في حياة الشعوب أحداث لا تنسى، ولا تسقط من ذاكرتهم، فهي كالدم تسير في عروقهم، وبها يحيون. 31 مارس 1918 يسجل إحدى أبرز المذابح الإنسانية منذ هبط الإنسان إلى الأرض، وكان بطلها قاتل أرميني وقتيل مسلم أذربيجاني!

فهذا البلد الذي لا يحظى باهتمام كثير من المسلمين على مستوى القيادة أو الشعوب وللأسف، تعرض لأبشع الممارسات وحشية من قبل دولة أرمينيا المغتصبة التي رعى تأسيسها الروس، واحتضنت حمايتها بعد ذلك الدول الكبرى التي تماثلها الدين، فتم على إثر ذلك الحب، وهذه الرعاية، تقسيم أراضي أذربيجان، ونهب ثرواتها، واحتلال أراضيها وسفك دماء أهلها.

إن معاهدتي جولستان و توركمانتشاي الموقعتين في عامي 1813 و 1828، قد منحتا السند القانوني لتقسيم الأمة الآذرية، وتقسيم أراضيها التاريخية، واستلهاما لفكرة إنشاء أرمينيا العظمى، بدأ الغزاة الأرمن في تطبيق علني، وعلى نطاق واسع لأعمالهم الشريرة ضد الأمة الآذرية خلال أعوام 1905-1907، وكانت البداية “باكو”، فقد استطاع الأرمن الاستفادة من الحرب العالمية الأولى، و من الثورات الروسية المندلعة في فبراير وأكتوبر عام، 1917، بالترويج لأفكارهم بدعوى البلشفية، وتطبيق خطة التطهير العرقي الدنئية للتخلص من سكان أذربيجان بدءًا من باكو وانتهاء ببقية المقاطعات.

فبحجة محاربة العناصر المناوئة للثورة البلشفية توسع الأرمن في أعمالهم البربرية بقرى وأراضي أذربيجان.. دمروا مئات القرى وتم تسويتها بالأرض، و قتلوا الآلاف من الناس بوحشية غير مسبوقة، حيث دمروا المنازل الآهلة بسكانها، وأحرقوا الناس أحياءً، و تحولت معظم مدينة باكو إلى أطلال بمعالمها المعمارية القومية ومدارسها ومستشفياتها، كما دُمرت العديد من الآثار الأخرى.

ولم تتوقف هذه الأعمال الوحشية عند “باكو”؛ بل امتدت إلى عدة أقاليم أخرى مثل، “قوبا” و”شاماخي”، و”قاراباغ”، و”زانقازور” و”ناختشوان” و”لانكران”، وغيرها، وتحولت الكثير من القرى إلى رماد وسويت آثارهم القومية بالأرض، وكان الغرض من كل هذا هو طمس المعالم التاريخية والديموغرافية للأراضي الآذرية، وبالتالي إفشال إثبات القيادة الآذرية لحقوقها التاريخية والقانونية.

وبعد تأسيس جمهورية أذربيجان الديمقراطية، تم وضع جرائم 31 مارس 1918 ضمن أهم أولويات الدولة الجديدة، فأصدر مجلس الوزراء قرارا في 15 يوليو 1918 بإنشاء لجنة غير عادية لبحث وتقصي تلك الأحداث المأساوية، وبحثت اللجنة المرحلة الأولى من الإبادة الجماعية التي حدثت في مارس، بكل بلديات وقرى وأقاليم أذربيجان.

كما تم تأسيس إدارة خاصة تابعة لوزارة الشؤون الخارجية، وذلك حتى يتعرف المجتمع الدولي على الحقيقة، وأعلنت جمهورية أذربيجان الديمقراطية اعتبار الحادي والثلاثين من مارس يوم حداد وطني في البلاد، و ذلك مرتين، في عام 1919 و1920، وكانت هذه هي أول محاولة في التاريخ لإعطاء وصف الإبادة الجماعية ضد شعب أذربيجان، و للعملية العدوانية التي استمرت لأكثر من قرن من الزمان على يد الأرمن؛ لكنها دخلت الإنعاش بعد ذلك بسبب انهيار جمهورية أذربيجان الديمقراطية.

وكالعادة استغل الأرمن الفرصة، وقاموا بعمليات تحويل مناطق شمال القوقاز لجمهوريات سوفيتية، فأعلنوا ضم منطقة “زانجازور” التابعة لجمهورية أذربيجان إلى أرمينيا السوفيتية الاشتراكية عام 1920، ومنذ ذلك التاريخ وما تلاه وخاصة في الفترة من 1948 إلى 1953 تواصلت عمليات الترحيل الجماعي لسكان أذربيجان من مواطنهم، فتم تهجير ما يزيد عن 150 ألف أذربيجاني بالقوة خارج أرمينيا، وكان هذا التهجير بموجب قرار مجلس الوزراء السوفيتي الصادر في 23 ديسمبر 1947 تحت اسم “القرار الخاص بشأن التهجير الجماعي للفلاحين والسكان الأذربيجانيين من جمهورية أرمينيا السوفيتية الاشتراكية إلى سهل “كورا – أراز” التابع لجمهورية أذربيجان السوفيتية الاشتراكية!

وامتدادا لمسلسل الإبادة الجماعية للأذربيجانيين، قامت أرمينيا في عام 1988 بتحريض ودعم مجموعة من الانفصاليين في إقليم “قره باغ” الأذربيجاني، والقيام بحرب عدوانية وتطهير عرقي بهدف ضم الإقليم الذي يشكل خمس مساحة أذربيجان إلى أرمينيا، فارتكبت العديد من المذابح ضد السكان الأذربيجانيين، كان أبشعها ما عرف تاريخيا بمذبحة “خوجالي”، والتي وقعت في 26 فبراير 1992، حيث تم حرق المدنيين بالكامل، فقتل 613 مواطنا منهم، 489 رجلا، و18 طفلا و106 امرأة، وكانت تلك الحرب بداية لحلقة جديدة في مسلسل العداء الأرميني المتجذر لأذربيجان المسلمة.

وتسببت هذه الجرائم والمذابح فى قاراباغ الجبلية إلى نزوح مليون مواطن آذري عن أراضيهم وديارهم، والعيش في خيام الإيواء، حتى أنشأت الحكومة الأذربيجانية أحياء حديثة توفر من خلالها لهم سبل المعيشة، والحياة الكريمة؛ لكن كان وسيظل حلم عودتهم لديارهم وأرضهم حيا في قلوبهم وعقولهم.

ولأن أذربيجان دولة مسالمة، وراغبة في احترام جميع المواثيق الدولية فيما يخص فض المنازعات بين الدول، فهي ماضية في مسيرتها لتحقيق أحلام مواطنيها المستحقة بالعودة إلى ديارهم وأراضيهم بالسبل السلمية، وعن طريق المفاوضات مع أرمينيا.. بدأ هذا منذ العام 1992، ولا يزال مستمرا بوساطة مجموعة “منسك” التي ترأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وروسيا؛ لكن من أين يأتي السلام ونحن أمام دولة لا تنفذ أربعة قرارات لمجلس الأمن حملوا أرقام (822،853،874،884)، وجميعها تدعوها لضرورة إعادة الأراضي التي احتلتها إلى أذربيجان؟!

ويبدو أن السلام الذي تريده أرمينيا هو نفس السلام الذي تبتغيه دولة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.. سلام يقوم على دم الآخر وأرضه وحريته وعرضه.. سلام بشروط المغتصب والمعتدي، وليس على أساس الحق والعدل!

لكن لكل بداية ظلم نهاية، وهذا أيضا قانون إلهي يصعب تجاهله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد