يتحرك الوعي مع الثورة وتتحرك الثورة مع الوعي، هذه العلاقة الديناميكية التي صاغها كثير من المفكرين وعلماء الاجتماع عند تعريفهم للثورة على أنها حركة لتغيير واقع اجتماعي معين، أعتقد أن هذا ما أغفلته متعمدة النخب الثورية في الخامس والعشرين من يناير، دائمًا ما يحاول الجميع تحييد الدولة عن الصراع وتحاول الدولة الظهور بمظهر المحايد، لا يهم إن كنت ثوريًا أو إصلاحيًا أو إسلاميًا أو علمانيًا ولكن تبقى الدولة دون أن تمسها بتصريح وإلا سنصبح مثل سوريا والعراق! تلك المحاولات لتحييد الدولة عن الصراع فهمتها الثورة المضادة مبكرًا فضحت بالنظام في مقابل بقاء الدولة. انشغل الثوريون والعامة في محاولة التحرك في مساحات ضيقة رسمتها الدولة لهم بعناية شديدة فمن الصراع حول حكومات رجعية للمجلس العسكري لتطور الصراع حول المجلس العسكري ذاته، لكن كان هناك دائمًا نعرة قومية تتحدث عن أنه لابد أن تبقى الدولة.

الدولة عند ماكس فيبر هي ( كيان سياسي يستطيع أن يتحكم في الاستخدام المشروع للعنف في إطار جغرافي معين على مجموعة من الأفراد)، إذن هل كانت الدولة المصرية في قمعها للثوار تستخدم حقها الشرعي في ممارسة العنف، إذا كنا نرى أنها دولة ظلم فلابد أنها تفقد بذلك حقها الشرعي في استخدام العنف. ولكن الواقع يقول أن القمع كان ممنهجًا وتحت غطاء قانوني جيد وسياسي أفضل. من الضروري أن نعترف أننا تم اقتيادنا كالحيوانات نحو حلبة الصراع الطفولي مع السلطة وليس مع الدولة، حتى بعض التنظيمات الثورية التي تحركت عن وعي منذ البداية وأكدت على ضرورة أن يكون الصراع مع الدولة لم تمتلك الآليات المناسبة لإدارة ذلك الصراع فبين الحديث عن تكتيكات عفى عليها الزمن ولا تناسب الواقع المصري تحت ستارة أننا لا بد أن نفهم ونقرأ تاريخ الثورات المشابهة، لا يمتلك هؤلاء أدنى فكرة عن أن خصوصية المجتمع والدولة في مصرلا يصلح معهما أي نموذج مقارب. قد تكون المقاربة هنا هامة من باب العلم بالشيء لكن ليس لاستخدام التكتيكات السابقة.

إذن نحن أمام دولة لا تعترف بما أنتجته العلوم السياسية من أفكار وأطروحات حول الدولة وأعتقد أنه لا ينطبق أي وصف تمامًا على الدولة المصرية، لا أعرف لماذا ربما لأن الدولة المركزية في مصر تضرب بجذور عريقة في التاريخ، فهي لم تنشأ مع الدول القومية بعد صلح وستفاليا ولكن كانت أقدم حتى لو اتخذت شكلاً أقل تعقيدًا وأقل سلطوية وسيطرة على جميع المناطق فيها فكانت دولة بالمعنى الواسع لكلمة الدولة، ربما لأن محاولة التحديث التي قام بها محمد علي في بدايات القرن السابع عشر لم تتعد محاولات التحديث الشكلية في القطاعات الإنتاجية في الدولة ولكن ظل الجهاز الإداري هو بنفس عقلية المماليك (جباة الضرائب)، قد تتعدد التفسيرات للطبيعة الخاصة للدولة في مصر، ولكن كل الطرق تؤدي لصعوبة التحليل لتلك الدولة. بالمثل لا أعتقد أن منهجية التحليل قد تشكل فارقًا في تحليل الدولة المصرية، فكيف تستخدم نظامًا معقدًا لتحليل ما هو شبه عشوائي؟!

كل تلك الأسئلة الكثيرة عن الدولة ووضعها في الحراك الاجتماعي الذي تشهده مصر، وهل هي طرف فيه أم لا، وهل يجب أن نرفع سقف الصراع نحو الدولة وليس نحو النظام، لم ندركها في الخامس والعشرين من يناير وأعتقد أن ذلك من الطبيعي ألا ندركها، لكن الوضع الحالي أصبح أكثر تعقيدًا، الدولة المصرية كسبت الجولة الأولى من الثورة واستطاعت أن تحجم الحراك من جوانب عدة وبعدة طرق مختلفة، فمن الخطاب الأخلاقي الذي تصدر المشهد للطبقة المتوسطة (إيه اللى وداها هناك) وتذاكر دخول الجنة التي وزعها الإخوان على من نادى معهم بالاستقرار لدعوات التكفير الأصولية التي أطلقها الإسلام السياسي على معسكر الثورة. كانت الهزائم تلحق بنا واحدة تلو الأخرى أصبح الثوار منبوذين من المجتمع في غضون عدة أشهر بعد التنحي. وأعتقد أن الفارق اللحظي والانتصار الوحيد الذي حققناه كان في محمد محمود، فتلك الملحمة الثورية التي اتضح فيها جليًا للجميع أن المعركة لا بد أن تكون مع الدولة ليس مع النظام، الدولة ممثلة في الداخلية والمجلس العسكري وحلفائهم من الإخوان والأحزاب السياسية الأخرى.

لكن سرعان ما عدنا خطوات للخلف في عهد الإخوان فالصراع انحسر مع النظام الإخواني وليس مع الدولة وذلك كان مهمًا في الفترة تلك، أن تصدر الدولة نظامًا جديدًا لننشغل معه بذلك الصراع الطفولي حتى تقوم هي بإعادة ترتيب أوراقها بعد الهزة العنيفة في الخامس والعشرين من يناير، طفولية الصراع تلك كانت وما تزال حتى الآن هي السمة المميزة لأي تحرك على الأرض من قبل معسكر الثورة.

سقوط الإخوان فرغ مساحة الصراع حول الإدارة السياسية، وأعطى فرصة ذهبية لكلا فريقي الصراع “الدولة، الثورة”. ولكن من نجح في الاستغلال اللحظي للمساحة كانت الدولة ولسنا نحن وهذا طبيعي جدًا في السياسة، فمن يأتي متأخرًا لا يجد مكانًا. وبالمبدأ القانوني الشهير (jus prima jus) أي الحق الذي يكتسبه أول الشاغلين لفرض القانون في الفضاء. لعبنا نحن اللعبة بقواعد الدولة، مع تصاعد الخطاب القومي الذي وضعته الدولة في المقدمة ضد الإخوان وغباء الإخوان الذي أتاح للدولة كل الفرص أن تقوي نفسها تحت ذريعة الدفاع عن مصر، وقف معسكرالثورة موقف المشاهد للحدث بدون أن يفكر أن يحدث تأثيرًا أو يوجه الصراع عن عمد ضد الدولة.

سواء اتفقت أو اختلفت أو انتاب البعض حالة من النوستالجيا لانتصارات صغيرة حققناها في الماضي فنحن الآن في أمس الحاجة لإعادة ترتيب الأولويات ومحاولة الاتجاه بالصراع في اتجاهه الصحيح نحو الدولة، ولكننا في الوقت الحالي بحاجة أهم للبحث عن تلك الآليات لإدارة الصراع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورة, الدولة
عرض التعليقات
تحميل المزيد