تتسارع وتيرة القتال وترتفع حدتها في معظم الجبهات الداخلية، وخاصة شمال البلاد، في وقت ساد الجمود على مسار المفاوضات السياسية بين الأطراف المتصارعة وطغى خيار الحسم العسكري على المشهد السياسي المعقد والمرتبط خارجيا بصراع إقليمي متعدد الأطراف برزت تداعياته عسكريا في الجبهات الداخلية، فقد كشفت الأحداث الأخيرة عن دور تركي – قطري في الصراع اليمني قابلته مبادرة سياسية جديدة للسعودية لمقاربة الأطراف.

حازت المعارك المحيطة بمأرب الاهتمام الأكبر داخليا وخارجيا لما تمثله محافظة مأرب من أهمية سياسية وعسكرية واقتصادية لطرفي الصراع، فتعد مأرب هي المعقل الرئيسي للحكومة الشرعية المعترف بها دوليا والمدعومة من قبل التحالف العربي، كما تعد مركز التجمع الأول لقادة حزب الإصلاح الذي يحظى بالأغلبية المطلقة في القيادة السياسية والعسكرية للشرعية.

أما عسكريًا فتعتبر مأرب مركزًا لقيادة العمليات العسكرية لقوات الشرعية و القوات المشتركة مع التحالف خلافًا عن معسكرات التدريب الرئيسية التي يتم استقطاب الأفراد المقاتلين إليها لتدريبهم وإرسالهم إلى مختلف الجبهات، ونظرا لجغرافيتها الصحراوية يصعب على الخصم التوغل العسكري البري كونها أرضًا مفتوحة.

وكون مأرب أصبحت الملاذ الآمن لجميع خصوم الحوثيين من سياسيين ونشطاء ورجال أعمال، فقد استوعبت الاستثمارات الكبيرة لرؤوس الأموال القادمة من مختلف المحافطات، نتيجة الاستقرار النسبي الذي شهدته في الفترات الماضية، إضافة إلى كونها منطقة نفطية ترفد خزينة الحكومة الشرعية بإيرادات كبيرة نتيجة تصدير ما يقارب عشرين ألف برميل يوميا من النفط، وكميات كبيرة من الغاز المسال.

بالنسبة للحوثيين تعد مأرب هدفا استراتيجيا في الصراع القائم، تسعى من خلاله لفرض مكاسب سياسية في حال إزاحة الخصم من آخر معاقله في مناطق الشمالن والحصول على مستوى تفاوضي أقوى في المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة وبعض الدول الأخرى.
كما أن المركز الجغرافي لمأرب يجعل الحوثيين أكثر جدية في السيطرة كونها بوابة رئيسية لمحافظات جنوبية هي شبوة وحضرموت، وهي مناطق غنية بالنفط والغاز وكون المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون خالية من هذه الثروات، ما عزز من ضرورة تقدمهم باتجاه مأرب الغنية نفطيا والمنتعشة تجاريا.

ميدانيا حققت جماعة الحوثيين تقدمات كبيرة في فترة قياسية، حيث تجاوزت فرضة نهم وصولا إلى محافظة الجوف والسيطرة على معظمها بما فيها مديرية الحزم مركز المحافظة، فأصبحت تحاصر مأرب من عدة اتجاهات (شمالا جهة الجوف وجنوبا صرواح ومن الجنوب الغربي جهة نهم) الأمر الذي أثار تساؤلات عديدة عن كيفية تحقيق هذه التقدمات السريعة وفي فترة قياسية، وهذا ما كشفت عنه صحيفة عكاظ السعودية في تقرير لها حول خيانة داخلية في صفوف الشرعية تقف خلفها قطر وتركيا.

واتهمت الصحيفة بعض القيادات بتسليم المواقع العسكرية التي سيطر عليها الحوثيون وصولا إلى محيط مأرب، وهذا ما جعل قوات الشرعية في تشتت وارتباك بين الدفاع عن مأرب أو إرسال القوات لمواجهة انقلاب المجلس الانتقالي المسيطر حاليا على العاصمة المؤقتة عدن، والذي أعلن فيها قانون الحكم الذاتي وحالة الطوارئ.

وضع الشرعية في جنوب البلاد ليس بأحسن حال من الشمال فهي تخوض معارك مع الانتقالي في أبين وجزيرة سقطرى تكلفها الكثير سياسيا وعسكريا، وتخشى أيضا من سقوط محافظة شبوة بيد الانتقالي كونها غنية بالغاز وتعتبر بالنسبة لها محورا اقتصاديا هاما.

كل هذه التغيرات العسكرية تضعف الرصيد السياسي لحكومة الشرعية، ليرتفع بالمقابل لدى الحوثيين ونسبيا للمجلس الانتقالي وهذا ما يجعل من التحالف العربي بقيادة السعودية أمام مسؤلية كبيرة تتطلب منها تقديم دور فاعل وحقيقي لإعادة ترتيب وضع حكومة الشرعية سياسيا وعسكريا، وخصوصا في الجنوب من خلال الضغط الفعلي على الإمارات الشريك الرئيسي للتحالف، كونها الداعم الرئيسي للمجلس الانتقالي، وهذا ما جعلها تتقدم بمبادرة سياسية جديدة بين الطرفين بعد اتفاق الرياض الذي تعثر تنفيذه إلى اليوم.

يأتي الحديث عن المبادرة السعودية الجديدة في ضل احتدام المعارك بين الطرفين في جزيرة سقطرى، حيث تدور المبادرة حول إلغاء المجلس الانتقالي لحالة الطوارئ المعلنة في مناطق سيطرتها وانسحاب قواتها من عدن إلى أبين وإعادة انتشارها هناك وتشكيل حكومة جديدة للشرعية يشارك فيها المجلس الانتقالي.

وبالحديث عن التوقعات المحتملة جراء هذه التغيرات الميدانية مؤخرًا، فإن الجانب السياسي هو الأكبر تأثيرا
في حال نجحت السعودية سياسيا في إنجاح مبادرتها بين الأطراف في الجنوب، وهذا قد ينعكس عسكريا بتوحيد القوة وتوجيهها ضد التحركات الحوثية وإفشال استراتيجية إسقاط مأرب.

أما في حال فشل مبادرة التسوية وفي ضل تدهور أوضاع الحكومة الشرعية المشهودة سياسيا وعسكريا، فاستراتيجية إسقاط مأرب واردة بحكم قرب قوات الحوثيين من محيط المدينة وإطباق الحصار على أهم معسكراتها، وهذا ما سيغير الخريطة الجيوسياسية للصراع بشكل مختلف تماما قد تغيب معها قوى سياسية معينة وتتغير مسارات التسوية السياسية وتأخذ منحنى آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد