الأوبرا هي فن الحكي المسرحي، ولكن بلغةٍ أخرى، تستطيع من خلالها أن تنتشي فرحًا وحزنًا في آنٍ واحد، إنها الموسيقى التي نتشاركها جميعًا، تحتل الزمان، والمكان؛ لتطمس وجود أية لغة بجانبها. زخمٌ من الإبداع حيث موسيقى وغناء وتمثيل تحركهم عصا ملحن، فيتمايلون طربًا، وتبدأ الريح فوق محرك الوقت في الارتجاف، والدوران، لتكوِّن حلقة من السحر تجذب كل من ينصت إليها، وتأسره فيها، للحظاتٍ، ولحظاتٍ!

مدام فراشة – Madama Butterfly

 ماريا كالاس (Maria Callas) هي المرأة، والأنشودة التي التف حولها العالم، في عمر تسع سنوات بنعومة الطفولة، كانت تغني ماريا لصديقاتها في المدرسة التي التحقت إليها بمنهاتن, الولايات المتحدة، ولكن يبدو أن الغناء لم يكن وحده ما يملأ طفولة كالاس، فكانت حياتها مليئة بالشجار المستمر مع والديها، بسبب التفرقة بينها وبين أختها الكبرى ، وذلك كما روت كالاس أن أختها كانت تتسم بالجاذبية والرشاقة، أما هي فكانت طفلة بدينة في نظر والديها. 

ولدت ماريا كالاس في مدينة نيويورك 3/12/1923 لأبوين من أصل يوناني، اسمها الحقيقي (Cecilia Sophia Anna Maria Kalogeropoulus) الذي اختصره والداها إلى Maria callas. عندما بلغت الرابعة عشر عادت مع والدتها وأختها إلى أثينا بعد حصولها على منحة للدراسة في الأكاديمية الملكية للموسيقى، وأثناء دراستها كان تقوم بأداء عروض غناء سوبرانية مهمة في المدرسة، مثل Cavalleria Rusticana.

وفي نهاية الحرب العالمية الثانية عادت كالاس إلى نيويورك بمفردها، حيث قامت باختبار أداء إلى أوبرا ميتروبوليتان الشهيرة the Metropolitan، وحصلت على عرض دور البطولة Madama Butterfly، للملحن الأوبرالي الإيطالي  Puccini، ولكنها رفضت العرض بسبب وزنها الزائد الذي وصل حينها إلى 210 كيلوغرام، قائلة: إنه لا ينتاسب مع اسم المسرحيه مدام فراشة، والذي يوحي بالخفة، وسبب ذلك معاناة نفسية كبيرة لها. في بداية مسيرتها الفنية ظهرت مع مجموعة من المطربين الإيطاليين، لكن هذه المجموعة لم تستمر لأسباب مالية، بعد ذلك أبحرت إلى إيطاليا حيث حصلت على دور بطولة لأول مرة La Gioconda، للملحن الإيطالي Ponchielli. وفي مدينة فيرونا الإيطالية Verona التقت كالاس بأهم قائد فرقة موسيقية، ومُعلِّم لها توليو سيرافين Tullio Serafin الذي أخذها إلى فيينسيا حيث غنت أهم الأدوار الدرامية في أوبرا فاغنر، وبوتشيني، وبيليني، وعظماء آخرين.

أوبرا عايدة وماريا كالاس

عايدة Aida هي مخطوطات اكتشفت  في وادي النيل، وكتبت من قبل عالم الآثار الفرنسي أوجست ماريتا أو ميريت باشا الذي تم تعيينه مديرًا للأثار فى عهد الخديوى عباس عام 1858، بينما كتب نصها الغنائي اللبيرتو، الإيطالى أنطونيو غيالانزو Antonio Ghislanzon، في1870 ألف موسيقاها الملحن العظيم جوزيى فيردى Giuseppe Verdi، وروي عنه حكاية تقول: إنه هرب من الروس فوقع في غرام عايدة،أخذ مقابل ألحانة 150 ألف فرنك من الذهب الخالص من الخديو إسماعيل باشا، والتي كانت مجدولة على تقديمها في حفلة افتتاح دار الأوبرا بقناة السويس، والموجودة بين حي الأزبكية، وحي الإسماعيلة، ولكن تأخر وصول الملابس والديكورات في الميعاد المحدد أدى إلى إلغاء عرضها، واستبدال بها عمل آخر .

تتكون عايدة من أربعة فصول، القصة تدور حول فتاة أثيوبية عايدة أسيرة لدى فرعون مصر، وتحب القائد المصري راديميس الذي يبادلها نفس الشعور، فيما تحب ابنة الفرعون أمينريس رادميس أيضًا،ومن هنا تتدفق الأحداث، وينشأ الصراع، ليخلق إشارات إلى القيم النبيلة، ونقيضاتها. الصراع بين الخير والشر، الإخلاص للوطن مقابل الخنوع لتأثير العاطفة، الحب والكره، وعلى الرغم من صغر حجمها، إلا أنها من أعظم ما كتب عن الوفاء،التضحية والحب.

في عام 1949 غنت ماريا كالاس عايدة Aida في مسرح الاسكا La Scala in Milan بميلانو، والذي يعتبر الغناء فيه بمثابة حلم يسعى إليه كل مغن أوبرالي في إيطاليا.

ومع مرور الوقت، ومزيد من الأعمال العظيمة التي قدمتها كالاس بدأت تكتست نجاحًا وخبرة كبيرتين، وشهرتها لم تكن مقتصرة عل إيطاليا فقط، بل المكسيك، وأمريكا الجنوبية، وغيرهما. وزادت ثقتها بنفسها فخسرت 70 كيلوغرامًا، لتصبح من أكثر النساء جمالًا وجاذبية على مسارح الأوبرا. فتعاود الرجوع إلى موطنها في نيويورك مرة أخرى بدور Norma في أوبرا  Chicago lyric.

صوتٌ جميلٌ، وقلبٌ تحتدم فيه المشاعر

صوت كالاس كما قال النقاد يتكون من ثلاث طبقات. الطبقة العلوية هي الطبقة الفولاذية، شديدة القوة. الطبقة المتوسطة هي ذات الصوت الرخيم المخملي، والطبقة الدنيا فيغلب عليها الحدة. كالاس تقوم بتشكيل النغم بحرفية، وعذوبة. فكانت تستطيع غناء مدرج كروماتيكي تنازلي بتناغم بديع. وكل ذلك لا يلغي أن صوتها أحيانًا لا يستجيب لكل شيء تطلبه منه.

لم تكن حياة كالاس الداخلية مستقرة، فكانت  شخصية مزاجية،متقلبة في كثير من الأحيان؛ وذلك أدى إلى حدوث مشاكل كبيرة في عملها، ليس ذلك فقط إنما في حياتها الشخصية أيضًا؛ حيث انفصلت عن زوجها عام 1959، بعد ارتباطها بعلاقة عاطفية مع Aristotle Onassis الذي لم يصن حبها، ليتزوج  في النهاية من أمرأة أخرى. لم تكن هذه الصدمة الوحيدة  التي أثرت في حياة كالاس، كانت حياتها مزدحمة بالخذلان، والعلاقات الاجتماعية المنفكة.

 يأتي المشهد الأخير، بعد 20 عامًا من التأجج الساحر، امرأة بعينين واسعتين، تجلس في غرفتها، وحيدة تمامًا ، تتكئ على صوتها الذابل، وذكريات الطفولة، ومشهد أخير من صنعها لـعايدة وهي تطوق راديميس في تابوتٍ الأبدية، في 17 سبتمبر(أيلول) من عام 1977 غادرت ماريا كالاس الحياة، بذبحة قلبية عن عمر 53 عامًا في العاصمة الفرنسية باريس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أوبرا, شخصيات, فن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد