(1) عمر الثورة من عمر المجتمع، لا أستطيع أن أرى أعمار الأمم إلا مراحل زمنية بين ثورات، والمجتمع المصري عاش ثورات عديدة على طول عمره المديد، وكل ثورة يكون لها تراكم قبل حدوثها وتراكم بعد حدوثها وتأثير في التراكم الذي سيؤدي للثورة التالية عليها.. وهكذا

فقد كانت ثورة 1919 أيضًا نتاج تراكم كبير سابق عليها بدأت جذوره في التاريخ مع ثورة المصريين ضد المماليك في 1795، وضد الاحتلال الفرنسي في 1799، وضد الولاية العثمانية في 1805، وضد حكم أسرة محمد على في 1882. وتخلل هذا انتفاضات عفوية وتحركات للعمال وللفلاحين ونضالات وتضحيات فردية وجماعية عديدة.

كما أن ثورة 1919 كان لها تأثير ضخم على التراكم التالي، لا أتكلم عن النتائج المباشرة مثل دستور 1923 وغيره من المكاسب، إنما أتحدث عن تراكم في الحراك الوطني والعمالي والطلابي في 1936 و1946 وحتى حريق القاهرة 1952، ثم انقلاب يوليو الذي جاء تتويجًا مشوهًا لكل ما بذل خلال هذه الفترة.

كذلك ثورة 25 يناير 2011، هي أيضًا نتاج كل ما سبق، يضاف إليها حراك 1968 للمطالبة بالمحاكمات، والحراك العمالي في 1975، وانتفاضة الخبز 1977، وحتى انتفاضة الأمن المركزي 1986، وإضراب عمال الحديد والصلب في1989، ونضال اللجنة الشعبية لدعم فلسطين 2001، والمظاهرات المناهضة لغزو العراق في 2003، وحركة كفاية، وانتفاضة القضاة، وانتفاضة المحلة في 2006، وكل ما تخللها من نضال فردي أو جماعي.

وبالمثل فهناك تراكم يجري بناؤه اليوم بعد ثورة يناير 2011 شاهدنا تجلياته في الوعي المتقدم الذي نراه الآن، وتحركات الشارع في موجة الاحتجاجات العمالية والمهنية في 2015 و2016، الحراك ضد بيع جزيرتي تيران وصنافير، والحراك الذي أشعله محمد علي في سبتمبر (أيلول) 2019 بعد كشفه عن بناء القصور الرئاسية، والحراك الذي اشتعل ردًّا على قانون مخالفات المباني «الجباية» في سبتمبر 2020، وموجة الاعتصامات العمالية الحالية ضد الخصخصة وتصفية الشركات، وسنشاهده أكثر وأكثر في المستقبل تمهيدًا لثورة جديدة.

فالثورة عملية طويلة زمنيًّا ومعقدة جدًّا، ولكن نحن دائمًا كأفراد (لأن عمرنا قصير جدًّا مقارنة بعمر المجتمعات) نرى قمتها في الانتفاضة، ونتمنى أن تنتصر في حياتنا وأمام أعيننا، ولكن الحقيقة أن الثورات تحدث التغيير في النهاية، ولكن هذا التغيير البطيء لا يراه معظم الأفراد، ولكن من يراه هم دارسو علم الاجتماع، ومن تشعر به هي المجتمعات.

(2) من الأفكار التي يحاول النظام بكل قوته زراعتها في العقول، أن «السياسة نجاسة» وأن الانتماء لأحزاب وأفكار هو المفسدة الكبرى، وفي الوقت نفسه أن المطالب الفئوية التي طالب بها العمال بعد الثورة، هي التي أفسدت نقاء الثورة، فمن صنع الثورة – وفقًا لما يريدون تصديره – هم مجموعة من الشباب الطاهر الذي لم تنجسه السياسة، وهذا الشباب لا يسعى لمطالب خاصة، ولو كانت ثورة يناير جيدة فهذا لأنها كانت بلا سياسة، بلا أحزاب، بلا مطالب فئوية، وأنها هزمت عندما سيست، وتحزبت، وشارك فيها العمال.

والحقيقة هي العكس تمامًا، فثورة يناير قامت بسبب نضال المسيسين والمنتمين لأحزاب سياسية طوال 10 سنوات سابقة عليها، وتحركات العمال المطلبية منذ 2006، وقبلها بكثير جدًّا في عمق التاريخ النضالي للمجتمع كما ذكرنا في النقطة السابقة.

كما أن مسيراتها وخطتها جرى وضعها في مقرات الأحزاب والحركات السياسية قبل الدعوة لها على السوشيال ميديا، ومعظم قيادتها الشبابية وكبار السن كوادر في أحزاب أو مشتغلين بالسياسة.

وما أجبر النظام على التخلص من مبارك هو موجة الإضرابات التي قام بها العمال بعد 28 يناير، والتهديد بالإضراب العام في 12 فبراير، ونتذكر جميعًا كيف كان شفيق يريد توزيع بونبوني على المعتصمين بالتحرير، فهو لم يخش التحرير بقدر انتشار عدوى التحرير إلى المناطق العمالية والأحياء الشعبية.

إن السياسة ليست نجاسة، والتحزب ليس سبة، وكلاهما ليس السبب في فشل الثورة، العكس هو الصحيح فغلق الحياة الحزبية، وضعف الخبرة السياسية، هو ما سمح للعسكر بالتلاعب بالأحزاب التي عانت من غياب القواعد التنظيمية وغياب الممارسة السياسية الحرة، حتى جماعة الإخوان نفسها، كان ينقصها الخبرة السياسية، وهذا كله نتج من سنوات وسنوات من خنق فكرة السياسة وتداول السلطة.

ما يجب أن نتعلمه من ثورة يناير هو عكس ما يجري الترويج له من قبل السلطة، وهو أن ممارسة السياسة والانتماء لأحزاب سياسية وتداول السلطة فيما بينها بشكل ديمقراطي، هو ما كان يغيب عن ثورة يناير، وهو ما أدى لفشلها، كما أن الجمع بين المطلبي والسياسي هو الجسر الذي يربط بين النخب السياسية والجماهير، ويخلق الحركة الجماهيرية القادرة على تحقيق التغيير، والأهم الحفاظ عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد