إن التاريخ يصنعه الناس، ولكن لا يصنعونه وفق أهوائهم، ولكن وفقًا للظروف والملابسات التي يجابهونها، وهكذا فإن لكل مرحلة رجالاتها، فأزمنة الرداءة لا يمكنها إلا أن تفرز رعاة للرداءة، بينما أزمنة المحن والمصاعب تنجب العظماء.

-افتتاحية الراحل عبد اللطيف حسني مدير تحرير مجلة وجهة النظر العدد 53.

ماذا يعرف الجيل المغربي الحالي عن التاريخ السياسي للمغرب؟ ماذا يعرف عن الحركية التاريخية السياسية التي وضعت أولى لبناتها الحركة الوطنية والقوى اليسارية منذ الاستقلال المشروط؟ وكيف راكمت الحركات الاحتجاجية فعلها الجماهيري؟

نشر الشاعر المغربي المقيم في بلجيكا الهواري غباري تغريدة على حسابه في الفايس بوك يقول: «الجيل الجديد لا يعرف الكثير عن أحداث 23 مارس (آذار)، وبعدها أحداث مولاي بوعزة 73 وانتفاضة 81. ويعتقد أن حراك 20 فبراير (شباط) بداية الوعي عند المغاربة، الجيل القادم سيؤسس حراكه الخاص ولن يبالي أنه في سنة ما كان المغاربة يخرجون كل أحد، ينددون بفساد السلطة ويطالبون بالتغيير وقدموا لأجل ذلك تضحيات كبيرة، فهل يتعلق الأمر بصراع الأجيال الممانعة عن طريق التخلص من الإرث الذي سيحقق التراكم والذي بدوره يعمق المكتسبات؟ أم بداء الحلقة المفرغة والتضخم الأنوي وثقب الذاكرة الجماعية المزمن؟».

تحل اليوم 23 مارس (آذار) 2017، الذكرى الـ 52 على انتفاضة 23 مارس المجيدة في مدينة الدار البيضاء المغربية، هذه الانتفاضة التلاميذية البطولية التي وضعت نظام الحسن الثاني أمام خيارات سياسية صعبة، كادت تعصف به، قدمت آلاف القتلى الذين رماهم الجنرال الدموي أوفقير بأثقل الأسلحة في الساحات، وجعلت بذلك نظام الحسن الثاني نظاما مطلقا ينفرد بكل السلطات. في هذه الذكرى الأليمة والبطولية في نفس الآن، نكتب هذا المقال مستعينين ببعض المصادر التاريخية، لعلنا نلامس بعضا من أمجادنا، ونصالح هذا الجيل مع ذاكرته المجيدة، ومع إرثه النضالي والبطولي، الذي رغم ما رافقه من تعتيم وطمس لتفاصيله إلا أنه يبقى مفخرة للحركة التحررية والنضالية داخل المغرب.

مع بداية سنة 1965 بدأ يتأكد، أن هناك مشروعا يستهدف تدمير التعليم بالمغرب، وبدايته هي مراجعة نظام امتحانات الثانوية على طريق تصفية الحق في التعليم. وكان قد سبق ذلك تنظيم ندوات من طرف السلطة، هدفها العميق تحطيم رجل التعليم معنويا وماديا، باعتباره كان دائما في طليعة النضال النقابي والسياسي والثقافي في تلك المرحلة. كما استهدفت مقررات التعليم لجعله نخبويا ومحصورا في فئة محظوظة من الشباب، ليكون الإجهاز سالكا ويسيرا على الحركة الطلابية الصاعدة ونقابتها العتيدة – آنذاك – الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. إن الشبيبة المدرسية باعتبارها المثقف العضوي لأوسع الطبقات الشعبية، كانت تدرك بشكل أو بآخر أبعاد مخطط الإجهاز على مكسب الحق في التعليم وتداعياته المتعددة الأوجه. ورغم أن النظام أذاع بلاغا في اليوم الثاني للانتفاضة، يدعي كون ما يروج له البعض بشأن تغيير نظام الامتحانات، مجرد دعاية مغرضة وأكاذيب، فإن انتفاضة 23 مارس (آذار) 1965 رسمت خطا أحمر للنظام فيما يخص المكتسبات المتعلقة بالتعليم وأوقفت مخططاته ولو بشكل مؤقت.

في تاريخ 19 فبراير (شباط) 1965، أصدرت وزارة التعليم الأصيل والعصري آنذاك، دورية بغرض تقنين سن الالتحاق بالسلك الثاني الثانوي للتلاميذ الذين يبلغ عمرهم أقل من 17 سنة وإحالة ما فوق 17 سنة على التعليم التقني. وهي الدورية التي رفضها المشتغلون في المجال التعليمي، بل أزيد من ذلك دفعت الآباء والأبناء للاحتجاج ابتداء من 22 مارس (آذار) من نفس السنة، في مظاهرات سلمية عفوية باغتت الجميع بحجمها واتساعها في كل من الدار البيضاء وفاس ومكناس ومراكش وتاونات.

قالت المعارضة يومها إن الغاية من هذه الدورية ليس هو ربط التعليم بعالم الشغل، الذي كان في حاجة لمتمرسين، أكثر من حاجته لمتعلمين تعليما عاما. بل إن تلاميذ المؤسسات الثانوية أصبحوا يشكلون خطرا على النظام، لأنهم انشغلوا بالسياسة وانخرطوا في عدد من التنظيمات السرية التي ولدت منها منظمة 23 مارس، وإلى الأمام.

تفجرت الدار البيضاء. وخرج التلاميذ للتظاهر. سقط القتلى. وامتلأت سجون المملكة بأولئك الذين اعتبرهم الحسن الثاني «رؤوس الفتنة»، ثم عاش المغرب حالة استثناء بإنهاء العمل بأول برلمان انتخب، في أول تجربة بعد الاستقلال. وهي الحالة التي ستستمر إلى أواسط سنوات السبعينيات، مع ما رافق هذه الرحلة من محاولات انقلابية ظلت تستهدف شخص الملك.

كانت خمس سنوات من حكم الحسن الثاني، كافية ليشتد خناقه، ويعلن، في واحدة من الأحداث السياسية الأكثر دموية في المغرب، عن حل البرلمان، وإغلاق أبوابه بعد أن تفجرت شوارع الدار البيضاء وغيرها من المدن، وقتل الجنرال أوفقير آلاف المتظاهرين، واعترف الحسن الثاني بعد ذلك أنه هو من أعطى أوامره من أجل استتباب الأمن.

واختار شباب من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحزب الشيوعي المغربي تأسيس تنظيم 23 مارس(آذار)، ثم حركة «إلى الأمام». بعد أن أصبح الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (الإطار النقابي للطلبة المغاربة) هو الخلية الكبرى للعمل السياسي في بلد يعيش حالة الاستثناء. بعد أن أصبحت الأحزاب السياسية، والتي حملت كامل المسؤولية للدولة فيما وقع، أصبحت تعرف جمودا سياسيا وتنظيميا بعد إعلان حالة الاستثناء حيث عرفت قواعدها تذمرا دفع بالبعض منها لنهج العمل المسلح، في الوقت الذي اختارت فيه العناصر الطلابية والشبابية، والتي كان لها موقف مندد بسياسة المفاوضات التي تنهجها الأحزاب مع الملك، البحث عن بديل فكري وتنظيمي، خصوصا بعد هزيمة العرب في 1967، وقيام الثورة الثقافية في الصين، وأحداث مايو (أيار) 1968 بفرنسا.

الانتفاضة الشعبية ليوم 23 مارس 1965 لم تكن عديمة الجدوى، أو صيحة في واد، بل كانت دعوة حية تأمل الاستجابة، لبناء مغرب جديد. وتولدت عنها منذ سنة 1970 حركة حملت اسمها «حركة 23 مارس»، تيمنا بذكراها وضمانا لاستمرارية ذاكرتها، واختارت الحركة الانخراط في العمل السياسي بعمق أيديولوجي ومرجعية ماركسية واضحة. فكان الاصطدام والمواجهة ليس فقط لهذه الحركة أو لوريثتها، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، بل لكل الأصوات المعارضة مع السلطة طيلة سنوات الرصاص. وبقي الانفراج عبارة عن أقواس سرعان ما تغلق، وساد التشرذم والتآكل مختلف التعبيرات السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد