نقد العمل الروائي: المارستان، للكاتب: محمد الجيزاوي، صادر عن دار عصير الكتب في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2017.

أبدأ المقال النقدي بوضع الخارطة التي سأسير وفقها حتى يكف القلم عن السرد، لتتضح للقارئ ملامح ما هو مقبل على الغوص فيه من نقد ومراجعة.

  1.  رؤية عامة حول الرواية: فكرٌ وأسلوب
  2.  تحليل لعدد من شخصيات العمل
  3.  الطب النفسي: بين صورته في العمل وحقيقته
  4.  تفصيل وتدقيق في ما بين أسطر وصفحات الرواية
  5. الرواية: كبناء

 ما أضع بعده علامة (*) فهو ما أشير إليه وأفصله لاحقًا

رؤية عامة حول الرواية

منذ بداية صفحات العمل يأخذك أسلوب الكاتب الأدبي الجيد الخلاب، لكني وقفت حائرًا بين كلمات الكاتب خريج كلية الفلسفة لأتساءل: أي طابع فلسفي أعطاه الكاتب لعمله؟ بين وجودية بعض الشخصيات كالطبيب الشاب وعدمية البعض كالطبيب الخبير، تقف موقف المنتظر أن يمر الفيلم كاملًا أمامك فتجد الإجابة، لكنه يخبرك أن العمل يقف بين الوجودية والعدمية وقفة بين بين.

بدأت قراءة العمل وقلمي بين أصابعي، أضع خطوطًا تحت ما يثيرني ثم أضع تعليقي عليه، وكان ما خاطرني كثيرًا، منه ما أثبت القادم من العمل خطأه، وهناك ما أثبت صحته، وهو كالآتي:

مع أول حرف وأول نقطة حبر خطت في صفحات هذه الرواية أقسم الكاتب أن يقدم كتابًا عن الجنون لا مثيل له، وإسقاط على واقعنا، فكان للأول تأثير سلبي على العمل – أوضحه في الجزئية الثانية – والأخير – من وجهة وزاوية نظري للعمل – أبدع فيه.

وإذ أردت التركيز على تأثير شخصية الكاتب فيتلخص ذلك في عدة نقاط:

  • رغبة الكاتب في تقديم عمل لا مثيل له؛ فإذا كان بالفعل كذلك، فإنه يحرم الكاتب من نقطة لا تحسب لصالحه. *
  • شخصية الكاتب الثورية، فكان لهذا أثر واضح حين يتطرق لجانب سياسي في العمل، فإنه يغوص فيه كل الغوص وتظهر شخصيته واضحة جلية، فحين يذكر أساليب قمع الأنظمة فإنه يركز كل التركيز وتصبح اللهجة شديدة القوة مقارنة بباقي أجزاء العمل؛ فإنه يستخدم المفردات اللغوية الثقيلة على الأدب الحالي؛ حين يستخدم الكاتب مثل هذه الكلمات فإنه بمثابة استعراض لقوته الأدبية، والذي لا تفسير له إلا أن الكاتب في عداء مع الأنظمة القمعية الديكتاتورية فيظهر هذا حين يذكرهم في العمل قبل حتى أن يخبرنا هل هذا النظام المختلق في الرواية قمعي أم لا.
  • رغبة الكاتب في تقديم إسقاط على واقعنا لمن يقرأه بانتباه شديد لكل تفاصيل العمل، وهو ما أبدع فيه من تقديم لأفكاره في إطار قصة من خلقه، وهو ما إن لم يفعله لقلت أنها «رواية لا أخلاقية»؛ كما قال كونديرا «إن الرواية التي لا تكشف جانبًا من جوانب الحياة لم تكشفه قبلها رواية فإنها رواية لاأخلاقية».
  • محاولة لقول إن مستقبل الطب النفسي ليس إلا محاولات عديدة فاشلة لفهم النفس البشرية، وهو ما أوقع الكاتب بتحليل فلسفي خاطئ لأسباب ونتائج استخدام الطب النفسي وبعض العقاقير والسبل العلمية للعلاج.

تحليل لعدد من شخصيات العمل

اعتمد هذا العمل على علم النفس والطب النفسي والتركيز على الحافة الفاصلة بين من يقفون عليها، وهم البشر أجمعين، وحفرة الجنون، فكان استخدام مدرسة التحليل النفسي في خدمة منطقية العمل: جيد جدًا.

«براءة»: ماهو صحيح علميًا أن العقل دائم البحث عن الثبات والاتزان النفسي، وفي سبيل هذا يخدعنا، وهو جزء منَا، وإن اتخاذ الآليات – الميكانيزم – الدفاعية ضروري بالنسبة له، ففي حالة براءة كانت ثباتها النفسي يقبع في فكرة واحدة، وهي أن أباها رجل لا يضاهيه أحد في عظمته، الرجل الذي لا يخطيء أبدًا، فكان حين انتهاك حق لها أن أخبرت أبيها فلم يكترث، فإن فكرة أن أباها لم يكترث لها وترك حقها ولم يكن لها درعًا تحتمي به هي فكرة مريعة وتهدد سلامها النفسي، فاتخذ عقلها آلية دفاعها وهي أن هذا الانتهاك لا يستحق الاكتراث ولا يعد انتهاكًا، فأصبحت مذ حينها ينتهك أحدهم هذا الحق لا تكترث، فلم تعد تعتبره حق أو شيء يستحق الاكتراث، حتى أن أحدهم إذا أراد قال لها أنه يود انتهاك ذاك الحق فتقبل بكل بساطة وكأن شيء لا يحدث، حتى هذا الجزء من العمل فإن التسلسل العلمي النفسي حتى يصل إلى سبب عدم اكتراثها أو نتيجة عدم اكتراث أبيها كان رائعًا، ولكن وقف اتساءل: كيف لهذه الفكرة المعقدة أن يدركها عقلها فجأة وتصبح قادرة على أن تفصح عنها للطبيب الشاب؟! لا أرى هذا يسير على النهج السليم الذي اتخذه الكاتب مذ بداية مشاهد العمل التي تخص «براءة».

«الشيخ الحالم»: يحتاج الجميع إلى «الأفيون»، أو المسكن الذي يخبرهم أن كل الألم سيرحل عما قريب، ربما بعالم آخر لا ظلم فيه، إذا كنت تعاني انعدام العدالة، أموال طائلة، إذا كنت تعاني الفقر، دواليك دواليك..

لكن الجنة تطلب الكثير من العمل الشاق، أما الجنون فهو له نفس التأثير المسكن للألم ولا يتطلب شيء سوى الاستسلام، فإن وقوع هذا الشيخ بالجنون بمحض إرادته، لأنه رأى في هذا راحة نفسية وجسدية، أو كما قال «النيام لا يصلّون» ولأن في جنونه راحة، فكان استجابة الناس لدعوته إلى الجنون أسرع من استجابته هو للوقوع فيما وقع فيه، تعليقي على هذه الشخصية هي أكثر الشخصيات روعة وإتقان في الاسقاط، وفي رأيي هي الشخصية فلسفية البناء على غير الآخرين مثل «رسول» و«براءة» فهما كانا الشخصيتان علميتين البناء وخلقهما المعتمد على التحليل النفسي.

«الدكتور ناصف»: هي الشخصية التي تمثل حلقة هامة في العمل، ولولا أن الكاتب أقحم العلم في العمل لأخذته على محمل الفن فقط، ولكنه رفض ذلك، لذا؛ إن الدكتور ناصف في رأيي شخصية غير منطقية الملامح النفسية، هو طبيب يرى أن الطب النفسي لا فائدة منه، وأنه عاجز أمام الأمراض الذهانية، بل والعصابية أيضًا، وأنه يعامل الإنسان كحقل تجارب وشيء مادي يخضع للتجربة، بالفعل إن المنهج العلمي قائم على التجربة لكن ليس بهذا الشكل الذي أوضحه الكاتب على لسان الطبيب*، كيف لطبيب بمثل هذا القدر من العلم أن يقول مثل هذا الكلام؟ كيف لا يعلم بما يحرزه الطب النفسي من تقدم ليقول أنه عاجز عن فهم النفس البشرية؟ سأقف عند هذه الشخصية لاتطرق للجزء العلمي في العمل.

الطب النفسي: بين صورته في العمل وحقيقته

اتضح لي العناء في البحث وراء علم النفس والطب النفسي لكتابة هذه الرواية، ولكن..

تطرق الكاتب طرق الطب النفسي ليخبرنا أنه وصل إلى نهاية الطريق ووجد أنه خال تمامًا من الأمل لإحراز تقدم حقيقي.

المنهج العلمي هو مبني على التجربة، وعلم النفس يخضع لهذا المنهج، ولكن التجربة في علم النفس ليس كما تحدثك الرواية بأنه يعامل النفس البشرية كشيء مادي لذا فلن نصل لعلاج حقيقي، بل مسكنات، إن التجربة في علم النفس تقوم على مراقبة السلوك وبناء الفرضيات ثم التأكد منها بالتجربة التي تثبت خطأها أو صحتها، والتجربة في علم النفس لها عدة طرق منها وضع أناس بحالة نفسية معينة في ظروف يهيؤها العالم صاحب التجربة أو الفريق العلمي ومراقبة السلوك الذي سيسلكه مختلف الناس والخروج بنتائج واستنتاجات بنسب واحتمالات.

قال الكاتب في أحد مواضع الرواية على لسان الدكتور ناصف أن الأمراض النفسية لا يمكن أن تكون أسبابها مادية أو جسدية بل هي ناتج ظروف وضغوطات وما إلى ذلك مما له أثر سلبي على النفس البشرية، وعلى الرغم من خطأ هذا الزعم، لأنه في بعض الأمراض كالفصام هي أمراض ذهانية، لا يمكن أن تصيب الجميع، هي فقط تصيب من هو مستعد لأن يصاب بها، بتعبير أدق: من عقله المادي على استعداد لذلك، فالأشعة الطبية أثبتت أن مخ الشخص الطبيعي يختلف اختلاف واضح عن الشخص المصاب بالفصام، هذا يمكن للجميع أن يبحث عنه ويراه، لذا فإن هذا الشخص الطبيعي إذا تعرض لنفس ما تعرض له الشخص المصاب بالفصام فلن يصيبه الفصام أبدًا، إن مرض مثل الفصام إذا أصاب أحدهم، في مرحلة تشخيص المرض يبحث الطبيب عن تاريخ عائلته الطبي، فإذا كان أحدهم مصاب بالفصام فإن فرصة أن يكون مريضه هو مريض فصام نسبته أكثر من أن يكون لا أحد أصاب به في عائلته من قبل، لذا فإن على عكس ما قاله الدكتور ناصف؛ إن مرض الفصام لا يصيب إلا المصاب بخلل بيولوجي عقلي.

في موضع أو أكثر في الرواية تحدث الكاتب عن العقاقير الطبية، قائلًا بأن لها آثارًا جانبية شديدة الضرر، فهي مجرد علاج مؤقت، بل وتصيب من يتناولها بأمراض نفسية مستقبلًا، وهنا سأوضح نقطتين:

الأولى: كيف يقول الدكتور ناصف أنه لا ترجع الأمراض النفسية للعوامل البيولوجية بل هي تخضع للضغوطات النفسية، ويأتي في موضع آخر ليقول أن العقاقير الطبية – والتي لها أثر مادي بيولوجي – يمكنها أن تصيب أحدهم بأمراض نفسية؟

الثانية: ذكر الدكتور ناصف بعض العقاقير قائلًا بأنها مسكنات كمسكنات الآلام الجسدية، وليست علاج، وأنهم يخدعون مثل من هم مصابون بالاكتئاب العصابي بهذه العقاقير، ولذا يجب توضيح ما يلي، الطبيب النفسي حين يستخدم مثل هذه العقاقير فهو لا يخدع المريض بالعلاج، فإن العلاج يعتمد جانبان، علاج نفسي وعلاج بالعقاقير، وأوضح عن الاكتئاب العصابي أن من أعراضه أن المريض على يقين أن أفكاره وبخاصة السوداوية هي أفكار صحيحة تمامًا وإقناعه بعكس ذلك هو أمر بالغ الصعوبة، فيستخدم الطبيب العقاقير التي تحفز إفراز بعض الهرمونات التي تقلل من حدة اكتئابه مؤقتًا، ليستطع الطبيب الوصول لتقدم بالعلاج النفسي وتغيير في فكره الذي يصيبه بعلته النفسية ومحاولة مساعدته فإنه بغير هذه العقاقير لن يقبل مساعدته أبدًا.

في نقطة أخرى يقول الكاتب إن منظمة الصحة العالمية تخبرنا بأن الاكتئاب سيكون سبب عجز الدول المتقدمة مستقبلًا، ثم يقول الكاتب أن العقاقير المضادة للاكتئاب تضخ في خزينة الشركات المصنعة حوالي 20 مليار دولار، وأن تلك الشركات هي أكبر دافع للضرائب في كل دول العالم، «هل تعتقد أن زوال الاكتئاب من العالم سيكون مفيدًا لهذه الشركات؟ أليس زاله سيرحمها من العشرين مليارا السنوية، وبالتالي سيحرم الحكومات من مليارات الضرائب؟» هكذا قال الدكتور ناصف، ثم يقول أن أقوى المسببات للاكتئاب هو أن لا يكون لديك أي شيء، أو يكون لديك كل شيء، وهذا صحيح تقريبًا، ولكن يضيف الدكتور ناصف أن الدول المتقدمة والمتخلفة تلعب على هذا الوتر لتخلق الاكتئاب وتفشيه بين الناس، فلا تحرم الشركات من المليارات وبالتالي الحكومة لا تُحرم من مليارات الضرائب.

وهنا وقفة، كيف الحكومات التي تعلم أن الاكتئاب ازدياده يؤدي إلى انهيار الدول – حسب قوله – تدعم انتشاره حتى يضخ في ميزانيتها الضرائب الباهظة لبضعة أعوام ثم.. تنهار الحكومة؟ هل الحكومات بهذا القدر الضئيل من الذكاء؟ لا بل إنهم أطفال وليسوا رجالًا بالغين، فمهما كان قدر ذكاءك فإنك بالطبع لن تدعم ما يضخ في جيبك الأموال الطائلة وأنت تعلم أن دعمك له يعني موتك قبل أن تتمتع بتلك الأموال، لما نظرية المؤامرة؟ ، ما أود أن اسأله حقًا، مرة أخرى، كيف يكون طبيب بمثل قدر هذا الطبيب على هذا القدر الضئيل من الذكاء والضخم من التناقض؟

تدقيق في بعض ما في صفحات الرواية

في الصفحة السابعة، وصف تصرفات النظام وآلية تصرفه وحكمه جزئيًا، واستخدام علامات التعجب في مواضع كان يجب فيها أن أتعجب أنا – كقارئ – من مقصد الكاتب، بينما جملة الكاتب كان أفضل أن تعطي طابع جملة خبرية تزيد تفصيلًا على عموم المشهد الذي أكونه في مخيلتي، فالجملة أعطتني طابع أن الكاتب يقول: «انظر، لقد كتبت جملة إسقاطية على واقعنا وهي ذكية وماكرة» أحد الجمل التي أقصدها: «الدولة لم تكن مستعدة للدخول في معركة مع رجال الدين أو خسارة أحد أهم الأركان التي تدعم ثبات أي نظام!»، «هنا فقط صدق الناس ما يقال، فالحكومة أصبحت تحاكم المجنون!».

الرواية كبناء

بعد ما ذكر من نقد وتعليق على بناء الرواية من مختلف الأركان، أختم المقال بالتحدث عن الأركان الباقية التي لم أتحدث عنها من بناء العمل.

اللغة

كانت قوية وراقية وهي إحدى ميزات قلم الجيزاوي في مختلف أعماله وكتاباته.

القصة

عمل مرهق للقارئ، وهو ما يعني كم المعاناة التي واجهها الكاتب أثناء كتابته، لذا كانت القصة مختلقة بشكل رائع ومحكمة الحبكة.

حبكة الأحداث

غاية في القوة والإحكام، ممتعة إلى حد بعيد، وأتقن الكاتب حبكة قصته.

السرد

سلس لا يثقله إلا ثقل العمل فكرة وقصة.

الأسلوب: بشكل عام

الأسلوب الأدبي لا يمكنني إلا قول أن الجيزاوي هو صاحب أحد أقوى الأقلام التي تثير إعجابي في الأسلوب الأدبي من حيث اللغة والتعبيرات الجمالية.

وآخرًا، نقد العمل لا يعني أن العمل سيء، ولا يعني أنني في خلاف مع الكاتب، فأنا على اختلاف فكري دائمًا مع الكاتب لكني أقدره حق قدره، الكاتب يعلم أنني منذ أول صفحات العمل وأنا انتويت كتابة هذا المقال النقدي لذا أنا لا أحاول كسب شهرة من وراء هذا المقال أو التقليل من الكاتب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد