في عام 1896م أصبح سباق الماراثون أحد أجزاء الألعاب الأولمبية، حيث يقطع المتسابقون ما يزيد عن 40 كم من مدينة ماراثون وحتى مدينة أثينا، وهذه المسابقة وضعت تخليدًا للجندي في الجيش اليوناني، والذي كان متواجدًا على أرض ماراثون حيث انتصر اليونان على الفرس في عام 490 قبل الميلاد، إذ ركض رسول الجيش هذه المسافة وصولاً إلى أثينا ليخبرهم بالانتصار ومن ثم يموت من شدة الإعياء والتعب.

لقد خلدوا انتصارهم على أعدائهم والذي جرى قبل أكثر من 2500 عام ليجعلوا من تخليدهم ممارسة تجرى كل عام ضمن الألعاب الأولمبية، ليشارك فيها متسابقون من جميع البلدان، والعالم ينظر إلى هذا التخليد نوعًا من الرقي والتقدم ودليلاً على الثقافة، ولكن عند العودة إلى بلداننا فإننا لن نجد أي تخليدٍ أو تقديسٍ لشخصياتٍ تركت أثرًا كبيرًا في العالم، وما نجيده حاليًا هو صناعة الخلافات وشق الصف ومحاربة بعضنا البعض، والتفنن في إبراز الشر وبث الأفكار التكفيرية وجعلها مسمار جحا نعلق عليها من يخالفنا الرأي ونستبيح دماءه.

في العراق هناك ماراثون آخر يجري كل عام، ويشارك فيه مجموعة من الناس من دول العالم المختلفة، يسيرون من أماكن مختلفة ولكنهم جميعًا يصلون في النهاية إلى نقطة واحدة كما في الماراثون اليوناني، حيث اللقاء عند ساحة أثينا، وما يجمع بين القصتين أن كليهما يسير فيها أبطال القصة من مكان إلى آخر، وخلال هذه المسيرة يعاني شخصيات القصة من التعب والإرهاق ويموت بعضهم ويُفقد بعض آخر، ولكن في قصة ماراثون أثينا فإن الجندي الرسول لا يرجع من حيث انطلق، بينما أصحاب الماراثون في قصتنا يساقون إلى بلدان عدة ومن ثم يعودون إلى نقطة الانطلاق.

ماراثون العراق يخلد مسيرة سبايا أهل بيت النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والذين سيقوا أُسارى من كربلاء حتى الشام، وسط تعنيف وإذلال وتحقير لركب ينتمي إلى رسول الله، وكله من النساء والأطفال وشخص عليل قد ربط بالجامعة والحبال، حيث هُتكت حُرم رسول الله وبرزت زينب ابنة فاطمة من بعد سترٍ للعلن ومعها نسوة يتفحص وجوههن القاصي والداني والمحب والمبغض والحزين والمتشمت والعدو والصديق، وهي تقود هذا الجمع نيابةً عن علي بن الحسين السجاد، عليل كربلاء.

مرت على هذه الحادثة قرابة الألف عام، ولكنها ما زالت وكأنها جرت اليوم، ليسير العشاق إلى معشوقهم مئات الكيلومترات رغم كل الصعاب والظروف، ليخلدوا مسيرة ومعاناة السبايا، وليجتمعوا عند حبيب قلوبهم الحسين بن علي سبط رسول الله، وهم يستمدون منه العنفوان والصبر والإباء، بلا خوف من تكفير أو ترهيب أو تفجير، فماراثون العراق ليس آمنًا كما هو في اليونان.

الناس من جميع أطيافهم ومنازلهم الاجتماعية يشاركون في هذه المسابقة للفوز برضا الله ورضا رسوله، وهم بين متسابق سائر نحو كربلاء العشق، وبين متطوع قد نذر نفسه خادمًا لهؤلاء المتسابقين، يطعمون الطعام على حبه كما فعل ساداتهم، يرخصون كل شيء ويضحون بكل شيء من أجل تشجيع السائرين للاستمرار والفوز بالوصول إلى مبتغاهم، فمائدة هؤلاء الخدام تُطعم أكثر من 20 مليون ماراثوني بالمجان، ويقدمون لهم الخدمات بالمجان، وهم يتاجرون مع الله ورسوله، وتلك تجارة لن تبور.

ماراثون خدام الحسين بن علي لا في المسير، بل في مدى عطائهم وبذلهم، فهم قد فتحوا بيوتهم لزائري الحسين ولم يبخلوا بدينار أو درهم، وقد ورثوا كرم العرب كحاتم الطائي، لا يسألون عن هوية من نزل عندهم، ففي هذه المسابقة هناك هويتان فقط لا غيرها، أما أن تكون زائرًا أو أن تكون خادمًا، هناك يتساوى العربي مع الأعجمي، والأبيض مع الأسود، ولا يُنظر إلى طائفة الشخص ودينه، فالصابئة والمسيح من غير المسلمين شاركوا ويشاركون في هذه الأولمبياد الحسينية.

عزائنا وحزننا لمن يحاول مرارًا وتكرارًا أن يفتري على هذه المسيرة، أو أن يعيبها، أو أن يتفنن في انتقادها، ولا كلام بالطبع مع التكفيريين فهؤلاء لا قلوب لهم ولا عقول، وعلى طلاب الحقيقة أن يشاركوا في هذا الماراثون العراقي ويتفحصوا صدق ما قيل لهم، ولا نطلب سوى أن تُحترم هذه المسيرة وتُقدر كما هو ماراثون اليونان محترم ومقدر ولعل هناك من دولنا الإسلامية والعربية من شارك ويشارك في ماراثون اليونان ضمن الألعاب الأولمبية السنوية أو يتسابق لنقل أحداثها مفتخرًا وبلا أي حساسية أو انتقادات لاذعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد