هامش

– اعتراف

في البداية لم أكن مؤيدًا لدعوات التظاهر.. كنت يائسًا تمامًا من حدوث تغيير حقيقي للوضع المستقر لعشرات السنين، لكن حين رأيت الطوفان البشري الجارف يهدم في طريقه كل ما استقر حتى الموات.. ساعتها أدركت أني كنت مغفلًا.

بعدها ملأني التفاؤل والثقة.. أيقنت أن هذا الطوفان الجارف الذي قدر على هدم القديم، قادر أيضًا على بناء الجديد، لكن مع الوقت أدركت أني – أيضًا – كنت مغفلًا.. فكيف لطوفان الهدم أن يستطيع البناء؟

الطوفان الشاب (العفي) في أوج قوته.. بلا تخطيط مسبق ولا تفكير في المستقبل.. كتلة هائلة من الحماس.. قلب نابض بالصراخ بلا عقل.. الطوفان الشاب (العفي) في أوج قوته.. لا يؤمن بالمساومة والاستكانة.. لا يؤمن بالاستقرار والركود.. الطوفان الشاب الشعبي الجارف كان حقًا قويًا.. كان حقًا نبيلًا.. كان حقًا (عفيا).. لكن من قال إن القلب كافٍ بلا عقل؟

هامش

– كتابة

بعد أيام من فرحة يناير.. في أول ندوة ثقافية شاركت فيها.. قابلت صديقًا كاتبًا فبادأنا مازحًا: (حنكتب عن إيه دلوقت؟.. كل السلبيات والمشاكل اللي كنا بنكتب عنها حتبقى جزء من الماضي).

كم أنا سعيد من أجلك يا صديقي.. فقد كتبت بعد يناير ضعف ما كتبته قبله.. طبعًا لأنك كاتب بارع.. والكاتب البارع يستطيع الكتابة حتى في عالم خال من المشاكل والسلبيات.

ارفعوا رؤوسكم

ارفعوا رؤوسكم.. فمهما مرت الأيام بهزائمها الصغيرة والكبيرة.. مهما بردت نار الحماسة وتغيرت القلوب.. يبقى أثر يناير مختلفًا.. استطاع يناير خلق دنيا جديدة.. وهبنا يناير العديد من الهبات التي جاءتنا مع أمواج الطوفان.. وهبنا الأمل في التغيير.. وعلمنا أن حتى في أقصى قمم النصر أو قيعان الهزيمة.. لا شيء دائم.

وهبنا أيضًا هبة كبرى.. حين كشف عنا غطاءنا وعرى لنا العديد من النفوس والوجوه.. كم من قامات أبهرتنا قبل يناير فجلعناهم أصناما.. ليأتي الطوفان فيعريهم ويكشف لنا عن حقيقتهم.. يكشف لنا عن مجرد أقزام.. تصاغروا حتى لم نعد نراهم!

ارفعوا رؤوسكم ولا تندموا على ما مر.. فقد وهبنا يناير علامتنا وبصمتنا في التاريخ.. فبدونه كنا أصبحنا جيلًا منسيًا.. عاش ومات في سنوات من استقرار اليأس.

هامش

– أجيال

بعدما مضى الطوفان.. حين عادت الأرض لاستقرارها.. أذكر أني – ككثير غيري – كنت ممتلئًا بالمرارة تجاه الجيل الأكبر.. نعتهم كثيرًا بالفشلة والانهزاميين والمدعين.. قتلتني فكرة أن صمتهم واستكانتهم الأزليين كانا سببًا في تغيير مصيري ومصير جيلي.

في يوم من الأيام.. ربما في جلسة على مقهى.. كنت أعبر بحرية عن رأيي في (الجيل الملعون اللي جابنا ورا).. حين نظر لي ذلك الشيخ الأشيب بابتسامة وأخبرني: (يا بني.. مافيش حل غير إنك تتقبل اللي قبلك.. وإلا حييجي اللي بعدك ويلعنك بنفس الطريقة).

الآن.. حين أرى تلك النظرة.. نظرة اللوم والاستصغار المختبئة في أعين من هم أصغر منا.. أدرك كم كبرنا قبل أواننا.. وأدرك أنه حان الوقت لنقبل لعناتهم بابتسامة.

هامش

– (إيه العمل في الوقت ده يا صديق؟)

مع كل عرس من الأعراس الديموقراطية التي جاءت بعدها.. أجلس وحدي لأشاهد (عودة الابن الضال) مرة أخرى (بالمناسبة.. يوسف شاهين ولد في 25 يناير).. أشاهد الفيلم فيكبر التساؤل في داخلي ليصل لحد اليقين.. هل انتهينا؟ هل حان الوقت لينزوي جيلنا خارج المشهد تمامًا؟ جربنا طوفاننا وانتهينا.. وحان الوقت أن نلملم نجاحاتنا وهزائمنا وخطايانا وتضحياتنا وننزوي.. عسى أن يأتي من بعدنا جيل ليخوض الطريق بحكمته وتجربته الخاصة.. فينجح في الوصول للنجوم.

ألهث مع الجد الذي يشير لعلي هامسًا: (ماتبصش وراك.. إنسانًا.. روح)

متن:

الفاتحة لشهداء يناير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

يناير
عرض التعليقات
تحميل المزيد