«ماريا مغربي دبابة .. بطلة وجنبها إحنا غلابة»

التعريض بالعنوان الجانبي على مقطع أغنية «قالوا إيه» المنتشرة حاليًا لأن عقلي دمج الشخصية لا إراديًا مع مقطع الأغنية الشهير للبطل خالد مغربي قائد الدبابة في الحادثة الشهيرة في سيناء لا أكثر. ولكن من هي ماريا؟!

ماريا أوكتيابرسكايا، هي واحدة من 10 سيدات فقط في سلاح الدبابات الروسي أثناء الحرب الكبري «الحرب العالمية الثانية». ولكن ماريا هي واحدة من أكثر النساء العسكريات اللاتي يضعن التفكير الجمعي لوجهة نظر قدرة المرأة على القيام بأعباء الحرب في موضع شك.

لنتعرف أولًا على السيدة ماريا دبابة وبطولتها التي سنتفق عليها ثم نذهب للنقاش حول الاختلاف بعد ذلك.

 

إن قصة ماريا برغم أنها قصة رومانسية دراماتيكية وتصلح مادة سخية لعمل سينمائي قوي إلا أنها لا يجوز إطلاق عليها القول الشهير «ومن الحب ما قتل» لأن فيه حالتها تكون العبارة «ومن الحب ما صنع بطلًا» هي الأصدق.

ماريا أوكتيابرسكايا، تزوجت عام 1925م من ضابط بالجيش السوفييتي وأصبحت عضوة بالمجلس العسكري للزوجات وتعلمت التمريض العسكري في الجيش السوفييتي. وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، تم إجلاؤها مع المواطنين من الأماكن المُدمرة لتستقر في تومسك بإقليم سيبيريا. لكن بقي زوجها في الخطوط الأمامية للقتال ضد العدو الألماني وقُتِلَ في خضم المعارك الشرسة بين قوات الرايخ الألماني والجيش الأحمر الروسي.

بقيت ماريا عامين في سيبيريا لا تعلم شيئًا عن زوجها حتى وصلها خبر مقتله، انتابها الغضب وكل ما كانت تفكر فيه هو الانتقام فقط. فقامت ببيع كل مقتنياتها وكتبت خطابًا إلى ستالين «رئيس الاتحاد السوفييتي» جاء فيه نصًا.

 

«لقد قُتِلَ زوجي وهو يدافع عن أرضنا الأم روسيا، أود الانتقام لمقتله ومقتل السوفيتيين من الكلاب الفاشية وما طالهم من تعذيب على يد البرابرة الفاشيين. لهذا الغرض، لقد بعت كل مقتنياتي وأملاكي الشخصية وبلغت 500 ألف روبل ووضعتها منحة للبنك الوطني من أجل بناء دبابة. وأطلب بكل عطف أن تُسَمَى الدبابة بـ«الحبيبة المقاتلة» وأن ترسلني إلي الجبهة سائقة لهذه الدبابة».

 

في الحقيقة، وافق ستالين على طلبها. ولكن بقيت الشكوك تساور قادة الجيش عن قدرتها كامرأة حقًا في قيادة آلة ضخمة تتطلب مجهودًا بدنيًا كبيرًا كالدبابة. بالرغم من ذلك خاضت ماريا أوكتيابرسكايا التدريبات اللازمة وحققت نجاحًا كبيرًا في القيادة والتصويب، وأخيرًا تم منحها التصريح في الذهاب نحو الجبهة لمقاتلة النازيين الألمان. وحققت نجاحًا أدهش زملاءها الرجال في سلاح الدبابات وقتلت وحدها ما يقارب 30 جنديًا ألمانيًا في أداء بطولي ترقت على إثره إلى رتبة ملازم.

في معركة أخرى في هجوم ليلي في نوفمبر 1943، أصابت دبابتها قذيفة بازوكا فتعطلت. لم تفعل ما يفعله مقاتلو الدبابات عادة في مثل هذه الظروف من الاحتماء داخل درع الدبابة حتى وصول النجدة، ولكنها خرجت تحت تأمين نيران من زملائها وأصلحت أعطال «الحبيبة المقاتلة» في خضم المعركة والقتال، ثم أكملت مهمتها بعد ذلك.

في معركتها الاخيرة كانت تقود وحدة دبابات في قتال مع الألمان وانفجرت قذيفة في «الحبيبة المقاتلة» بعدما دمرت دبابتين للعدو الألماني، فعلت مثل السابق محاولة لإصلاح الأعطال ولكن هذه المرة تصيبها شظايا قذيفة انفجرت بقربها لتبقى شهرين تصارع الموت في غيبوبة ثم تنضم لزوجها.

أطلقوا عليها لقب «الجندية التي لا تخاف» وتم تكريمها بأعلى وسام في الاتحاد وقتها «وسام بطل الاتحاد السوفييتي» وبقيت دليلًا على المستحيلات التي تسقط في وسط الحب والحرب.

قصة ماريا طرحت الكثير من الاسئلة حول التفكير الجمعي حول قدرة المرأة بل وقدرة البشر عامة. هل قدراتنا الجسدية حقًا هي مسجونة داخل توقعاتنا الفكرية لها ليس أكثر؟َ! هل الإنسان يصبح أقوى تحت الضغط فعليًا ولا أتحدث هنا عن التأثير الجهاز العصبي السيمبثاوي وتأثيراته الوقتية البسيطة، بل أتحدث عن أنك تصبح أقوى لسنين تحت الضغط حين تكون لا مفر لك من المواجهة ولا طريق للهرب، أو تحدد هدفًا وتصر عليه أكثر من أي شيء. هل تكسبنا تلك الأفكار من المثابرة ووضوح الهدف وقوته حقًا الدافع والقوة لكسر المستحيلات وتدمير الأطر التي تسجننا أكثر مما تبروزنا؟!

هل نظرتنا كذكور للمرأة كحالة ضعف عام في القوة والعاطفة والروح فعليًا حقيقة أم هي تراكمات وإطارات حكمنا على فكرنا الولوج فيها رغمًا عنه. هي هي الحقيقة فعلًا أم هي ما نحب أن نعتقده كحقيقة؟!

 

أنا أرى كما جاء في فيلم «فول الصين العظيم» أن بداخل كل منا قوة روحية تنتظر اللحظة المناسبة لتحفيزها لتحرر قوتنا الحقيقية من إطارات العقل التي فرضناها عليها. أن بداخل كل منا بطلًا ولكن هذا البطل منزو هناك في ركن من أركان الروح يحاول المنطق ألا يقلق منامه. قد يكون دافع ماريا الحب لزوجها وروح الانتقام له هي التي أفاقت روحها القوية داخلها. ولكن ماذا عن آلاف النساء اللاتي تحررن من قبضة المجتمع الفكرية بصورة قوية ونسميها نحن بصورة ذكورية، لأننا تعلمنا أن كل ما هو قوي هو ذكر. كم من النساء اللاتي وصلن لمناصب باعتبارهن رؤساء دول وقائدات في الحروب ومديرات شركات كانت ربما هناك انكسارة في حياتهن هي التي حررت طاقتهم الحقيقية خارج إطار الأنوثة التي اتفق عليها العقل الجمعي المجتمعي؟!

ولكن الحقيقة التي أريد أن أصل إليها، أن ماريا أوكتيابرسكايا كانت عاشقة وحبيبة وزوجة كانت أنثى عادية في حضن زوجها. ولكنه حين غاب أصبحت غير عادية مقاتلة وشرسة وعنيدة ولكنها أنثى أيضًا، أنثى قوية. فقد كان اسم دبابتها «الحبيبة المقاتلة» بحق الإله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ماريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد