في ذلك اليوم قررت التحرر من السيارة والموصلات بشكل عام وعمل جولة قصيرة على قدمي في شوارع القاهرة القديمة، حين تسير في إحدى شوارع القاهرة القديمة لن تسطيع السيطرة على بصرك وتحويله عن بعض المباني القديمة، فتقع عيناك فجأة على مبنى ظهر في أبهى صورة له حيث كانت الشمس قد مدت أشعتها الساطعة عليه لتعانق خيوطها الذهبية نوافذه المزخرفة بدقة لتجد شيئًا من المداعبة بينهم تبرز روح البساطة التي لم تنقص شيئًا من سحر جماله.

كانت الأصوات المختلطة القادمة من المارة تطرق مسامعي بحدة وتخرجني بين الفينة والأخرى من تأملاتي الهادئة، لكني تركت العنان لنفسي وانطلقت أُكمل جولاتي.

ولكن سرعان ما قطع بصري مطعم للوجبات السريعة الذي يقع بين بعض المباني ذات الطراز القديم؛ مما جعل المطعم يظهر وأنه شيء مستحدث في هذه المنطقة، دفعت باب المطعم لأتناول وجبة سريعة ومن بعدها استكمال رحلتي القصيرة.

وكعادة هذه النوعية من المطاعم تقف في الصف حتى تصل لموظف الكاشير وتطلب وجبتك المفضلة، ومع أول نظرة وقعت مني على موظف الكاشير وقد فصل بيننا أعداد كبيرة من الناس، تذكرت آخر مرة كنت أطلب فيها وجبة سريعة وأسماء (الصوصات) الهائلة التي طرقت مسامعي مع سرعة الناطق بها لم أستطع التمييز واختيار ما أرغب تناوله وصار عقلي يردد بعضها “هل تريدين سيشيون شيز مع البطاطس، أم صوص البومبوري، أم صوص السانكيييز… إلخ”، ولكن كيف لكل موظف حفظ كل هذه الصوصات وأسمائها ومما تتكون في بعض الأحيان؟!!

وفجأه خرجت من لجة أفكاري على صوت فتاة ذات سبعة أعوام تقف أمامي تعانق يدها الصغيرة يد أمها بشيء من الحنان، كانت الأم تتحدث مع الصغيرة وتجعلها تختار بين الوجبات ولكن الدهشة جائتني عندما نطقت الصغيرة بالعامية المصرية وصرخت الأم فيها بشدة تحذيرها إن كررت فعلتها هذه ستنال عقابًا شديدًا، ولكن ما الذي فعلته الصغيرة لتعاقب عليه؟!

فالدهشة غالبًا تكون شرط الحكاية.. جلست في المنضدة المجاورة لهم في محاولة لإيجاد تفسير لما حدث، وسمعت الأم تقول: “منذ متى وأنا أحذرك من تحدث اللغة العربية، وجاء وقت العقاب إذا كررت فعلتك، فهل تعتقدي أننا ندفع كل هذه المبالغ لمدرستك لتتحدثي اللغة العربية؟ إذا تحدثت غير الإنجليزية سيعرف والدك…”.

كانت الأم تتحدث الإنجليزية مع ابنتها بطلاقة فظننت للوهلة الأولى أنهم يعيشون خارج الربيع العربي، ولكن هيئتهم تدل على أنهم مصريون ويقيمون في القاهرة كما أن طريقة الأم في طلب الوجبات تدل على ذلك أيضًا. فما الذي يدفع مثل هؤلاء الناس للتخلي عن لغتهم الأصلية؟

إن اللغة مرآة الفكر وأداته، وثمرة العقل ونتاجه، ثم هي معرض الثقافة الإنسانية وحضاراتها، ووسيلة للتواصل البشري التي يعبر بها الإنسان عما يختلج في صدره من أفكار ومشاعر، فعندما يفقد الإنسان جزءًا من لغته الأساسية تجعل جزءًا كبيرًا من هويته تتلاشى مع الزمن فسرعان ما يكون بلا هوية ولا حتى ثقافة تربطه بالدولة المدونة على جواز سفرة أو شهادة ميلاده، فيتحول من كونه إنسانًا ذات عقل وهوية وثقافة إلى مجرد عروسة ماريونت مصنوعة من قطعة خشبية متصلة ببعض الخيوط الرفيعة فتجعل السهولة والبساطة في تحريك أي شخص لها كيفما شاء مع عدم وجود رد فعل لهذه العروسة.

انطلقت من جديد وقد بدأ الليل في إرخاء سدوله على الشوارع، وتذكرت شكاوى بعض علماء اللغة العربية من انتشار اللغة العامية وظهور بعض الألفاظ النابية التي لم يُعرف لها قاموس أو مصدر، فضلًا عن وجود ما يسمى بلغة “الفرانكو أرب” التي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي منذ فترة قصيرة وخاصة بين المراهقين وأعداد هائلة من الشباب العربي.

فضياع جزء كبير من اللغة العربية الفصحى وانتشار بعض اللغات الأخرى التي تخلط بين لغتين، فالفرانكو أرب مثلًا هو مزج بين اللغة العربية والإنجليزية، ولكنها تكتب بأحرف لاتينية!!! فماذا بعد ذلك إذن.. هل يصبح كل منا معصوب العينين ونتخلى عن جزء من هوايتنا؟ فنتحول من كوننا بشرًا إلى مجرد عرائس ماريونت!!

افرحوا أيها العرب نحن صيد ثمين من السهل الوقوع به، وها نحن قد وقعنا.. وإن لم نقف مرة أخرى للحفاظ على لغتنا أُبشركم بالعمل في أقرب مسرح للعرائس وبدون مرتبات لأننا سنتحول إلى جماد.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد