امتداد أيام طويلة ظلت هذه الرائحة تطاردني وكأنها تستفزني لمحاولة كشف لغزها.

كان طبيعيًا أن يكون أول عمل أقوم به عقب تولى وزارة الداخلية أن أعرف من الذي أحرق القاهرة ودبر هذا الحريق؟

وبعد أقل من ساعة من وصولي إلى مكتبي فى الوزارة يوم 28 يناير عقدت اجتماعا مع وكلاء الوزارة ومدير الأمن العام ومدير البوليس وحكمدار القاهرة ورئيس القسم السياسي فيها.

ولدهشتي من المناقشة التي دارت معهم  لم أجد واحدًا منهم يستطيع أن يعرف أو يحدد بالضبط من الذي أحرق القاهرة؟

قلت: لا شك أن الذي قام بالحريق أكثر من فرد.. لا يمكن عقلًا تصور أن فردًا واحدًا هو الذى قام بذلك، بل إن جماعة أو جماعات منظمة أعدت لذلك.. كما لا يمكن أن تكون أدوات الحرق وكسر الخزائن والأبواب التي ضبطت أمام المتاجر والفنادق والبنوك كانت جاهزة في لحظتها!

قالوا: هذا شيء طبيعي.

قلت: معنى ذلك أنه كانت هناك استعدادات!

قال أحدهم: لا شك.

قلت: ألم يكن عندكم علم من قبل بتلك الاستعدادات؟

كان الصمت هو الجواب الذي سمعته.

وبعد لحظات تحدث حكمدار القاهرة قائلاً: الواقع أننا فوجئنا باشتراك قوات بلوك النظام فى المظاهرات وفقدنا عنصرًا أساسيًا لحفظ الأمن.

قلت: ألم يكن في تقديركم أن يحدث ذلك؟

قال: والله أكذب على سعادتك لو قلت إننا فكرنا في هذا!

قلت: مذهولًا وأنا أبدأ أول ساعة من الوزارة فى وزارة مهمتها الأمن ومعرفة كل ما يتعلق به هل أخرج من هذا الاجتماع بنتيجة أنكم لاتعرفون من الذي أحرق القاهرة؟!

إن خروجى بهذة النتيجة لن يكون أبدًا في مصلحة أي منكم، لأن معنى ذلك أنكم جميعًا قصرتم في أداء واجبكم وأنا لا أستطيع أن أطمئن إلى العمل مع المقصرين.

لقد أطلعت قبل دقائق من اجتماعى معكم على تقارير طلبتها عن الحريق فهل تعرفون ماذا وجدت فى هذة التقارير؟

وكنت بالفعل قد طلبت هذه التقارير فور دخول مكتبى بالوزارة، ولكن كانت دهشتي أن هذه التقارير لم تتجاوز دفتر أحوال إدارة المطافئ عن زمان كل حريق وقيام عربة المطافئ إليه.

في الساعة الثانية عشر تم إبلاغنا بحريق في فندق شبرد ذهبنا لإطفائه، ولكن المتظاهرين حطموا عربة الحريق!

قلت للمسئولين عن الأمن وأنا أقرأ لهم هذه التقارير: من هم هؤلاء المتظاهرون؟ وهل قبضتم على واحد منهم؟ إننى أريد معرفة المحرضين والفاعلين لا مجهود رجال الأطفاء الذى عطله المتظاهرين.

قال الحكمدار: نحن فى سبيل التحقيق وقد قبضنا بالفعل على عدد من الذين اشتركوا في الحريق.

قلت: كم واحد مسكتوهم؟

قال: حوالى العشرين يا فندم.

قلت صارخًا: معقولة دى عشرين واحد كل اللى حرقوا البلد وعطلوا عربيات المطافى؟

قال: سعادتك اطمئن التحقيق ما يزال في بدايته وسنقدم تقريرًا، فقط نرجو مهلة أسبوعًا.

قلت: ولو أنه كتير لكن ما باليد حيلة.

ومضى الأسبوع

وجاءني محمد إبراهيم إمام رئيس جهاز المباحث في ذلك الوقت بتقرير يتهم الحزب الاشتراكى (وكان يسمى من قبل مصر الفتاة) ورئيسه المحامى أحمد حسين بأنه الذى أحرق القاهرة.

وقد أيد التقرير هذا الاتهام برسمين ذكر أنه تم العثور عليه في مقر الحزب ومرفق بالتقرير صور قنابل حارقة ومعاول لم أر مثيلًا لها من قبل، والرسم الثانى عبارة عن رسوم هندسية لبعض أحياء القاهرة وقد ظهرت أسهم تشير إلى مواقع بعض الأبنية، وهي الأبنية التي ذكرت تحريات المباحث أنها احترقت.

وكان المعنى من الرسم أن أحد المهندسين في الحزب الاشتراكي قام بإعداد اسكتش هندسى لعدد من شوارع القاهرة محددة عليها الأماكن التي كان الحزب الاشتراكى يخطط  لإحراقها وقد احترقت بالفعل.

أخذت أقلب وبغير جهد كبير شعرت أن الأفتعال فيها واضح، فقد كانا مطبوعين بالزنكوغراف. ولما كنت أعرف خبيرًا أجنبيًا فى الزنكوغراف كنت أستعين به حين كنت مديرًا الأمن العام فإنني استدعيته.

ولم يضيع الخبير وقتلًا طويلًا قبل أن يؤكد لىي أن هذا الرسم لا يمكن أن يكون رسمه خبير في المباني أو المفرقعات، وأنه يعرف المطبعة التي تم طبع الرسمين فيها وهي مطبعة صغيرة جدًا في زقاق بحي الفجالة.

وحتى يكون الأمر واضحًا فإنني طلبت إلى النائب العام تولي التحقيق.

بالفعل أرسل النائب العام أحد وكلاء النيابة إلى المطبعة وأجرى تحقيقًا انتهى إلى أن أحد ضباط القسم السياسي في محافظة القاهرة هو الذى حمل الرسم إلى المطبعة وطبع هذه الوثيقة الزائفة.

التعليق

قبل الخوض في التعليق الخاص بهذه الفقرة نلاحظ أن الأستاذ المراغى لا تسعفه ذاكرته بذكر التواريخ الصحيحة لبعض الأحداث والوقائع فقد ذكر سابقًا أن حكومة الوفد الأخيرة تشكلت في أكتوبر عام 1950.. لكن الصحيح أن حكومة حزب الوفد الأخيرة إبان العهد الملكي تشكلت يوم 12 يناير 1950 وتم إقالتها في 27 يناير عام 1952.

ويتضح أيضًا من الفقرة السابقة أن الأستاذ المراغى يشير إلى أحداث عامة مجهلة! فهل يعقل أن شخصًا بقامة مرتضى المراغي والذى تقلد وزارة الداخلية أكثر من مرة يستشهد بكلام عام في أحداث هامة في تاريخ مصر؟

فشاهد التاريخ، لابد أن يذكر أحداثًا محددة وأشخاصًا معينة تعينًا تامًا وغير مجهلة، فلا بد أن يذكر تفاصيل الأحداث وأسماء الأشخاص وأماكن الوقائع بصورة جلية لا لبس فيها.

ففي الفقرة السابقة كان يجب على الأستاذ المراغي لكى يكون شاهد حق على تاريخ مصر أن يذكر أوصاف المطبعة بدقة واسم صاحبها وكان لابد أن يذكر اسم الخبير الأجنبي وأين يعمل ومؤهلاته.. كما كان عليه أن يذكر أسم ضابط القسم السياسى ورتبته ومدى علاقة بهذه الرسومات المزيفة ومن هم وراءه وأن يفتح تحقيقًا في هذا الأمر. إذا كان يريد للتاريخ أن يكون حقيقيًا، وليس تاريخًا مشوهًا.

ويستكمل المراغي حديثه بقوله:

وأصبح السؤال الكبير هو: لماذا يريد البوليس السياسى اتهام الحزب الاشتراكى بأنه الذي أحرق القاهرة؟

إن تاريخ الحزب الاشتراكي مع حزب الوفد لم يكن مجهولًا.

فالوفد قام بتعطيل صحيفة الحزب الاشتراكي.

ونتيجة لتقارير البوليس أمرت حكومة الوفد بالقبض على أحمد حسين وعلى عدد من كبير من أعضاء الحزب الاشتراكي.

وهرب أحمد حسين ولم يستطيع البوليس القبض عليه.

فهل كان أحمد حسين مثلًا هو الذي دبر حريق القاهرة.

التعليق

انظر أيها القارئ إلى هذه الفقرة جيدًا!

أولًا: قال الأستاذ المراغي سابقًا إنه عقد اجتماعًا يوم الاثنين 28 يناير مع وكلاء الوزارة ومديري الأمن العام ومديري البوليس وحكمدار القاهرة ورئيس القسم السياسي وتخلل الاجتماع بأنه لا توجد أي تقارير عن الحريق غير تقارير إدارة المطافئ وانتهى الاجتماع بأنه أمهل هؤلاء المسئولين عن الأمن في القاهرة أسبوعًا لتقديم تقرير بموجبه يمكن معرفة الفاعل الذى دبر حريق القاهرة.

وبعد مضى الأسبوع جاء إلى الوزير مرتضى المراغي محمد إبراهيم إمام رئيس جهاز المباحث العامة (كان يطلق على جهاز المباحث العامة اسم القسم المخصوص في ذلك الوقت)  بتقرير يتهم الحزب الاشتراكي ورئيسه المحامي أحمد حسين بأنه هو الذي أحرق القاهرة.

فكيف يكون ذلك!

الأستاذ المراغي يقول إن حكومة الوفد هي التي أمرت بالقبض على أحمد حسين وعدد كبير من أعضاء الحزب الاشتراكي بموجب تقارير الأمن! مع أن هذه التقارير صدرت في عهد الوزير المراغي حسبما ذكر هو نفسه في هذه المذكرات.

كما أن التحقيق قد تم فتحه بناء على طلب الوزير المراغي للنائب العام!

لكن الأستاذ حسن يوسف رئيس الديوان الملكى بالإنابة كان له رأي آخر في موضوع اتهام الحزب الاشتراكي ورئيسه أحمد حسين بالضلوع في حريق القاهرة، فالأستاذ حسن يوسف لا يوجه أصابع الاتهام إلى حزب مصر الفتاة، بل يشير بوضوح إلى دوره في التحريض على النظام القائم مما كان يسهل اتهامه بالمسئولية عن أي عمل معاد كبير كحريق القاهرة، وهو يقول بوضوح في مذكراته: بعد حل جماعة الأخوان المسلمين في ديسمبر (كانون الأول) 1948 وبعد صدور قانون مكافحة الشيوعية في مايو (أيار) 1950 أصبح حزب مصر الفتاة الهيئة الوحيدة ذات الوجود الشرعي، وقد تأسست سنة 1933، وعرفت بعد ذلك باسم الحزب الاشتراكى عام 1946 وكان شعاره العداوة للنظام السياسي القائم وكانت له تنظيمات عسكرية وهي فرقة القمصان الخضراء وله صحيفتان هما: جريدة مصر الفتاة، وجريدة الشعب الجديدة.

استغل الحزب فرصة إلغاء الرقابة على الصحف في عهد وزارة الوفد فأخذ ينشر مقالات مثيرة منها ما يدعو رجال الشرطة للعصيان وتحريض رجال الجيش على عدم الطاعة، ومنها ما يعتبر تنديدًا بالنظام الملكي وتحريضا للعمال والفلاحين على الثورة.

وكان صحيفته تصدر كل خميس بعنوان بارز: الثورة.. الثورة.. وكيف انتهى حكم لويس السادس عشر في فرنسا، وكان الملك يطلع على تلك المقالات ويأمرني أن أتصل في شأنها بوزير الداخلية، وكان وزير الداخلية يسارع إلى إخطار النائب العام فيأمر بالتحقيق، ثم لا يلبث أن تفرج النيابة عن المسئولين في الجريدة بكفالة وكان هذا يتكرر بصفة منتظمة، وانتهز الحزب فرصة إلغاء المعاهدة وراحت صحفه تستغل حساسية الجمهور وحماسته في استهواء الكثير من العمال المتعطلين لكى يعتدوا على محلات اللهو والمؤسسات الاستعمارية والرأسمالية.

ومنذ 18 أكتوبر 1951 دأبت مصر الفتاة على أتهام سينما ريفولي بأنها تدار لحساب الإنجليز، وقالت في 18 نوفمبر 1951: إن القاهرة ما زالت عامرة بدور السينما والكباريهات، وأنه يجب أن تقوم دوريات من الشعب الواعي المنظم بإيقاظ (الملطوعين) على القهاوى والسكارى والبارات.

ونشرت الجريدة في نوفمبر بيانًا بأسماء بعض الشركات والتجار الذين يتعاملون مع الإنجليز ودعت إلى تحذيرهم وأمهلتهم أسبوعًا واحدًا.. كما نشرت تحذيرًا ضد من يتعاملون مع بنك باركليز وأعادت التحذير في 12 ديسمبر عام 1951

وينتهى الأستاذ حسن يوسف مقولته بقوله: ومما تجدر ملاحظته أن الحريق والتدمير شمل جميع الأماكن التي ورد ذكرها في تلك البيانات التي سبق نشرها في جريدة مصر الفتاة.

بالطبع لا يمكن الجزم بأن حزب مصر الفتاة (الحزب الاشتراكي)  هو المرتكب لحريق القاهرة بعد كل القرائن التي قال بها الأستاذ حسن يوسف رئيس الديوان الملكي بالإنابة.. فقد يكون الجناة الحقيقيون استرشدوا بأفكار الحزب الاشتراكي وساروا على  بيانات مقالات صحفية.

ثانيًا: كيف يتساءل الأستاذ المراغي بقوله لماذا يريد البوليس السياسي اتهام الحزب الاشتراكي بأنه هو الذي أحرق القاهرة؟

أليس الأستاذ المراغي كان وقتها وزيرًا للداخلية وهو بحكم منصبه يعتبر رئيس البوليس السياسي ولا يعرف الإجابة؟ وإذا كان يعرف الإجابة لماذا لا يعترف بها؟ ولماذا لا يتدخل بحكم منصبه لإنقاذ بريء؟

وينهي  المراغي حديث الحلقة الأولى من مذكراته فيقول:

إنني أعلم من سابق خبرتي أن الحزب الاشتراكى لا يستطيع وحده، ولا تسمح إمكانياته بالقيام بعمل كبير وعمل مثل حريق يحتاج إلى تنظيم دقيق وكبير.

والواقع أن أحمد حسين جر إلى نفسه هذا الاتهام لأنه كان ينادي دائمًا بأنه لابد من التدمير حتى يتم الإصلاح. وقد وجدت عند مبنى دار الحزب الاشتراكى بواسطة النيابة أوراقًا استند إليها رجال المباحث فى اتهام أحمد حسين منها  لافتات مكتوب عليها (يدير هذا المحل الإنجليز الذين يقتلون إخوانكم بالإسماعيلية) ومنشور بأن سينما مترو يديرها يهودى اسمه جوستان زينك، وأن سينما ريفولى إنجليزية.

كذلك تم العثور على خطاب بالإنجليزية من سكرتير نادى الترف (الترف كلوب) الإنجليزى إلى بكر أحمد عبد الجواد يطلب منه إقامة خيام وفرش وسجاجيد بالنادى. وقد أرفق معه اتفاقًا مكتوبًا بالإنجليزية والعربية بين المستر توماس السكرتير وبكر عبد الجواد الذى هو عضو فى الحزب الاشتراكي.

وموضع الغرابة في هذا الاتفاق أنه تم بين سكرتير نادى الترف الإنجليزي وقد كان له شأن كبير لأنه كان يمثل نادي كبار الإنجليز في ذلك الوقت، وعضو في الحزب الاشتراكي وإن يظل هذا الخطاب والاتفاق مع محفوظات الحزب فى حين أن الحزب يندد بالذين يتعاملون مع الإنجليز.

كما وجد خطاب موجه إلى رئيس الحزب بأن بنك باركليز يعمل كقلم مخابرات للسلطات الإنجليزية.

ومثل هذا القول سبق أن رددته جماعات أخرى كالإخوان المسلمين وتذكرت أن الإخوان المسلمين كانوا قد قاموا قبل حرق القاهرة بإشعال بعض حرائق في ملاهى الهرم والغريب أنه لم يقبض على أحد منهم، رغم أن الإخوان أعلنوا أنهم هم الذين قاموا بذلك، فهل كانت حرائق ملاهي الهرم بروفة لحريق القاهرة؟

ومن الذي قام بحريق القاهرة؟

التعليق

وبانتهاء هذه الفقرة ينتهى الأستاذ مرتضى المراغي من سرد الحلقة الأولى من سلسلة ذكرياته التي نشرتها مجلة أكتوبر عام 1986.

ولكن قبل أن ننتقل إلى الحلقة الثانية لنا بعض الملاحظات على الفقرة الأخيرة من الحلقة الأولى ومنها:

أولًا: أن الأستاذ المراغي يسرد أحداثًا ووقائع يغلب عليها طابع العمومية ولا يتطرق إلى التفاصيل أو تحديد الأحداث فالكلام العام يشوه الأحداث. وكما تحدثنا في مواضع سابقة يجب على كاتب المذكرات أوحتى سارد الذكريات أن يحدد الأحداث فيذكر محدث الفعل ومكان الفعل وزمن الفعل وسبب الفعل والغاية من حدوث ذلك الفعل، ويجب أن تكون الأحداث مفصلة، أي يدخل في تفصيلات الحدث حتى لا يخلط الأمور ببعضها.

فالأستاذ المراغي في هذه الفقرة سرد أحداثًا عامة، فقد ذكر أسباب وملابسات اتهام الحزب الاشتراكى ورئيسة الأستاذ أحمد حسين مع علمه فى قرار نفسه بأن تلك الأسباب هي أسباب واهية. فإن الكثيرين من المصريين في تلك الفترة كانت تردد الشعارات المعادية للإنجليز نتيجة للاحتلال البريطاني البغيض، كما تعاظمت تلك الشعارات والتنديدات أثناء الأعمال الفدائية ضد القوات البريطانية  بقناة السويس بعد إلغاء معاهدة 1936 في 8 أكتوبر عام 1951.

غير أن هذه الأدلة التي ذكرها الأستاذ المراغي في اتهام الحزب الاشتراكي يكتنفها الكثير من الغموض، فلم يوضح الأستاذ المراغي طبيعة الخطاب والعقد  الذي تم ضبطهما في مقر الحزب الاشتراكي والخاص بأعمال تجارية بحتة بين عضو الحزب الاشتراكي وسكرتير نادى الترف الإنجليزي.

فكان يجب على الأستاذ المراغي الإجابة في مذكراته عن تساؤل يكون في خاطر قارىء تلك المذكرات وهو: هل تم إبرام هذا العقد بين بكر عبد الجواد والمستر توماس بصفة بكر عبد الجواد عضو فى الحزب الاشتراكي أم بصفته تاجرًا حرًا؟ مع العلم أن الأحزاب في مصر لا تقوم بأعمال تجارية لأن الأحزاب السياسية ليست شركات ربحية، كما لم يذكر الأستاذ المراغي كيفية وصول عقد وخطاب يختصان بعملية تجارية إلى محفوظات الحزب الاشتراكي، وليس الحزب طرفًا فيه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فلم يتم القبض على أي شخص ينتمي أو له علاقة بالحزب الاشتراكي أو العثور على أدلة فعلية مثل القنابل أو المواد الحارقة، والأدلة التي ذكرها الأستاذ المراغي مجرد صور زنكوغرافية مزيفة اعترف بزيفها المراغي بنفسه.

كما يسرد أيضًا الأستاذ المراغي أدلة عامة ومبهمة في اتهامه لجماعة الإخوان المسلمين بأنها قد تكون وراء حريق القاهرة ويستشهد في ذلك  بحوادث ملاهي شارع الهرم وهي أدلة اتهام الإخوان المسلمين في نظره.

ففي هذا الاتهام لم يطلعنا الأستاذ المراغي على ملابسات حوادث ملاهي الهرم من حيث متى حدثت تلك الحرائق؟ ومكانها؟ وأسماء المحلات المحترقة ومدى الخسائر؟ وهل يوجد إصابات أو وفيات أم لا؟ وهل تم إجراء التحقيق فيها وعمل التحريات اللازمة؟ ومن هم المتهمون وأسماؤهم؟ وهل تم تقديمهم للمحاكمة أم القضية حفظت؟

وإذا كانت بعض قيادات الإخوان المسلمين قد اعترفوا بارتكابهم تلك الحوادث كما ذكر المراغي. فهل تم تحريك الدعوى الجنائية ضدهم لتقديمهم للمحاكمة أم.. لا..؟  فإذا كان الجواب بنعم فلا بد أن يذكر هل أدينوا أم تم تبرئتهم؟ وإذا كان الجواب بلا.. فلماذا لم يتم تقديمهم للمحاكمة؟ مع أن الاعتراف سيد الأدلة.

فكل ذلك من هذه التفصيلات لابد أن يذكرها كاتب الذكريات حتى تكون الأمور واضحة ليس فيها لبس أو أبهام. مع أن كاتب هذه المذكرات التي بين أيدينا محام وخبير قانوني يشار له بالذكاء والكفاءة كما  أنه كان رجل دولة قوي في وزارته.

الملاحظة الأخيرة هنا  أن الأستاذ المراغي اتهم عدة جهات بحرق القاهرة ولم يذكر ماذا فعل لهم؟ أو بماذا تعامل معهم بصفته وزير الداخلية وخاصة أنه أكد أنه  جاء لوزارة الداخلية لكي يعرف من الذي أحرق القاهرة؟ والغريب بل والعجيب أن يقول المراغي وزير داخلية مصر في نهاية الحلقة الأولى من المذكرات: من الذي أحرق القاهرة؟

يتبع مع الحلقة القادمة (الثانية).. الأسبوع القادم إن شاء الله.

المصادر:

    • أحمد حسين – قضية التحريض على حرق مدينة القاهرة  1957.
    • جمال الشرقاوى – حريق القاخرة – قرار أتهام جديد – دار الثقافة الجديدة 197
    • حزب الوفد – تاريخ الوفد – تحرير وأعداد جمال بدوى ولمعى المطيعى – دار الشروق 2003.
    • حسن يوسف – القصر ودوره في الحياة السياسية المصرية (1922- 1952) مذكرات حسن يوسف باشا – مركز الدراسات السياسية والأستراتيجية بالأهرام 1982.
    • كريم ثابت (باشا) – عشر سنوات مع فاروق (1942 – 1952) مذكرات كريم ثابت  – دار الشروق ط1 2000.
    • د/ لطيفة محمد سالم – فاروق وسقوط الملكية في مصر (1936 – 1952) – مكتبة مدبولى 1989
    • د/ محمد حسين هيكل – مذكرات في السياسة المصرية – الجزء الثانى مطبعة مصر 1953.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد