في الحادي عشر من فبراير 2011م بعد خطاب التنحي الشهير وتفويض المجلس العسكري لإدارة شئون العباد والبلاد أصبح المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو القائم بأعمال رئيس الجمهورية، وهو رئيس الفترة الانتقالية لمدة ستة أشهر أو حتى انتخاب رئيس جديد.

بعد يومين من تاريخ التنحي في الثالث عشر من فبراير قرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة حل مجلسي الشعب والشورى وتعليق العمل بأحكام الدستور واختيار لجنة من القانونيين لصياغة التعديلات المقترحة على الدستور تمهد الطريق لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة.

تضمنت التعديلات الدستورية وضع قيد على مدد الرئاسة بحد أقصى مدتين لفترة أربع سنوات، وبنودًا تضمن الإشراف القضائي على الانتخابات، وشرطًا للرئيس أن يعين نائبًا واحدًا على الأقل، وتشكيل لجنة لصياغة دستور جديد بعد الانتخابات البرلمانية، وسهولة أكثر في شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، على أن يتم ذلك في غضون ستة أشهر من تاريخ إقرار تلك التعديلات تقوم خلالها مجموعات العمل بإنشاء أحزاب سياسية جديدة، وعمل حملات للمرشحين وتشجيع الحضور بين أنصارهم.

أهمية دراسة وتحليل حدث الاستفتاء

لعل حدث الاستفتاء هو أوضح الأحداث التي كشفت معظم التوجهات مبكرًا جدًا تجاه الثورة وكشف عن خارطة الطريق التي يسعى لها كل فصيل سياسي، وكشف عن الإشكالية الكبرى ومحل النزاع بين التيار الإسلامي والتيار العلماني، كما أنه قد كشف عن أيقونات الثورة المضادة.

ومن هنا تكمن أهمية دراسة هذا الحدث وإلقاء الضوء عليه.

ويلوح لنا تساؤل هام: ما هي نوايا المجلس العسكري وقتها من عملية إجراء التعديلات الدستورية والاستفتاء عليها؟

هل كان يهدف لامتصاص الحماس الثوري؟

هل كان يطمح به للحصول على شرعية أخرى غير شرعية التفويض التي أعطاها له مبارك؟

هل كان يخطط للانقسام المجتمعي والاستقطاب على غرار المقولة التاريخية غير الثابتة «رميتهم بمكيدة لو وافقوا عليها اختلفوا ولو رفضوها اختلفوا»؟!

مجريات الأحداث بعد ذلك أثبتت مكائد المجلس العسكري ضد التعديلات التي تم الاستفتاء عليها، وتعطيله لها، وعدم جديته في تسليم السلطة، فقد قام المجلس العسكري بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بعمل إعلان دستوري! فما هو الداعي له؟ أم ما هو الداعي إذن للاستفتاء؟

أم أن المجلس العسكري فوجئ بمضمون التعديلات وتبين له أنها كانت كفيلة لإتمام أهداف الثورة وأنها وضعته أمام معضلة تسليم السلطة لرئيس منتخب من الشعب، رئيس غير مصنوع على أعين المجلس العسكري ومن وراء المجلس العسكري كما حدث بالفعل بعد ذلك.

الاستفتاء في حد ذاته يعتبره البعض خطيئة دستورية ويرى أنه كان ينبغي أن يطرح المجلس العسكري خارطة طريق واضحه ومحدده للفترة الانتقالية.

الاستفتاء على التعديلات المطروحة كان لا يحتمل سوى اتجاهين في غاية الوضوح: اتجاه تسليم السلطة للشعب واتجاه إبقاء السلطة بيد المجلس العسكري، ومن هنا كان الوضع لا يحتمل بديلًا عن قول نعم فهي تمثل حالة الضرورة القصوى واللحظة الفارقة.

الاستفتاء والاستقطاب

جمعت ثورة يناير ثوارًا من كافة الأطياف السياسية وكلٌ له أيدلوجية خاصة ومختلفة عن الآخر إلا أن الجميع خلال الثمانية عشر يومًا في ميدان التحرير كان متحدًا على أهداف الثورة.

لم يكن مطلوبًا بعد ذلك من كل فصيل أن يذوب في الآخر بل من الطبيعي أن يعود كل فصيل إلى أيدلوجيته ويتمسك كل فصيل بمبادئه ويطرح أفكاره أو حتى يحدث صراع سياسي في ظل أجواء الحرية وتحت مظلة مبادئ الديموقراطية العامة والحاكمة للجميع، وهذا هو البديل عن الصراع والاستقطاب الذي يهدف لإلغاء الآخر وإقصائه.

بدأ الاستقطاب يظهر بقوة في أجواء الاستعداد للاستفتاء وكان المحور الحقيقي للخلاف هو كون الأحزاب السياسية العلمانية غير مهيأة لخوض الانتخابات أمام الأحزاب الإسلامية، فكان شعار البعض وقتها : فلتستمر الفترة الانتقالية وليبقى المجلس العسكري وتؤجل الانتخابات وتعطل الديموقراطية حتى لا تأتي صناديق الاقتراع بالأحزاب الإسلامية.

بدايةً انطلقت الشائعات حول مضمون التعديلات نفسها وأن الموافقة عليها تعني بقاء دستور 71 وبقاء الفلول ونظام مبارك، وأنه يلزم لبناء الدولة أن يتم البناء على أساس صالح وهو عمل الدستور أولا.
والحقيقة هي أن مضمون التعديلات هي عمل دستور جديد بلجنة منتخبة من مجالس نيابية منتخبة يلي ذلك انتخابات رئاسية على ألا تزيد مدة المرحلة كلها عن 6 شهور، والموافقة على التعديلات هو المسار الذي يضمن عمل دستور جديد وليس عدم الموافقة، والأساس الصالح لا يتأتى بعمل الدستور أولا بلجنة معينة من العسكر واستمرار حكم وهيمنة العسكر في السلطة لأجل غير مسمى بعيدا عن الشعب.
هذا هو ما تم الترويج له في الحملة الدعائية للتصويت بنعم  ولم يرد ذكر جنة أو نار كما تم التشنيع بذلك على الإسلاميين. [1]

أُشيع أن لجنة التعديلات مكونة من جماعة الإخوان والحقيقة أن لجنة تعديل الدستور المكونة من ثمانية أعضاء كانت تضم عضوًا واحدًا فقط من جماعة الإخوان والباقي قضاة وأكاديميون قانونيون، وكان العضو المنتمي لجماعة الإخوان هو أحد أعضاء اللجنة التشريعية بمجلس الشعب الأسبق وهو الأستاذ صبحي صالح.

الفلول وعلى رأسهم تهاني الجبالي اجتمعوا مع معظم الأحزاب والرموز الإعلامية والسياسية بفندق جراند حياة في مؤتمر دعت له جريدة المصري اليوم وبتمويل من غرفة التجارة الأمريكية للاتفاق على التصويت بلا لأن الانتخابات ستأتي بالإسلاميين! وقد حضر وذكر تفاصيل هذا الاجتماع المناضل القدير الأستاذ عصام سلطان. [2]

وليس كل من قام بالتصويت بلا على التعديلات الدستورية كان عميلًا مأجورًا، أو كان تصويته من نفس منطلق الفلول وأعوانهم، فالبعض التبس عليه الأمر وأحسن الظن بالمجلس العسكري وانطلت عليه الشائعات وإعتقد بأن التصويت بلا سيؤدي لعمل الدستور أولًا دون وصاية المجلس العسكري وهيمنته على السلطة، وهذا ما ثبت خطؤه لاحقًا.

قامت عشرات القنوات ببث حملة للتصويت بلا واتهام الإسلاميين بالحشد الطائفي والديني مع أن الحشد الديني لم يتم إلا من ناحية بعض القساوسة، وكان مداره كله على أن الانتخابات ستأتي بالإخوان وإثارة موضوع بقاء المادة الثانية من الدستور، فتم التغافل إعلاميًا عن كل هذه التصريحات الطائفية والتركيز على بعض ردود الأفعال وإخراجها في هالة كبيرة من الأكاذيب والشائعات. [3]

وفي المقابل كان ترويج الإخوان ومعظم الإسلاميين للتعديلات بمضمون التعديلات نفسها، وأن الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة لانتقال السلطة ليد الشعب ولعمل دستور جديد نابع من الشعب لا وصاية خارجية ولا داخلية عليه.

عقد الاستفتاء على التعديلات الدستورية يوم 19 مارس 2011، وقد كانت مظاهر وأجواء الحرية وطوابير الاقتراع مبهجة للشعب المصري الذي لم يتنسم مثل هذه الأجواء من قبل، وكان تعداد الذين أدلوا بأصواتهم حوالى 18 مليون ناخب 41٪ من أصل 45 مليون ناخب مسجل، حيث صوت أكثر من 14 مليون ناخب (77٪) لصالح التعديلات الدستورية، في حين أن نحو 4 مليون ناخب (23٪) قد صوتوا ضد هذه التعديلات. [4]

أصدر المجلس العسكري إعلانًا دستوريًّا بعد أيام من ظهور نتيجة الاستفتاء في يوم 30 مارس 2012م.

شكلت نتيجة الاستفتاء انفجارًا شديدًا في الاستقطاب السياسي بين الإسلامين ومعظم الأحزاب والقوى العلمانية التي قامت بتجييش الجيوش من رموز القوى اليسارية والليبرالية وبعض الدعاة الجدد بالإضافة لرموز النظام السابق والدولة العميقة وأشعلت حربًا إعلامية شرسة ممولة في عشرات القنوات الفضائية والصحف للتصويت بلا في التعديلات الدستورية، ومع ذلك جاءت النتيجة مخيبة لكل آمالهم.

شكلت نتيجة الاستفتاء بداية الصعود السياسي المفاجئ للحركات الإسلامية الذي ظل مستمرًا، حيث أسفرت معظم الانتخابات اللاحقة عن فوز الحركات الإسلامية بالأغلبية بدءًا بانتخابات مجلسي الشعب والشورى ومرورًا بانتخاب النقابات وانتخابات إقرار الدستور وانتهاءً بانتخابات رئاسة الجمهورية.

بعد ظهور النتيجة بالتصويت بنعم بنسبة 77% تقريبًا كان من المفروض تكاتف الجميع لتطبيق المرحلة الانتقالية كما يحدث في كل الديموقراطيات المحترمة، وطبقًا لأبسط قواعد الديموقراطية وهي أن يخضع 100% من الناخبين للنتيجة التي تتجاوز الـ50%، إلا أن رد فعل الرافضين للتعديلات جاء صادمًا برفض النتيجة ومطالبة المجلس العسكري بالتدخل لحكم البلاد مدة سنتين أو خمسة لمنع الشعب من انتخاب الإسلاميين.

وهذا يعدُ أول مطالبة صريحة للانقلاب العسكري على الثورة، وقد قام بالترويج لهذه الجريمة الكبرى خارجيًّا
وداخليًّا وتولى كبرها اثنان من كبار السياسين وهما الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل والدكتور
محمد البرادعي اللذان ظهر دورهما لاحقًا في الانقلاب العسكري.[5]

ثم ظهرت دعوات تطالب بالدستور أولًا أي البدء بالدستور بلجنة معينة وليست منتخبة، ثم جاءت بدعة المواد فوق الدستورية، وظهرت وثيقة السلمي التي تمنح سلطات الشعب للعسكر.

استمرت وسائل الإعلام في الاستقطاب الطائفي وسوقت حملتها على التيار الإسلامي كله بكلمة «غزوة الصناديق» وهي كلمة لأحد مشايخ السلفيين البعيدين عن السياسة وقيلت بعد ظهور النتيجة وليس قبلها كما زعموا وكانت ردًا منه على المناحة التي أقامها الإعلام العلماني فهم أصحاب مقولة «تولع الديموقراطية لو جاءت بالإسلاميين وهيبقى آخر يوم في عمري وأروح أقعد في كندا» : [6]

تم الترويج للحملة وسط هالة من الأكاذيب التي لا وجود لها فاخترعوا مقولة «من يصوت بنعم يدخل الجنة ومن يصوت بلا يدخل النار» وهي أكذوبة لم يقلها أحد من الإسلاميين على الإطلاق لا قبل التصويت ولا بعده بل العكس هو ما حدث من قبل بعض القساوسة، فقد قيل نحو ذلك إلا أنه تم التغافل عنه من قبل معظم التيار الإسلامي، كما تم التغافل عن المال السياسي الذي تم به تأجير بعض المشاهير وتعليق يافطات بأسمائهم بتكاليف باهظة تدعو للتصويت بلا وبه تم تمويل عشرات القنوات الفضائية بمبالغ باهظة لتغطية الخسائر المالية التي تكبدتها هذه القنوات في ترويج حملتها من خلال برامج ومسلسلات وأفلام وبرامج حواريه وبرامج ساخرة.

خاتمة

يعتبر الاستفتاء حدثًا في غاية الأهمية، ونقطة فاصلة في تاريخ الثورة المصرية، ومن ثم ينبغي أن يخضع للدراسة وللتحليل حتى نتعرف على الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الوضع العصيب الذي نحياه وهذا الانقلاب الجاثم على صدور الشعب المصري بجميع طوائفه، ولعلنا كذلك نستخلص منه دروسًا للمستقبل حتى لا نكرر نفس الأخطاء مرة أخرى وحتى نصل للأسباب الحقيقية التي أدت للفرقة والاستقطاب والتناحر والتي تقف عائقًا أمام اصطفاف جميع القوى الثورية.

كما أننا في هذه الأيام نشاهد تطورات الثورة الجزائرية ونلمح تشابهًا كبيرًا مع الثورة المصرية فتنحي مبارك وبقاء النظام متمثلًا في المجلس العسكري وقيامه بقيادة البلاد خلال الفترة الانتقالية يشبه إلى حد كبير استقالة بوتفليقة وبقاء نظامة متمثلًا في المؤسسة العسكرية المستترة بستار تولي عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة للفترة الانتقالية، وما بين عبد القادر بن صالح ورئيس الأركان قايد صالح نخشى أن تضيع المصالح، وتغرق الثورة الجزائرية في الفترة الانتقالية.
حفظ الله شعب مصر وشعب الجزائر وباقي الشعوب العربية وألهمهم الاتحاد على ما فيه صلاحهم وصلاح بلادهم بعيدًا عن حكم المؤسسات العسكرية وعن الهيمنة الخارجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد