كثرت خلال الأعوام السابقة أنشطة شبابية تدعو لـ«ماراثوان»، حيث نجد كل يوم جمعة في الصباح الباكر كثير من الشباب يجرون بلا توقف، ولكن يظهر على ملامحهم السعادة، وذلك ما يجعلنا نتساءل لما يفعلون ذلك؟

ولكننا لا نعرف؛ وذلك لأننا لم نجرب أن نجري، أن نحرك جسدنا المرهق من الجلوس أمام التكنولوجيا، أن نستنشق هواءً نظيفًا، أن نكون مختلفين.

ولكن دعنا نفكر في الجري بطريقة أخرى، ليس لأنه مفيد للجسد، والعقل السليم في الجسد السليم، وتلك الحكم التي حفظناها منذ الصغر، ولكن دعنا ننظر إلى أن خط النهاية دومًا ما يكون هدفًا في حياتنا، ونريد أن نتخطاه، ولذلك دعونا نقرأ تلك القصة التي تعبر عن «الماراثون» بوجهة نظر مختلفة عما نراه.

أستيقظ يوميا لأعيد ما فعلته بالأمس، مجرد روتين ممل، يجعلك تشعر بأن كل شيء معاد، نفس الحكاية ونفس الكلام، كأنك تدور في دائرة مفرغة، ليس لها بداية أو نهاية.

تبحث عن أحلامك فتجدها مكتوبة على قصاصات ورق، فتتحول الأحلام إلى إحباط، وأحيانا لاكتئاب، وتفقد الأمل في كل شيء، في إيجاد عمل أو شريك حياتك، وكأن كل شيء خذلك، حبيبة تركتك أو تركتها، شهادة لم تجعلك تجد عملًا مناسبًا، وأهل يتحسرون على حالك، وتفقد الثقة تدريجيًا في ذاتك، وتشعر بأنك خذلت كل من كان حولك في يوم.

تبحث عن أشياء جديدة، ولكن لا يوجد، «فيسبوك» يسرق الوقت، محادثات في أي شيء، «بوستات» و«كوميكس» وضحك، مع أنك لا تخرج من غرفتك، لا جديد، ولا شيء يرجع ثقتك في ذاتك، حياة مملة.

لكن فجأة ترى دعوة النزول للجري، تنظر لجسدك فترى الكرش الذي يبرز عن جسدك، فتقرر أن تنزل مع هؤلاء الغرباء، ليس حبًا لهم، بل محاولة لإنقاذ ما تبقى منك، وخطة جديدة للتخسيس.

ويأتي اليوم الموعود وتستيقظ مبكرًا، أو لم تنم يومها؛ لأنك تعودت على السهر الذي يقلل نسبة تواجدك وسط أهلك.

ترتدي ملابسك المناسبة لتلك الرياضة، ومعك زجاجة مياه، وتذهب للمكان الموعود؛ فتجد شبابًا من كل شكل ولون، يبتسمون ويضحكون ويمتلئون بالسعادة، فتشعر بأن هناك شيئًا يجتاح وجهك، فتكتشف بأنه ابتسامة لا تعلم مصدرها، ولكنها ظهرت على وجهك من حيث لا تدري.

يقف المنظمون، يقولون بعض القواعد، وكم كيلو سيكون الماراثون، وتلك الكلمات التي لا تستفد منها، وإن كانت فصوت «المزيكا بالهاند فري» يجعلك لا تنصت لهم  في الأساس.

وعند إطلاق الصافرة الجميع ينطلق، تنتشر السعادة في جسدك كله؛ أنك تفعل شيئًا جديدًا، وكل جديد يجعلنا سعداء، ولكن مع مرور الوقت تشعر بالإرهاق، وتختفي الابتسامة من على وجهك تدريجيًا، كلما مرت بضعة أمتار زيادة، جسدك يبدأ يتألم، تشعر بالإرهاق الشديد، وتفقد الكثير من توازنك، رجلك لم تعد قادرة على إكمال الطريق، وسرعتك تقل، ويختفي كل من حولك من العدائين، ويبدأ عقلك يتساءل: لماذا أرهق نفسي؟ لماذا نزلت من بيتي؟

ولكن لا تجد إجابة، ولا تتوقف عضلاتك عن الجري، وتبحث بعينك عن خط النهاية، ولكنك لا تجده، تتمنى أن يكون قريبًا، ولا تعرف إذا كنت تجري في الطريق الصحيح أم سلكت طريقًا خاطئة، مجرد شخص يعدو بمفرده فاقدًا الأمل، وسرعته تقل تدريجيًا، وتشعر بأنك لن تصل للنهاية، طريقك خطأ، وقرار نزولك من المنزل خطأ، ولكنك لم تتوقف، ولا تعرف لماذا؟

ولكن الأمر يتحول تدريجيًا لتحد، وتجد نفسك تقول «سأصل للنهاية»!

شعور بأنك تبذل قصارى جهدك؛ لتنهي شيئًا لأول مرة في حياتك يجعلك سعيدًا، قد تكون مرهقًا، وتشعر بالغثيان، ولكنك تقاتل نفسك، تحارب ضعفك، وتكسر مخاوفك من الفشل، كل ذلك تواجهه في تلك اللحظة.

تزداد سرعتك قليلًا؛ حتى يلوح في الأفق خط النهاية؛ فيزداد حماسك، وتجد عضلاتك تزداد قوتها، وسرعتك تزداد جدًا، وكلما اقتربت تكبر ابتسامتك، وتزداد سعادتك.

أخيرًا قدرت على إنهاء  شيء، ليس حلمًا على ورق، بل شيئًا استطعت فعليًا تحقيقه، شيء ملموس، تبعث من جديد ثقتك في ذاتك، تشعر بأنك قادر على فعل كل شيء.

ذلك الشعور لا تقدر على وصفه بالكلمات، ولكنك تستطيع أن تشعر به، عندما تصل لخط النهاية، ومع كل ماراثون انظر دومًا إلى الأمام، تذكر دائمًا بأن هناك خطًا للنهاية، لابد أن تصل له، ولا تفكر في متى، أو كم قد سرت؟ فكر دائمًا بأنك قادر على إنهاء ما بدأت، مهما كان صعبًا.

وإذا أخذنا تلك القصة وأسقطناها على واقعنا سنجدها تعبر عن الأحلام المدفونة بداخلنا، فإذا بدأنا بالنزول للواقع سنجد أنفسنا ندخل سباقًا مع كل من يحلمون، فمنهم من يكون سريعًا، ويستطيع أن يسبقك بمراحل عديدة، وهناك من سيكون أبطأ منك، ولن يستطيع حتى مجاراتك، ولكن في الحقيقة بأنك ستكون وحيدًا في معظم الماراثون، ستجد هناك من لم يستطع الوصول للنهاية، وهناك من لم يستطع أن يبدأ، وقليل من وصل للنهاية.

لا يهم ما هو مركزك عندما تنهي الماراثون، ولكن الأهم أن تصل للنهاية، وتحقق حلمك، ستجد دائمًا ما تلوح لك في خط النهاية من السعادة، حتى إن لم يكن إنجازًا بالنسبة للآخرين، ولكنه يظل بالنسبة لك إنجازًا.

ستصل للنهاية عندما تعتقد بأنها بعيدة، ستصل للنهاية عندما تشعر بأنك مرهق، اعلم دومًا بأنك تستطيع أن تفعل المزيد، لا تتوقف الآن، وأكمل للنهاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ماراثون
عرض التعليقات
تحميل المزيد